1 - غرباء في منزلي
«زورو: عندما تقرر أن تُبحر في المحيطات، كل ما سيحدث أنت المسؤول عنه، فلا تلم البقية».
تمتمتُ هذه العبارة مرارًا وتكرارًا وأنا أعيد ترجمتها وصياغتها من اليابانية إلى اليونانية. يا لها من عبارة، إنها تحمل توبيخًا مهذبًا إلى حدٍ ما.
أطلقتُ تنهدًا مثقلًا بالهمّ، ثم تراجعتُ أستند بظهري على متكأ كرسيي غير المريح. بملل شطبتُ العبارة مجددًا، فهذه الترجمة لم تعجبني أيضًا. رميتُ قلم الرصاص على مكتبي الخشبي الصغير، لقد سئمتُ الجلوس هنا بعقل فارغ لا يقوى على ترجمة كلمات بسيطة إلى صياغة أستسيغ نطقها. انتهى بي المطاف وأنا أضع قبعتي الرياضية على رأسي استعدادًا لمغادرة المكتب.
«هل أنتِ مغادرة يا كاليستو؟» اصطادني أندرياس فتصنمتُ في مكاني، يا إلهي كم أكره سرعة انتباهه البغيضة. لقد قمتُ بمداعبة الأرض بأصابع قدميّ والتواري قدر المستطاع من أمام عينيه، ولكن كل ذلك لم يفلح مع هذا القندس.
رفعتُ له هاتفي كإثبات، ثم ألقيتُ عليه وابلاً من الكذبات بابتسامة زائفة: «لقد اتصل بي أليكسيس كي أصطحبه من المدرسة».
«كاليستو» قال أندرياس وهو يرمقني بنظرة توحي بإخفاق كذبتي كالعادة.
«نعم».
«اليوم سبت».
جرى صمتٌ رهيب فيما بيننا، فاستسلمت وتقدمت نحوه أشكو إليه حالي: «أنتَ أدرى بظروفي أندرياس، إنني أعاني الكثير في هذه الآونة ومخيلتي ميتّة وفارغة، لست كالسابق…».
تداخل صوته مع صوتي بشراسة وهتف مستنكرًا مبرراتي: «أنا أعرف ما جرى لعائلتكِ جيدًا واحترمتُ ظروفكِ عدة مرات، ولا يمكنكِ نكران أمر الإجازات المتكررة التي استهلكتها».
سكت لوهلة ثم واصل بنبرة أشعرتني بالذنب تجاه نفسي: «لقد تأخر نص الحلقة مدة طويلة، وبسبب هذا الأمر يؤسفني أن أخبركِ بأنني سأتعذر عن تقبل خدماتكِ إن تكرر هذا التأخر مجددًا».
«حسنًا، سأبذل قصارى جهدي» قلتُ بصوت خفيض وأنا أطأطأ رأسي.
«فليكن هذا» قال ثم غادر مخلفًا موجة هدوء اجتاحت الأستوديو.
غادرت الأستوديو ثم توجهت إلى دراجتي السكوتر المركونة جانب مبنى الأستوديو الصغير.
أدعى كاليستو بارلاس، خريجة جامعة باتراس، ومتخصصة بعلم الفلك. أبلغ من العمر الخامسة والعشرون، ووصيةً قانونية على كارثة تصغرني بعشرة سنوات.
على الرغم من أن عملي لا يمت صلة بتخصصي الجامعي، إلا أنني مستهيمة به أشد الهيام. مذ صغري أحببتُ مشاهدة الأنمي، ثم انتقلت بعد ذلك إلى مرحلة أشد وقعًا وهي حبّ المسلسلات الكورية، وجنونًا إلى متابعة المشاهير الكوريين المعروفين باسم “الآيدولز”، والعمل على نشر أخبارهم وترجمتها من عدة لغات، مما دفعني إلى تعلم اللغتين: اليابانية والكورية خلال فترة دراستي بالثانوية. ولا أنكر أن زوجة أخي كان تأثيرها قويًا على تعلمي اللغة الكورية.
إن ذلك قد أفادني في حياتي العملية للغاية، فها أنا ذا أعمل في أستوديو إيكاروس كمترجمة ومحررة نص لبرامج الأنمي والمسلسلات الآسيوية. في بعض الأحيان أساهم بدبلجة بعض الأصوات إلى اللغة اليونانية، وبسبب قدرتي في كلا المهارتين، لا يستطيع المدير الاستغناء عني.
إلا أنني في هذه الأيام تعيسة للغاية، فمذ تلك الحادثة المفجعة، أصبت بصدمة أفقدتني شغفي بكل شيء، فلم أستطع العمل جيدًا.
قبل ستة أشهر، عندما أنهيتُ عملي مساءً، عدتُ إلى منزل أخي الذي أسكن فيه برفقته مع زوجته وابنه، ولكنني أبصرت مشهدًا لم يسرني قط. وقتئذٍ كانت الشرطة تطوّق المنزل من جميع الجهات، الهالة المحيطة بالمنزل صارت عبارة عن أضواء زرقاء حمراء بسبب شارات سيارات الشرطة الضوئية.
رميت كلما كان في يدي، واتجهت صوبهم أركض بأقصى سرعتي. خفت أن أخي وعائلته حصل لهم أمر سيء، زارتني الوساوس وتوجستُ أكثر.
«دعني أمر!» صرخت بقوة عندما قام شرطي بمنعي من دخول المنزل. وقد دعاني إلى الهدوء وأنا لا طاقة لي فيه.
لا أعلم متى وكيف انهمرت الدموع من عيني، وأنا حتى لا أعرف ما جرى. ولكن عندما أبصرتُ أليكسيس جالسًا على عتبة الباب بحيل مهدود، دفعتُ الشرطي بقوة ودخلت متهجة إلي بكل قوتي، ولكنني توقفت بكل بئس. ذلك حينما مر بجانبه رجال الإسعاف الذين يحملون جثمانًا مغطى بملاءة بيضاء على سرير متحرك.
كل جوارحي نادت باسم أخي، نيكولاس. ذهبتُ إليهم بسرعة وأزحتُ الملاءة عن وجه الجثمان الذي خيل لي أنه أخي. فانكشف لي الوجه الحقيقي، وعلى إثره أطلقت صرخة وتراجعت للوراء حتى سقطت أرضًا، لقد كانت زوجته سومين.
راودني الغثيان فكممت فمي بقوة، كان جسدها أزرق اللون. على الرغم من انتفاضتي ومحاولة تنفسي المستحيلة، إلا أنني تذكرت أليكسيس، اتجهت صوبه بقدمين هزيلتين.
ركعت عند قدميه واحتضنته بشدة إلى صدري وأنا أواسيه، ولكن صوته فاتر النبرة فاجئني بما حمل فيه من مكنونات.
«كان أبي… كان أبي من قتلها».
جحظت عيناي، وفككت العناق ثم حصرت كتفيه بين يدي: «ما الهراء الذي تقوله أليكسيس!».
«لقد نقلوه إلى مركز الشرطة الآن، سيخضع للتحقيق قريبًا… بحادثة مقتل أمي» قال بصوت هادئ يخيفني، أنه لا يذرف دمعة، لا بد أنها الصدمة.
كانت تلك هي أسوء أيام أعيشها، بدء من خسارتنا لسومين، إلى تورط أخي بتهمة قتلها، وأخيرًا تشتت ابنهما أليكسيس المراهق.
حضر أبناء عمومتي لمساندتي بفترة المحاكمة وعرضوا علي أمهر المحامين. كما وأنهم اقترحوا أمر الحصول على وصاية أليكسيس البالغ من العمر خمس عشرة سنة. وبالفعل حصلت على وصايته، وصرت أنا الآمرة الناهية فيما يخصه، ولكنه يظل ولدًا متمردًا، وأنا فتاة في الخامسة والعشرين. كما وأنه لا يعتبرني عمته حتى، بل مجرد صديقة يشاركها اهتماماته. خلال الستة أشهر الماضية تناوب على السخرية مني.
حُكم على نيكولاس بالسجن مدة ٢٧ سنة، شعرت بالأسى الشديد وانهرتُ في المحكمة فور صدور الحكم. لا يسعني كتم حزني عليه، إن نيكولاس هو من تولى تربيتي بعد وفاة والدينا بحادث مأساوي.
بعد مرور ذلك الوقت العصيب، أدركتُ أنه يجب علي الصمود قدر المستطاع، فهناك أليكسيس الذي يتطلع إلي كواصية قانونية وعمة إن أمكن. سأسخر نفسي من أجل دعمه وتأسيس مستقبله، خصوصًا أنه مر بفترة عصيبة، كما وأنه في عمر حساس للغاية.
دعاني أبناء عمومتي للعودة معهم إلى باتراس، مسقط رأسنا وموطننا، وددت قبول دعوتهم، ولكن عملي في أثينا لا يسمح لي، والرافض الأكبر في هذه المسألة هو أليكسيس، فمذ أن سمع الاقتراح استاء بشدة وغادر طاولة العشاء مسببًا لي الإحراج أمام أبناء عمومتي. لقد صرح فيما بعد أنه يود تقديم سيرته الذاتية لإحدى الوكالات الترفيهية الكورية، لعله يصبح فنانًا، خصوصًا أنه يستطيع تحدث اللغة الكورية بطلاقة؛ كون أن والدته ذات عرق كوري.
حسنًا، على الرغم من أن أليكسيس مراهق بعمر الخامسة عشر عامًا، إلا أنه يملك جميع المقومات التي تؤهله ليصبح نجمًا في الكيبوب. كان ذو ملامحًا آسيوية ورثها من سومين، مع أنف يوناني يفتضح عرقه المختلط، وعينان زرقاوان تتراقص فوقهما خصلات شعره البني الفاتح المائل للإشقرار.
كنتُ مثله في المواصفات، لون العينان، الشعر، والأنف المتوارث من أسلافنا القدامى. نحن نتشارك الاهتمامات ذاتها، أعني موسيقى الكيبوب، وهذا أمر ممتع للغاية. ولكن تصريحه لي في تلك الليلة برغبته بتأسيس مستقبله بنفسه، واختياره طريق الفن قد أجفلني. شعرت بأنني عاجزة، وصغيرة للغاية بأن أتخذ قرارًا كهذا. يجب أن يحصل على موافقتي أولًا لكوني الواصية القانونية عليه.
أخشى أن موافقتي أو رفضي ستنعكس على حياته بالسوء، فيخترب مستقبله. إنني أصغر من مسؤولية كبيرة كهذه.
أطلقت تنهدًا جبارًا بعد أن ركنت دراجة السكوتر عند المنزل. بعد مرور تلك الستة أشهر، عادت الأوضاع طبيعية إلى حد ما، جرحه بفقد والدته لن يندمل، لكنه أفضل حالًا الآن. كما وأنه يرفض زيارة والده في السجن رفضًا قاطعًا، وأنا لن أجبره على شيء، ولن ألومه حتى على قرار كهذا.
لا بد لي من إيجاد طريقة أستعيد بها شغفي للعمل مجددًا، وإلا سينفذ أندرياس تهديده ويطردني من العمل ويوظف غيري. فقد سمعت بأن هنالك من يتقدم لهذه الوظيفة بالفعل.
هذه المرة عندما دخلت إلى المنزل، تفاجئتُ بعدة أشخاص في غرفة المعيشة. ثلاثة رجال ذوو ملامح آسيوية باردة، يبدون كتماثيل خزفية من شدة شحوب بشرتهم. يرتدون بدلات عمل سوداء، ويترأسهم رجل يجلس بخيلاء على الأريكة، كان ذو شعر قاتم السواد يتخلله خصلة شيب، ولهو شيء مثير للانتباه أن هذه الشيب استولى على نصف حاجبه الأيسر.
ابتسم هذا الأشيب برحابة قائلًا بلغته التي بدت كورية: «أهلًا بعمّة الحفيد العزيز».
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان! شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة. سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
إمبراطورية المانجا عـام
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات. هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
نادي الروايات عـام
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات. هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
Chapters
Comments
- 6 - بين نواجذه منذ 18 ساعة
- 5 - أمير الثلوج منذ 18 ساعة
- 4 - كسرّ وخيبة منذ 21 ساعة
- 3 - خديعة الحورية منذ 21 ساعة
- 2 - الرجل الجميل منذ 21 ساعة
- 1 - غرباء في منزلي منذ 21 ساعة
التعليقات لهذا الفصل " 1"