القيادة العامة للجيش في العاصمة سانت فيلريسكا، إمبراطورية كلاديف، التي تحد جنوب ليان.
“إلى أين سيتم إرسال القوات؟”
“إلى باسبور في ليان.”
عند سماع هذا الخبر الذي جلبه زميله المقرب على أنه معلومة سرية من الدرجة الأولى، عقد الملازم في جيش إمبراطورية كلاديف، إيليا بيلينسكي، حاجبيه وهو يسترجع الوضع السياسي الدولي.
قبل بضعة أشهر، اندلعت ثورة كبرى في ليان حتى بلدنا تلقى طلبًا لاستضافة العائلة الملكية المنفية… وبعد ذلك بفترة وجيزة، سمعت أن جميع أفراد العائلة الملكية قد تم إعدامهم رميًا بالرصاص في باسبور، تدور الآن حرب أهلية محتدمة بين فصيل استعادة الملكية والقوات الثورية ومع ورود خبر نشر القوات المفاجئ هذا، استطاع إيليا أن يخمن إلى أي جانب ستنضم قواتهم دون الحاجة إلى مزيد من التوضيح.
“… إلى جانب قوات المقاومة إذن يبدو أن جلالته لا يريد انتشار الفكر الجمهوري.”
“إجابة صحيح بالكاد نتحمل التوتر القائم مع ويستيريا، والآن تعلن ليان نفسها جمهورية؟ لا يمكن لجلالتنا أن يقف مكتوف الأيدي بعد الآن.”
قال رومان كروكوف وهو يرفع إبهامه، وكأنه يشيد بذكاء إيليا لكن إيليا تجاهله وسرح في أفكاره لم يكن متفاجئًا من نشر القوات بهذه السرعه فهو رجل قلما يُفاجأ بأي شيء، وجندي لم يعصِ الأوامر أبدًا صحيح أن التدخل في حرب أهلية لدولة أخرى لم يكن أمرًا مستحبًا، لكنه لم يكن يملك خيارًا آخر ففي إمبراطورية كلاديف، إرادة الإمبراطور هي إرادة الشعب، على عكس جمهورية ويستيريا، حيث أطيح بالحكم الملكي، أو مملكة بالتر، حيث الملك مجرد رمز.
“ما هو حجم القوات التي سيتم إرسالها؟”
“في الوقت الحالي، فوجنا بالكامل… بالإضافة إلى سرب طائرات من سلاح الجو.”
“في الوقت الحالي؟”
“الحرب الأهلية قد تستمر لفترة أطول.”
الغريب أن القيادة العليا تبدو وكأنها تتمنى ذلك أضاف رومان هذه الجملة بينما كان يمضغ قطعة من الحبار المجفف الحرب الأهلية قد تستمر لفترة أطول؟ للحظة، تساءل إيليا عن السبب، لكنه كان يعرف حدوده جيدًا هذه أمور تتجاوز مستواه فهو جندي، وليس سياسيًا صحيح أن هناك العديد من القادة العسكريين الذين تحولوا إلى سياسيين، لكن هذا لن يكون حاله أبدًا.
على أي حال، لم تكن المعلومات التي أحضرها رومان مذهلة كما ادعى في غضون أيام قليلة، كان سيصل نفس الخبر رسميًا إلى إيليا لذا، سأله ببرود عن سبب اعتباره لهذه المعلومات “سرية من الدرجة الأولى” عندها، اقترب رومان ووضع يده على فمه، متحدثًا وكأنه يكشف سرًا خطيرًا:
“في الواقع… لقد سمعت هذا بالصدفة، ولكن…”
ما قاله بعد ذلك جعل وجه إيليا بيلينسكي يتحول إلى اللون الشاحب، ويدفعه للركض فورًا إلى القيادة العليا.
⚜ ⚜ ⚜
العشاء كان مرضيًا.
لم يكن مأدبة فاخرة مليئة بأشهى الأطعمة، لكن حساء البطاطس الذي قُدم مع خبز الجاودار كان لذيذًا كما وصفه مارسيل، الذي قال إنه بذل جهده في إعداده أثناء العشاء، كشف مارسيل أن “ليو” يجيد الطهي أيضًا، مما جعل آنيس تندهش، قبل أن يُسارع ليونارد إلى دهسه تحت الطاولة.
بفضل الأجواء المريحة التي صنعها مارسيل وماري، اللذين كانا بارعين في التخفيف من التوتر، مر وقت العشاء في جو دافئ ومليء بالضحك.
بعد العشاء، أصر مارسيل على أن “الطبيبه” لا ينبغي أن تحرك إصبعها لأن صحتها لا تزال بحاجة إلى الراحة، لذلك أوكل مهمة غسل الصحون إلى ليونارد بالنظر إلى تاريخه الفوضوي في أداء الأعمال المنزلية، لم تستطع آنيس إخفاء قلقها لكن لحسن الحظ، انتهت المهمة دون كوارث كبيرة، باستثناء انفصال المقبض عن أحد الأكواب القديمة.
وبعد مرور بعض الوقت، بينما كان الليل يزداد عمقًا، سألت ماري، بعينيها اللامعتين:
“معلمتي هل يمكنني المبيت هنا الليلة؟”
“بالطبع، طالما أن ذلك يعجبك.”
“إذن، يمكن لأخي وليو البقاء أيضًا، صحيح؟”
تفاجأت آنيس بهذا التطور المفاجئ وبدأت بسرعة في التفكير صحيح أن منزلها، الذي كان يُستخدم كعيادة، يحتوي على عدة أسرّة، وكان من الشائع أن يقيم بعض المرضى غير القادرين على الحركة هناك لكن المشكلة هي أن مارسيل وليونارد لم يكونا مرضى غير قادرين على الحركة، بل رجلين بالغين يتمتعان بصحة جيدة…
“إذا لم يمانع أخوك وسيرديو، فلا بأس من ناحيتي…”
عينا ماري اللامعتان كانتا تمتلكان قوة غريبة تجعل من الصعب رفض طلبها وبطبيعة الحال، وقعت آنيس في الفخ تمامًا كما كان يفعل مارسيل وليونارد دائمًا بدا واضحًا أنها قد حصلت بالفعل على موافقة الاثنين قبل أن تأتي إليها.
وبذلك، تم تقرير أن ليلة ماري المفاجئة لحفل النوم ستتم على الشكل التالي: ستنام ماري وآنيس في غرفة النوم في الطابق الثاني، بينما ينام الرجلان في أسرّة الطابق الأول.
لكن، حتى بعد أن استسلمت ماري للنوم، لم تستطع آنيس النوم بسهولة كان من المفترض أن يكون تأثير الدواء قد بدأ الآن… قبل بضعة أيام، عندما تصالحت مع ليونارد نامت بسهولة بغض النظر عن وجوده بجانبها لكن الآن، بمجرد أن فكرت في حقيقة أنه سيبقى هنا طوال الليل، اختفى أي أثر للنعاس لديها.
بعد أن تأكدت من أن ماري مغطاة جيدًا بالبطانية، خرجت من الغرفة ونزلت إلى الطابق الأول في الظلام، لاحظت أن ثلاثة من الأسرّة الأربعة كانت فارغة.
“هل غادر ليونارد؟”
لم تكن تحمل معها مصباحًا، لذا لم تستطع التأكد من هوية الشخص النائم هناك تجاوزت الغرفة وخرجت عبر الباب الأمامي إلى الخارج.
وأول ما وقع بصرها عليه كان شخصًا جالسًا على كرسي هزاز أمام الشرفة.
ضيقت آنيس عينيها في محاولة لرؤية من هو عندها، أضاء ضوء القمر وجه الشخص، ليكشف عن أنه مارسيل.
“بلانك؟”
“آه، طبيبة؟”
“لا أشعر بالنعاس لسبب ما… وأنتِ، أيتها الطبية؟” سأل مارسيل أومأت أنيس برأسها ببطء وجلست في المقعد الفارغ من الكرسي الهزاز أصدر الكرسي صوت صرير هادئ ملأ الشرفة الهادئة.
ساد الصمت بين الاثنين لم يكن صمتًا ناتجًا عن عدم وجود ما يقال أو بسبب أي حرج، بل كان صمتًا نشأ لأن أنيس كانت تنتقي كلماتها بعناية، بينما أدرك مارسيل أنها تستعد لبدء حديث، فالتزم الصمت تلقائيًا وبعد فترة قصيرة من هذا الهدوء، نادت أنييس على مارسيل بحذر شديد.
“أ… سيد بلانك؟”
“نعم، أيتها المعلمة؟”
“هل تشعر بأن العالم قد تغيّر؟”
كان هذا هو السؤال الذي ظل يقيدها كطوق حول عنقها في الآونة الأخيرة، ولم يكن يدعها وشأنها هل هم حقًا من غيّروا العالم؟ كانت تعتقد في وقت ما أنهم فعلوا ذلك لقد أسقطوا الإمبراطور والعائلة الملكية، ذلك العدو القوي الهائل، فكيف لا يكون العالم قد تغيّر؟ كانت واثقة من أن العالم أصبح مكانًا أفضل وحتى مواطنو “سين” كانوا يقولون في اليوم التالي للثورة إن الحياة باتت أكثر حرية عندما سمعت ذلك لأول مرة، شعرت بالسعادة رغم أن ذلك كان أمرًا غريبًا، إلا أنها شعرت بذلك.
ثم جاءت إلى “باسبور” إلى الإقليم الذي مزقته الحرب الأهلية رأت المدنيين الأبرياء يعانون، الأراضي القاحلة، الأطفال الذين يتضورون جوعًا حتى الموت لم يكن المشهد مختلفًا عن أيام ما قبل الثورة بل بدا أسوأ منذ ذلك الحين، بدأت تشكك في فكرة أنهم غيّروا هذا البلد حقًا لا بد أن شيئًا قد تغيّر، لكنها لم ترَ تأثيره في هذا المكان، فما القيمة أو المعنى لهذا التغيير؟
وكما توقعت، عندما تلقى مارسيل سؤالها، بدا محرجًا قليلًا وهو يحكّ ذقنه، ثم أجاب:
“لا أريد أن أخيب ظنكِ، لذا لن أجيب عن ذلك السؤال.”
“إذًا، لا تشعر بالتغيير.” قالت أنيس بصوت كئيب، وكأنها قرأت إجابته مسبقًا حكّ مارسيل ذقنه مجددًا لم يكن يريد أن يخيب أملها، لكنه لم يكن يرغب في الكذب أيضًا فاختار الطريق الذي قد يخيّب أملها، لأنه كان لديه المزيد ليقوله.
“لكن، طبيبة ٫ هل من الضروري أن يكون التغيير مرئيًا حتى يكون ذا قيمة؟”
رفعت أنيس رأسها ببطء لتنظر إليه لم يكن تعبيرها يطلب تفسيرًا، لكن مارسيل شعر بحاجة لتوضيح فكرته، فقال:
“هناك أشياء تتغير ببطء، بهدوء، لدرجة أن لا أحد يلاحظها.”
ثم استشهد بمثال بدا سخيفًا لكنه كان معبرًا:
“مثل تحسّن مهارات ليو في التنظيف.”
“لكنها لا تزال فوضوية.”
“كانت أسوأ بكثير في البداية.”
لم يكن أحد قد أخبر مارسيل بذلك، لكنه عرف أن البيت الذي يسكنه ليونارد الآن كان ملكًا لزوجين في منتصف العمر حين اندلعت الحرب الأهلية، هرعا للفرار، لكن قُتلا برصاص المقاومة قبل أن يتمكنا من الهروب تركا خلفهما منزلًا غير مرتب، ومع أن ليونارد لم يكن جيدًا في التنظيف، فقد حاول أن يرتبه بنفسه إلا أن محاولته جعلت الفوضى أسوأ، حتى اضطر مارسيل وماري للتدخل في الحقيقة، هذه الحادثة كانت بداية علاقتهم.
“لكن بمرور الوقت، تحسّن، وما زال يتحسّن قد يصبح في يوم ما من أفضل عمال النظافة في العالم.”
الآن، صار ليونارد على الأقل قادرًا على نفض الغبار، ولو بتسرع، ويمكنه استخدام المكنسة إذا تحكم في قوته، بل وتعلّم كيف يمسح الأرضية جيدًا كل ذلك حدث دون أن يلاحظ أحد تطوره حتى مارسيل، الذي لم يكن يتخيل أن شخصًا من أصول نبيلة مثل ليونارد يمكن أن يتحسن إلى هذا الحد، وجد الأمر مفاجئًا.
“حتى لو كان التغيير لا يمكن تصوره الآن.”
فهمت أنيس تمامًا ما كان يحاول قوله التغيير الذي لا يُرى بالعين، التغيير الذي يبدو مستحيلًا تخيله لقد كانت تحلم يومًا ما بتحقيق مثل هذا التغيير كان مارسيل يقول، ببساطة، إنه حتى لو لم يكن التغيير مرئيًا الآن، وحتى لو بدا تحقيقه مستحيلًا، فإنه قد يصبح حقيقة يومًا ما، ولذلك لا يجب أن تكون القدرة على “الإحساس بالتغيير” هي ما يحدد قيمته.
بعد سماع كلماته، أسندت أنيس رأسها إلى يدها وحدّقت في السماء المليئة بالنجوم كان هناك عدد لا يُحصى من النجوم في سماء “دونان”، وكان قمرها أكثر سطوعًا من قمر “سين” كانت تُدعى “حاملة نور الفجر”، لكنها كانت تفضل الليل، حينما يضيء القمر والنجوم الكثيفة في السماء بدت لها النجوم كأنها خريطة، وكأن كل نجم يشير إلى وجهة معينة لم تكن تحب الظلام، لكنها أحبت الضوء الذي يزيّنه، وأحبت أن تتخيل الطريق المؤدي إليه.
بينما كانت تحدق في السماء بصمت لبعض الوقت، طرحت سؤالًا آخر دون أن تحيد بنظرها عنها:
“إذًا، سأغير سؤالي هل تعتقد، سيد بلانك ، أن العالم يتغير في الاتجاه الصحيح؟”
“نعم، بلا شك.”
“أجبتَ بسرعة شديدة، وهذا يجعلني أشعر بالقلق يمكنك أن تكون صريحًا معي، لا بأس بذلك.”
“أنا صادق فعلًا صحيح أن هناك حربًا أهلية، وأن الجميع يشعرون أن الموت قد يأتي في أي لحظة، لكن هذا مجرد جزء من عملية الهضم.”
كلماته بدت وكأنها تقول: “لا تقلقي لقد فعلتِ الشيء الصحيح.” مما جعل أنيس تشعر بغصة في قلبها كان الليل عميقًا بما يكفي ليخفي ذلك عن مارسيل، وهذا كان جيدًا عندما لم ترد لفترة، مسح مارسيل خده بخفة، وكأنه يتساءل: “هل كنت أتصرف وكأنني أفهم أكثر مما ينبغي؟” ثم أضاف:
“لديّ واجب أن أؤمن بأن العالم سيكون مكانًا آمنًا وسعيدًا لماري.”
في النهاية، الأمر كله يعود إلى ماري كان مارسيل بلانك دائمًا يفكر في ماري، في العالم الذي ستعيش فيه ولهذا السبب كان يتمتع بصبر أكثر من الآخرين حتى لو لم يكن العالم قد تغير الآن، وحتى لو استغرق الأمر وقتًا طويلًا، فحين تكبر ماري وتصبح في مثل عمره، إذا استطاعت أن تقول: “على الأقل، أصبح الأمر أفضل مما كان عليه”، فهذا سيكون كافيًا.
وشعرت أناةيس بصدق مشاعره تمامًا.
مارسيل بلانك ، الشخص الذي عرفته أنيس كان دافئًا ومفعمًا بالحياة ومليئًا بالإيجابية شعرت أن طريقته في النظر إلى المستقبل كانت أكثر نضجًا وجمالًا مما كانت تراه هي، حتى وهي تعتبر نفسها ثورية.
لذا، ربما…
“شكرًا لك، سيد بلانك.”
ربما سيكون بخير.
لا أعلم إن كنت أملك الحق في التفكير بهذا…
لكن إن كان حوله أشخاص كهذا، فسيكون بخير.
في ليلة خريفية مليئة بالنجوم.
• نهـاية الفصل •
حسـابي انستـا [ i.n.w.4@ ].
التعليقات على الفصل " 28"