4 - كسرّ وخيبة
تعاقب الليل والنهار، وانطوت آخر صفحات من الخريف، فمرّ تشرين الثاني مرور الكرام. ما كان للشتاء سوى أن يغزو أرض اليونان بجنده القارس، إذ تلبدت السماء بالغمام، وجمّت الأمطار بغزارة، فاستولت البرودة على كل شبر من أثينا التي لطالما اعتادت الدفئ والصحوة.
إن هذه المدينة تشبهني إلى حدٍ ما، أن تكون دافئة ومفعمة بالحب، حيث تتلقاه وتعطيه بكل رحابة لكل زائر يحط رحاله فيها. وفجأة بحلول الشتاء قارس البرودة، ينفر منها الجميع، وتصبح خالية وباردة ومحرومة من الدفئ.
بغضون سبعة أشهر، خسرت أخي وزوجته وابنهما. قبل تلك الحادثة، كان بيتنا ينضح حبًا، ولكن كما يقول أسلافنا اليونانيون، لقد حسدنا إثر عين شريرة التفت حولنا، حتى ما عاد لدي فردٌ من عائلتي إلى جانبي. واحد في السجن، الثانية تحت الثرى، والثالث في بلاد أخرى. أنا ما زلت غاضبة منهما، نيكولاس وأليكسيس. لقد اعترف أخي بقتل زوجته بكل دم بارد، بينما ابنه صرّح بخيانته لي أمامي فواجهني وجهًا لوجه.
«جرت هذه الوصاية باختياري أنا يا كاليستو، إنه أجدر منكِ بوصايتي».
ما انفككت أتذكر هذه الكلمات التي طرحها أليكسيس ليثبت للشرطة أن الوصاية جرت برضاه وإرادته. وقتئذٍ كنت مصدومة، وأحدق به بعينين حمراوين نال منهما التعب بسبب المخدر وكذلك الغدر الذي تعرضت له بسبب القريب الآسيوي، والسبب الأكبر أليكسيس.
فقط.. قل لي لماذا؟ تساءلت بقرارة نفسي وأنا أرمقه بعتاب، ولكن ذلك النذل قام بضمه في حجره بين ذراعيه وسحبه معه، لقد أخذه مني ومن حضانتي! إن أليكسيس لا يمكنه مغادرتي هكذا! لقد كبرنا سويًا! أليكسيس ليس ابن أخي وليس قاصرًا تحت وصايتي، إنه الأخ الذي تربيت معه تحت نفس الكنف!
غزتني حمى غضب أدت إلى تبدد الحزن والذهول في داخلي لوهلة، فانقضضتُ صوبهم كي أستعيده من بين يدي ذلك الوغد الشامت! لقد لمحته يبتسم بجانبية وهو يخرج برفقة أولا عمومته من المكتب، ولكن جسدي رُدع عن الهبوب نحوهم، ذلك بسبب رجال الأمن الأوغاد الذين تمسكوا بذراعاي حتى لا أتمكن من اللحاق بهم. ما زال مشهد تحليق الطائرة في سماء أثينا يلوح في خاطري، كنت جالسة على المقعد بكل عجز. إنني مستهترة، قمت باستقبال غريبًا في منزلي لمجرد سماع كلماته الطيبة، كان أفعى بل أشد سميّةً من ابن عمه هانيول. أنى لي تلبية دعوته في الفندق وأنا غافلة أتم الغفلة عن فتكه بي! كان يخطط لمباغتتي والالتفاف حولي.
«أوربية غبية» كلمتين همس بهما في أذني قبل أن أفقد وعيي بين حجره. ازددت حقدًا، فاشتد بي الغيظ، ولكن كلما أتذكر أليكسيس.. يخنقني الحزن والهم ويأكلني أكلًا.
ما زال مفعول المخدر ساريًا في جسدي، لقد تحملته كثيرًا من أجل أليكسيس. استيقظت بعد ثلاثة ساعات من النوم في قاعة المؤتمرات التي دعوني فيها لمناقشة ميراث أليكسيس، ويبدو أنهم قاموا بحجز القاعة ليوم كامل. لم يكن استيقاظي محض مصادفة أو اجتهاد شخصي من ذاتي الغارقة بتأثير المخدر، لقد تعمّد أحدهم صبّ كوب متثلج من الماء على وجهي، فانتفضت بشدة. كانت رؤيتي مضببة، لذلك لم أستطع رؤية الفاعل، إذ كان يغادر مبتعدًا، فما سمعت غير صوت صفع الباب بقوة. اهتز بدني بسبب البرودة التي هتكت دفئي، وقتئذٍ استوعبت أنني كنت قد خدعت. لم أنكر أنني تفقدت ثيابي، خشية استغلالي من قبل هؤلاء الأوغاد. ولكنني كنت على ما يرام، إلا أن رائحتي كانت غير طيبة البتة، كان جسدي يفوح برائحة النبيذ، ونفسي تعبق به بفظاعة. أنا لم أشرب النبيذ حتى.
أدركت ما جرى، وبكل جنون قاومت المخدر وقدت دراحتي تحت تأثيره الفظيع، حتى أنني كدت أدهس عدة أشخاص. آنذاك ظننتُ أنني قد قلبت عليهم الطاولة حينما طوّقت الشرطة أبناء العمومة في أرض المطار فأُثيرت الضجة. ولكن بعد ظهور ابن عمهم الثالث، أوه شيون وهو يتنكر بثوب الذئب الوديع مجددًا، أدركت أنني الطاولة التي يطيب له تقليبها بأي لحظة تعجبه. بدءً من اتهامي بكوني غير مسؤولة، سكيرة وضيعة، خارقة للقانون، وأخيرًا تصريح أليكسيس الشخصي بأنني غير مناسبة لأن أكون وصيته وولية أمره. يبدو أن المؤامرة نُسجت من خلف ظهري وأنا غافلة، بل مغفلة.
ما أن عدت للمنزل بعد ظهر ذلك اليوم، نال المخدر من جسدي فوقعت على الأرض وتقيّأت بكل وهن. لم أنا منحوسة إلى هذه الدرجة، لقد تم نعتي بالطفلة المشؤومة من قبل سكان حيّنا لأنني الناجية الوحيدة من ذلك الحادث المؤسف الذي كلفني أنا ونيكولاس خسارة والدينا. هذا العام خسرتُ شخصان، والآن لحقهم الثالث. أدركت أنني محض شؤم يجدر به العيش وحده.
ومض هاتفي معلنًا استلامي بضع رسائل، فقمت بفتح الهاتف بكل ملل أتفقدها، ولكن من بين تلك الرسائل النصية، وجدت أحدها يحمل اسم أوه شيون. يا للسخرية، هل اشترى أليكسيس مني مقابل هذا المبلغ المالي؟ إنه إنسان مجرد من المشاعر والإحساس، ظننته مرهفًا نظرًا للطفه، ولكنني الآن.. أعتبرك عدوًا لي يا أوه شيون.
خلال عطلة نهاية الأسبوع قمت بزيارة أقربائي في باتراس. أنا أتذكر أيام طفولتي الجميلة التي قضيتها في باتراس، حيث كانت الطبيعة تتلألأ بجمالها الساحر. إن المدينة تقع على ساحل شمال شبه جزيرة بيلوبونيس، وكانت تطل على خليج باتراس الذي كان يبدو وكأنه قطعة من الجنة تحتضنها الجبال الخضراء. الأراضي المحيطة بالمدينة مليئة بالعنب والزيتون والحمضيات، وكانت تشكل لوحة طبيعية خلابة تأسر القلوب. كنت دائمًا أستمتع بقيادة دراجتي الهوائية بتهور في جبال باناخايكون، حيث كانت المناظر الطبيعية الخلابة تأخذني إلى عالم آخر من الجنون.
كان منزل العائلة الأثري والقديم يقع على جرف مطل على شواطئ باتراس، حيث يمكنني مراقبة المياه الصافية والشاطئ الرملي بسهولة، يدعوانني للاسترخاء والاستمتاع بأشعة الشمس الدافئة. على الرغم من أنني ابنة البحر، إذ ولدت وترعرعت على منظره، ولكنني أخاف المضي فيه بشدة.
كان الوضع على ما يرام بأول ساعات من لقائي الحار بأقربائي، ولكن ما أن تشجعت وأخبرتهم بما حدث معي، تلقيتُ الملامة الشديدة منهم، حتى أن ابن العم آستريوس رمى الكرسي الخشبي على الأرض حتى تحطّم. لقد وبخني توبيخًا شديدًا هو وشقيقته لأنني سمحت باختطاف أليكسيس تحت مسمى القانون. صدقًا لم أدافع عن نفسي عندما وبخني، إنهما محقان، لقد أرخيت دفاعي ومنحت أولئك الغرباء فرصة لا تعوّض لاستغفالي.
«يجب علينا إعادة أليكسيس ورفع دعوة قضائية على تلك العائلة!».
هذا ما قاله آستريوس بحزم، ولكنني ردعته بكل برود مصرحة بأنها رغبة أليكسيس، فيبدو أنه تخلى عنيّ من أجل تحقيق حلمه بأن يصبح نجم كيبوب، لستُ ذات مال وجاه على عكس عائلة والدته الكورية.
لقد أبدى آستريوس حنقًا خالصًا عند استسلامي للأمر الواقع. بعد ذلك طلب من النساء والأطفال الخروج من حديقة منزل العائلة التي نجلس بها، وما صدمني حقًا هو تصريحه الآتي بصوت خفيض: «حسنًا كاليستو، لا يجدر بي إخباركِ بناءً على رغبة نيكولاس.. ولكنه بريء من مقتل زوجته».
اتسعت عيناي وانقبض حاجباي طوعًا للكلام الصادم الذي سمعته توًا. ما الذي يقوله بحق السماء!
«ما الذي تقوله أنت! نيكولاس لم يكن القاتل؟ ولكنه أقرّ واعترف!».
تنهد آستريوس وطأطأ رأسه بقلة حيلة، ثم رفع عيناه الزرقاوان إلي من جديد: «لقد أئتمنني نيكولاس بسره هذا، كنت مثلكِ ثائرًا وودت تحطيم رأسه الغبي عندما صرح ببراءته أمامي فقط بعد اعتقاله بفترة وجيزة».
«قل لي من القاتل آستريوس! أخبرني!».
«لست أدري ما سأخبركِ به كاليستو، ولكن ما يجدر بك معرفته أولًا أن أوه شيون يكون خطيب سومين السابق».
انقبضت أساريري بدهشة، لم يخبّئ نيكولاس عني كل هذه الأسرار الخطيرة!
«هو يفعل ذلك لحمايتك فقط كاليستو، نيكولاس لا يريد توريطكِ بأمور تلك العائلة».
قبضت كفي بقوة فتزعزع هدوئي حين صرخت بحدة: «أنا لا يهمني إن كان ذلك اللعنة خطيبها أم شقيقها! الذي يهمني الآن هو قاتلها! لا أستطيع ترك أخي لقمة سائغة لأفواههم!».
تمسكت بيده بشدة لأنه بدا متراجعًا عن الإفصاح، نظرًا لردة فعلي العنيفة، سحقًا لي ولأوه شيون ولكل فرد بعائلته!
«أخبرني آستريوس، أرجوك… لا بد أن نيكولاس حدّثك عمّا رأى في يوم الحادثة».
حدّق بعينيّ لثوانٍ معدودة ثم كسر الصمت الذي أقمته من أجله حتى يفصح:
«قال نيكولاس أنه سمع ضجة في الطابق السفلي، ولمّا جاء ينزل كي يتفقد سومين، أبصر جثمانها المدمّى الملقى على الأرض أمامه. وقتئذٍ كان هنالك رجلان ذوا ملامح آسيوية، كانا مجرد مأمورين تابعين لرجل ثالث لم يبصره. لقد صرّح بأنه كان يجلس على الأريكة موليًا إياه ظهره، فلم يستطع رؤية سوى دخان سيجارته».
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان! شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة. سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
إمبراطورية المانجا عـام
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات. هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
نادي الروايات عـام
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات. هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
Chapters
Comments
- 6 - بين نواجذه منذ 18 ساعة
- 5 - أمير الثلوج منذ 18 ساعة
- 4 - كسرّ وخيبة منذ 21 ساعة
- 3 - خديعة الحورية منذ 21 ساعة
- 2 - الرجل الجميل منذ 21 ساعة
- 1 - غرباء في منزلي منذ 21 ساعة
التعليقات لهذا الفصل " 4"