فتحت آنيس بلمارتييه عينيها في جناح الجراحة بمستشفى رويه العام بعد مرور أسبوع كامل على حادثة إطلاق النار.
كانت الإصابة نفسها مشكلة، لكن الطبيب أرجع تأخرها في الاستيقاظ إلى الإرهاق الشديد الذي تراكم على مدى الفترة السابقة ومع ذلك، أكد لها أن تعافيها كان سريعًا نسبيًا بفضل شبابها وصحتها الجيدة.
عندما استيقظت آنيس وأجرى الطبيب الفحص اللازم وسمح لها باستقبال الزوار، كان أول من زارها هو فيليب أردينان فمنذ أن نُقلت إلى المستشفى قبل أسبوع، لم يغادر فيليب المكان ولو ليوم واحد، مترقبًا لحظة استيقاظها.
بل إن وجود رجاله المتجهمين بالقرب من غرفتها أثار استياء إدارة المستشفى، التي قدمت شكوى بسبب التوتر الذي تسببوا به بين المرضى الآخرين.
بمجرد أن وصله نبأ استيقاظها، هرع فيليب إلى غرفتها بملابسه الفاخرة المعتادة، وكأنه يطير من الفرح، وكان خلفه مرافق يحمل صينية فضية بغطاء مستدير.
كان ذلك وقت الطعام، وبعد أن أخبره الطبيب بأن تناول وجبة خفيفة لن يكون مشكلة، أتى بما بدا أنه شيء بعيد تمامًا عن الطعام الذي تقدمه المستشفى، مما جعل آنايس تشعر بالارتباك.
تناول فيليب الصينية من المرافق، ثم وضعها على الطاولة المتحركة فوق سريرها بحركة مسرحية كما لو كان نادلًا، وابتسم بفخر وهو يرفع الغطاء قائلاً:
“ما رأيك؟ هذه العصيدة الخاصة التي أعدها إيسون، طاهينا الذي كان يعمل سابقًا في فندق إتوال!”
رمقته آنايس بنظرة متشككة وسألت: “هل استوردت العصيدة من الشرق؟”
ضحك فيليب، “بالطبع لا، لقد أحضرت الطاهي بنفسه! أردت أن تتذوقي أفضل الأطعمة فور استيقاظك…”
قاطعت حديثه بوجه خالٍ من التعابير: “أحضرت رجلاً كان يعيش بهدوء في الشرق إلى هذه المنطقة الخطرة التي تعاني من النزاعات… فقط من أجلي؟”
أدرك فيليب أنه ارتكب خطأ آخر كيف نسي أن انتقاء كلماته أمامها يتطلب دقة؟ ربما لو قال إنه أجبر طاهي المستشفى على إعداد العصيدة، لكان أفضل؟ لا، لكانت حينها انفجرت غضبًا لتمييزها عن بقية المرضى.
شعر فيليب بظلم شديد، إذ كان إيسون نفسه سعيدًا للغاية بالمجيء، متحمسًا لخدمة “فارسة الفجر”، حتى إنه هدد بانتزاع شعر أي شخص يجرؤ على إفساد الطعام قبل أن يصل إلى فمها.
لكن الآن، لم يعد بإمكانه التراجع عن كلماته، فحاول التخفيف من حدة الموقف:
“سأعيده إلى الشرق غدًا بالقطار أرجوكِ، لا تغضبي أنتِ تعلمين أنني لا أجيد التفكير في هذه الأمور.”
بدا وكأنه جرو صغير حزين، مما دفع آنيس للابتسام رغم شحوبها وضعفها شكرت فيليب على الطعام، وأخذت ملعقة من العصيدة.
كانت لذيذة، كما وعدها ابتلعت لقمتها وقالت: “أخبره أنني استمتعت بها، وأنها أعطتني طاقة جديدة.”
تنهد فيليب بارتياح، “سيكون سعيدًا جدًا لسماع ذلك، فهو من كبار معجبيكِ” ثم أضاف مبتسمًا: “مثلي تمامًا.”
ضحكت آنيس بخجل. معجب؟
عندما اقترح إدمونغ أن تصبح رمزًا للثورة، لم تفكر كثيرًا في الأمر، ربما لأنها كانت أصغر سنًا، أو لأنها اعترفت ضمنيًا بقيمتها الرمزية، أو لأنها اقتنعت بأن ذلك سيخدم الثورة.
لكن الآن…؟
كان إدمونغ بارعًا في إقناع الآخرين بأن رأيه هو الصواب. استخدم مهاراته في الإقناع ليحولها إلى شخصية بطولية أمام الجماهير، بقصة مأساوية مزيفة تبكي لها العيون.
أصبحت رمزًا للمقاومة، مما أثار حماسة الشعب وحثهم على التحرك ضد العرش.
لم تنكر دور إدمونغ الحيوي في تعبئة الناس، لكنها الآن بدأت تشكك في أساليبه.
ليس فقط بسبب موقفه القاسي من عمليات الإعدام الملكية، ولكن لأن الأسلوب ذاته—خلق رموز يعتمد عليها الناس—قد يؤدي إلى نتائج خطيرة.
معجب؟ لم تكن ممثلة بارعة في مسرح “تواردي”، ولا مغنية ساحرة في “بيان هول”، بل مجرد فرد في جيش الثورة.
فكيف يمكن في عالم يدّعي المساواة أن يُرفَع شخص واحد فوق الجميع؟
لكن أفكارها توقفت عند سماع فيليب يناديها بحذر، “آناةيس…”
رفعت رأسها، فرأت ملامحه المتوترة ماذا الآن؟ كان يبدو قلقًا، قضم شفتيه مرتين قبل أن يواصل كلامه:
“في الواقع، هناك أمر آخر يجب أن أعتذر عنه…”
⚜ ⚜ ⚜
عندما خرج فيليب من غرفة آنيس متثاقل الخطى، فوجئ بصوت مرح يناديه في ردهة المستشفى:
“أليس هذا السيد أردينان؟”
التفت ليجد أمامه سيلين شاتليه، التي كانت تنظر إليه بفضول مصطنع كان مزاجه سيئًا بالفعل، فردّ عليها بجفاء:
“ما الذي أتى بكِ إلى هنا، رائدة؟”
“لدي عدد من الجنود المصابين في هذا المستشفى، كما تعلم ليس أن هذا من شأنك.”
“بالطبع، ليس شأني ألم نتفق على أن يهتم كل منا برجاله؟”
“لكن ليس الرجال فقط من تهتم بهم، أليس كذلك؟ التقيت بمدير المستشفى قبل قليل، وأبلغني أن أطلب منك ألا تتصرف وكأنك استأجرت المكان كله.”
أطلق فيليب تنهيدة مستاءة، إذ سبق أن تلقى تحذيرات مشابهة من الطاقم الطبي لكن كيف يمكنه أن يطمئن؟ صحيح أن من أطلق النار على آنيس كان من الأعداء، لكن المستشفى مليء بمن قد يضمرون لها الشر.
لقد سألها يومًا، “لماذا اخترت باسبور تحديدًا؟”
فابتسمت بسخرية وقالت: “لأنه لم يكن أمامي خيار آخر.”
رأى تلك الابتسامة ولم يستطع نسيانها فكيف يُفترض به أن يهدأ؟
أما سيلين فلم تهتم بصراعه الداخلي، بل تابعت كلامها بلا مبالاة:
“سمعت أن بلمارتييه استيقظت كنتَ تزورها، أليس كذلك؟”
تظاهرت بالتفكير للحظة ثم أضافت بمرح: “لكن يبدو أنكَ لم تحظَ بيوم جيد معها.”
“هذا ليس من شأنكِ إن كنتِ انتهيتِ من زيارة جنودكِ، عودي إلى المعسكر.”
ضحكت سيلين، ثم استدارت للمغادرة، لكنها توقفت فجأة، كأنها تذكرت أمرًا مهمًا، وقالت:
“آه، بالمناسبة… عليك أن تكون أكثر حذرًا، يا أردينان.”
تجهم فيليب وسأل بقلق، “لماذا؟”
ابتسمت سيلين بمكر، “قبل قليل، كان هناك شاب يسأل عن غرفة بلمارتييه … جاء من دينان لزيارتها.”
تجمدت ملامح فيليب، وقفزت إلى ذهنه صورة ليونارد … لكنه استبعد الأمر فورًا، إذ لم يكن ليونارد لينجو من عيون سيلين.
ثم أضافت سيلين: “وكان ممسكًا بيد فتاة صغيرة جميلة.”
زاد ارتباك فيليب فتاة صغيرة…؟
• نهـاية الفصل •
حسـابي انستـا [ i.n.w.4@ ].
التعليقات على الفصل " 24"