126
العدو الذي انتزع من سيسيل منزلها وعائلتها كان الماركيز هيلدغار، ومنذ ذلك الحين كان هناك مراقب معين من قبل الماركيز يراقب سيسيل.
قررت نقابة المعلومات، بعد أن أدركت المراقب والجهة التي تقف وراءه، عدم القيام بأي صفقة مع سيسيل.
وفوق ذلك، فإن الشخص الوحيد الذي نجا من الحريق الذي أشعله المركيز هيلديغار ولم يمت، كان أحد أفراد عائلة سيسيل، وهو سيون.
والمكان الذي يوجد فيه سيون هو…..
بعد أن قرأت سيسيل جميع الوثائق، ذهبت مباشرة إلى الكونت كايتير.
“أريد استلام دفعةِ العقد، يا سيدي الكونت.”
“رِيان.”
“…..رِيان.”
“الآنسة سيسيل هي زوجتي الآن، وهي كونتيسة كايتير. ما يمكن لكونتيسة كايتير فعله، يمكن للآنسة سيسيل فعله أيضاً. مهما كان الأمر.”
اهتزت عينا سيسيل. بدا وكأنها تفهم ما يرمي إليه الكونت كايتير، ولكن ليس تماماً.
وحين لاحظ الكونت كايتير ارتباكها، أوضح كلامه أكثر.
“اذهبي إلى قصر الماركيز وأحضري عائلتكِ بنفسكِ. كونتيسة كايتير يمكنها فعل ذلك بكل سهولة.”
“….…”
“همم، وبما أننا نتحدث عن ذلك، سنضيف هذا أيضاً إلى بنود العقد. طالما أنكِ زوجتي، تصرفي كزوجتي.”
انعكست صورة سيسيل في عيني الكونت كايتير، التي كانت أشبه بحجر كريستالي أسود تحيط به هالة زرقاء.
انعكست صورة امرأةٍ في عينيه.
تلك المرأة كانت سيسيل.
سيسيل اليتيمة. التي لا تملك أي شيء— لا، بل تملك فردًا واحدًا فقط من عائلتها.
“هل تفهمين ما أعنيه؟”
لم تُجب سيسيل. وبدلًا من ذلك، غيّرت من وقفتها، فاستقامت أكثر، وبسطت كتفيها، ورفعت ذقنها قليلًا.
تلاقت عيناها بعيني الكونت كايتير. و ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ طفيفة.
وللمفاجأة، لم يكن وجهه يبدو باردًا كما اعتادت رؤيته.
“نعم، رِيان.”
أجابت سيسيل. واتسعت ابتسامة الكونت كايتير أكثر.
حينها فكرت سيسيل.
هذا الرجل…..يستطيع الابتسام بهذه الطريقة أيضًا.
ثم أدركت شيئًا آخر،
أنها لن تنسى هذا الوجه، حتى آخر يوم في حياتها.
***
هبت الرياح. و كانت باردة إلى حد ما، لكن ذلك فقط لمن يواجهها ببشرة مكشوفة.
خرجت سيسيل مرتدية ملابس سميكة نوعًا ما. و بعد أن ضمت الشال على كتفيها بإحكام كعادتها، أدارت رأسها.
شعورها بوجود شخص لم يكن مجرد وهم.
فتحت سيسيل فمها وهي تنظر إلى سيون الذي ظهر في الحديقة.
“ماذا عن ليلي؟”
“نائمة.”
“سأقول هذا حتى لا يحدث سوء فهم، لم أكن أنا من جعلها تشرب كثيرًا. ليلي شربت من تلقاء نفسها.”
“…..لم أخرج لأعاتبكِ.”
أطلقت سيسيل أنينًا خفيفًا وهي تنظر إلى سيون الذي اقترب منها.
لم يخرج ليعاتبها، يا لها من عبارة غريبة.
“هل خرجت لأنك عرفت أنني في الحديقة؟”
“شيء من هذا القبيل.”
“على أي حال، هذا يعني أنك كنت تعلم بوجود شخص في الحديقة قبل أن تأتي، واعتقدت أن هناك احتمالًا كبيرًا بأن أكون أنا؟”
ساد الصمت.
و اعتبرت سيسيل ذلك الصمت بمثابة تأكيد.
أدارت رأسها للأمام مجددًا. وهي تمسح الحديقة المظلمة بنظراتها، فتحت فمها.
“أليس هذا ممتعًا؟”
“….…”
“أنت وأنا، لم نكن لنتخيل في صغرنا أننا سنصبح هكذا.”
“صحيح أننا لم نكن نعلم…..لكن لا أفهم ما تعنيه بقولكِ إنه ممتع.”
“كنت أقصد أنه أشبه بأن يكون أمرًا عجيبًا.”
“…….”
“يقال إن أكثر ما يرتكبه الإنسان من غطرسة في حياته هو محاولته التنبؤ بمستقبله.”
قالت سيسيل ذلك، ثم ضحكت فجأة.
كانت ضحكةً أشبه بصوت هواء يتسرب من فمٍ مغلق.
“هذه جملة قرأتِها في كتاب، أليس كذلك؟”
“…..نعم. أنا لم أقرأ تلك الجملة، أنت من قرأها وأخبرني بها.”
“….…”
“هل كنت في الثامنة من عمركَ حينها؟”
“سبع سنوات.”
تردد سيون للحظة وكأنه يفكر، ثم أضاف.
“…..لكن كان ذلك قبل ميلادي الثامن بفترة قصيرة.”
“أوه، صحيح. ذاكرتك جيدة. حسنًا، لا أظن أن ذاكرتي أسوأ من غيري أيضًا.”
“لكن..…”
رمشت سيسيل ببطء. ثم ما لبثت أن فتحت فمها مجددًا.
“إذا لم تخرج لتعاتبني، فما الذي كنت تنوي فعله حين رأيتني؟”
“لم أكن أنوي فعل شيء محدد.”
“إذًا؟”
“إذا كنتِ حقًا في الحديقة، كنت سأكتفي برؤيتكِ فحسب.”
“آه، إذاً ببساطة كنت تريد رؤيتي؟ حسنًا، سيون العزيز، لا يزال في عمر يحن فيه لرؤية عائلته من حين لآخر.”
“فكري في الأمر كما تشائين.”
“المهم هنا هو أن فارق العمر بيني وبينك ليس كبيرًا. لذا، أنا أيضًا أشتاق لعائلتي..…”
“….…”
“لكن هذا كل ما في الأمر.”
التقت نظرات سيسيل و سيون مجددًا.
“لقد أتيت إلى هنا لأنك كنت قلقًا عليّ، أليس كذلك؟ لأنني خرجت وحدي إلى الحديقة في مثل هذا الوقت. هل أخبرك بما كنت أفعله في الحديقة؟ عندما افترقنا، استرجعت كل ما حدث بعد ذلك…”
“سيسيل.”
“إذا كنت تنوي مواساتي، فاحتفظ بذلك. لم أنتهِ من حديثي بعد.”
قاطعت سيسيل كلمات سيون وتابعت حديثها.
“حتى قبل بضع سنوات، كنت كذلك. عندما كنت أفكر في الماضي، لم يكن الأمر مجرد اشتياق لعائلتي، بل كان مؤلمًا جدًا. مؤلمًا لدرجة أنني رغبت في الموت…..حدث ذلك مرات عديدة.”
“….…”
“كرهت ذلك الشعور المؤلم، لذا تصرفت وكأنني نسيت الماضي. لكن بالطبع، لم يكن النسيان ممكنًا حقًا. كيف يمكنني أن أنسى؟ ربما حتى بعد موتي، ستظل الذكريات باقية…..كما هو الحال معك أيضًا، على الأرجح.”
“…….”
“على أي حال، حتى عندما لم أحاول تذكرها، كانت الذكريات تعود إلى السطح بإرادتها، وفي كل مرة كانت تؤلمني. لكن…..في مرحلة ما، أصبحت بخير. لم يبقَ سوى الاشتياق، واختفى الألم. لا أعرف متى حدث ذلك بالضبط.”
اتسعت عينا سيون قليلًا. نظرت سيسيل إلى عينيه للحظة، ثم أنزلت بصرها.
لم تعد تنظر إلى سيون أو إلى مشهد الحديقة، بل ركزت نظرها على موضعٍ ما عند قدميها، ثم واصلت الحديث.
“في البداية، ظننت أن السبب هو العثور عليك. لكنني أدركت لاحقًا أنني تحسنت بعد ذلك بفترة طويلة.”
“…….”
“لذا فكرت في ليلي. هل أصبح الأمر أفضل لأن ليلي دمرت هيلدغار بدلاً منا؟ هل لأن الانتقام قد تحقق، لم يعد هناك ما يؤلمني؟”
“…….”
“لكن المشكلة أنني أصبحت بخير قبل أن يُدان هيلدغار بتهمة الخيانة. لم أستطع فهم السبب. لماذا أصبحت بخير؟”
“….…”
“وأيضًا، هل كان يحق لي أن أكون بخير؟”
حرك سيون شفتيه لا إراديًا وكأنه على وشك الحديث، لكنه سرعان ما أغلق فمه.
كان يعلم جيدًا أن سيسيل لم تصل بعد إلى استنتاجها.
انتظر بصمت. و أخذت سيسيل نفسًا عميقًا، ثم تحدثت.
“لم يطل الأمر حتى فهمت السبب. أو بالأحرى، ربما يكون التعبير الأدق أنني خمنت ذلك.”
“.……”
“لقد أصبحت بخير بسبب الناس.”
“الناس؟”
“أشخاص طيبون…..أناسٌ كثر.”
جاء الإدراك فجأة. و تذكرت سيسيل بشكل غير متوقع أنها التقت بعدد من الأشخاص الطيبين قبل أن تصبح “بخير”.
أولئك الأشخاص الطيبون، ربما لم يكونوا طيبين للجميع. ربما كان هناك من يعرف عيوبهم وينتقدهم بسببها. لكن في النهاية، بالنسبة لسيسيل، كانوا أشخاصًا طيبين.
قبل فترة وجيزة، حضرت سيسيل حفل زفاف دوروثي.
تزوجت دوروثي من رجل ليس نبيلًا، لكنه ابن أحد الأثرياء. بعد الحفل، و عندما رأت سيسيل في قاعة الاستقبال، بدت متوترةً وقلقة.
في البداية، ظنت سيسيل أن دوروثي تشعر بالرهبة من الكونتيسة كايتير، لكنها سرعان ما أدركت أن الأمر لم يكن كذلك.
كانت دوروثي تشعر بالخجل من أفعالها السابقة، تحديدًا مما فعلته بسيسيل في أيام طيشها.
وجدت سيسيل أن ندم دوروثي أمر مثير للدهشة. فلم يكن شعورها بالذنب نابعًا فقط من تغير مكانة سيسيل الاجتماعية.
في ذلك اليوم، تحدثت سيسيل مع دوروثي أكثر مما كانت تتوقع، وعندما غادرت القصر، فكرت،
‘حقًا، لقد التقيت بالكثير من الأشخاص الطيبين.’
وحتى الآن…..لا تزال محاطةً بأناس طيبين.
“هذا أيضًا يبدو مثيرًا للاهتمام. لقد كنت في الجحيم بسبب الناس، ومع ذلك، من أخرجني من الجحيم كانوا أيضًا أشخاصًا.”
“….…”
“آه، يجب أن أقول هذا أيضًا. أحيانًا كنت أشعر بالذنب لأنني لم أعد في الجحيم، ولأنني أصبحت بخير. و كنت أتساءل: هل أستحق ذلك حقًا؟”
“.……”
“لكن عندما فكرت في الأمر مجددًا…..من يمكنه أن يقول لي إنه لا يحق لي أن أكون بخير؟”
“….…”
“من يمكنه أن يعارضني إذا تركت الجحيم وراء ظهري؟ أمي؟ أبي؟ كاسيون؟ إخوتي؟”
“…….”
“أو ربما أنت، سيون؟”
“مستحيل.”
“صحيح. مستحيل. في النهاية، كنت الوحيدة. لم يكن هناك أحد غيري يكره سعادتي، أو هدوئي.”
“…….”
“والآن، أنا سمحت لنفسي بذلك. ليس فقط أنني أصبحت بخير، بل أن أكون سعيدة أيضًا.”
أخيرًا، قالت سيسيل ما كانت ترغب في قوله.
كان حديثًا طويلاً، ومع ذلك، تذكرت شعورها بسرعة، ثم أضافت في نهاية الحديث سؤالًا.
“ماذا عنك؟”
هاجت الرياح مرة أخرى.
“سيون، ماذا عنك؟….هل أصبحت بخير؟”
“….…”
“أين تعتقد أنك الآن؟”
________________________
حلو الفصل خفيف مشاعر كذاته احاسيس🤏🏻
وهي تقول الجحيم قصدها شعورها البائي والكآبة فاختصرتها جحيم
المهم سيون قل ايه انا بخير 😔 باقي عشر فصول وتنتهي الروايه وانا ماشفتك تضحك وتقول أنا احبس ليلي
Dana