1
«إليسا.»
صوتٌ خافت مألوف ناداني باسمي، عميقًا منخفضًا، تتبعه زفرةٌ دافئة انزلقت بمحاذاة أذني.
تململتُ محاولةً الإفلات من الذراعين اللتين التفّتا حول خصري من الخلف. متى كبر إلى هذا الحد؟ صار قادرًا على احتجازي بذراعٍ واحدة، فيما تمسك الأخرى بيدي بإحكام.
تداخلت أصابعه الخشنة القوية بين أصابعي، وأطبقها حتى استقرت كفّانا متطابقتين تمامًا.
حرارة أنفاسه قرب أذني أرسلت رجفةً مباغتة في جسدي، حتى وخزت أطراف أصابعي. أملتُ رأسي قليلًا وقلت:
«لارس… هلّا تركتني؟»
أجاب بنبرة طفلٍ مدلّل:
«مرّ وقتٌ طويل منذ بقينا وحدنا هكذا. مرةً واحدة فقط، أرجوكِ.»
«سواء كنّا وحدنا أم لا، قلتُ اتركني.»
لكنه لم يفعل. بل مال وطبع قبلةً على وجنتي قرب شفتي.
شهقتُ، وقفزتُ مذعورةً حتى لامستُ السقف، ثم ناديتُه بحدّة:
«لارس!»
أما هو فبقي على سكونه، يهزّ كتفيه بلامبالاةٍ مستفزة.
«لِمَ كل هذا الذهول، إليسا؟ أنا رجلٌ راشد الآن.»
«نعم، راشد… لكنني—»
قاطعني، مكمّلًا عني:
«آه، شبحٌ يناهز الأربعمائة عام، صحيح؟»
هذا بالضبط ما كنتُ سأقوله!
تلعثمتُ مرتبكة: «ن-نعم! هذا صحيح!»
ابتسم، وأغمز بعينٍ مشاكسة.
«هل وُجد شبحٌ بهذا الجمال؟ لا أرى شبحًا… كل ما أراه جنية.»
يا إلهي… من أين تعلّم هذه العبارات السخيفة؟
أنا بالتأكيد لم أعلّمه ذلك.
…ولا تلك الملاطفات المربكة قبل قليل.
مرّر يده في شعره الفضيّ الناعم وقال:
«انزلي يا إليسا. اليوم عيد ميلادي. هذه الليلة، فلنرقص معًا في وسط القاعة. تعلمين أن رقصتي الأولى لكِ دائمًا.»
هبطتُ ببطء حتى لامست قدماي الأرض، ووضعتُ يديّ على كتفيه.
«وكم أخبرتك… الرقص يجب أن يكون خلف ستائر الشرفة، بعيدًا عن أعين الناس. إن رقصتَ في منتصف القاعة ستبدو كالمختل. لِمَ لا… تبحث الليلة عن نبيلةٍ لائقة و—»
أسكتني بقبلةٍ خفيفة على راحتي، ثم رفع عينيه إليّ، نظرةً نافذة.
«لا تقلقي. إن حاول أحدهم ذلك، فلن أبقي له عينًا ينظر بها.»
صرختُ مذعورة من قسوة كلماته.
«لا تقل أشياء كهذه! متى علّمتك هذه الوحشية؟ ألم أقل لك أن تتحدث بأدبٍ دائمًا؟»
«إليسا لم تعلّمني ذلك. أنتِ أفضل مربية.»
«هاه… حقًا…»
خفق رأسي ألمًا. وضعتُ كفّيّ على صدغيّ نادمةً على لحظة ضعفي حين اشتريتُ جسدًا ماديًا من متجر الأرواح.
اشتريته لأحمي لارس الصغير… والآن أشعر أنني أنا الواقعة تحت رحمته.
لا… يجب أن أعود إلى هيئة الشبح سريعًا.
كل كلمة، كل نظرة، كل لمسة—
كانت ترسل ومضاتٍ مرتجفة من صدري حتى أطرافي.
وهذا… لا ينبغي أن أشعر به.
تظاهرتُ باللامبالاة.
«اذهب وحدك. لم تعد تخشى الأشباح، وتستطيع البقاء بمفردك. ثم… أليست هذه الحفلة التي يُفترض أن تختار فيها عروسك؟»
«إليسا!»
ارتفع صوته، وغضبٌ خاطف لمَع فيه. لكنني تابعتُ بهدوء:
«تعلم يا لارس… مهمتي انتهت. بقيتُ أكثر مما يجب. بلغتَ الرشد منذ زمن، وهذا العام تتم الخامسة والعشرين. حان وقت رحيلي.»
ومن طرف عيني لمحتُ الباب الأزرق خلفه. ذلك الباب الذي ظل يلازمني منذ أتممتُ مهمتي… وكنتُ أتجاهله عنادًا.
«…لا أريد ذلك.»
«لارس، كل لقاءٍ يعقبه وداع. هذه سنة الحياة. أنا من علّمك ذلك.»
ساد الصمت لحظة، ثم فجأة شدّني إلى صدره. حاولتُ الإفلات، ضربتُ ظهره العريض بقبضتي، لكن لا سبيل لتحريك رجلٍ بقوته.
قال بصوتٍ منخفض خشن:
«لا أستطيع، إليسا.»
«ماذا؟»
«لن أتركك ترحلين.»
«لارس… هذا عقدٌ مع إله. لا رأي لك فيه.»
بعد لحظةٍ أرخى قبضته. ورأيتُ الدموع تتلألأ في عينيه الشفافتين، بلون الجمشت. انهمرت على وجنتيه، وكل قطرةٍ تخز قلبي.
بالطبع… أنا تقريبًا عائلته الوحيدة.
ربما كان تعلّقه مفهومًا.
حين أصعد، سيبقى وحيدًا.
بدافع الشفقة، وضعتُ يدي على وجنته. فغطّى يدي بكفه.
«إليسا.»
ثم همس كأنه يقسم:
«إذًا سأحارب ذلك الإله. وسأنتصر… لتبقي إلى جانبي.»
«لارس!»
شهقتُ، وضعتُ يدي على فمه. كلماتٌ طائشة، خطرة، مستحيلة. هيليوس يسمع كل شيء.
أما هو فلم يتغير تعبيره. بل اقترب أكثر.
أدرتُ وجهي، لكنه أمسك بذقني برفقٍ حازم، وأجبرني على النظر إليه.
قلتُ بصوتٍ مرتجف:
«لارس… اتركني، ما دمتُ أتحدث بلطف.»
«تعلمين يا إليسا…»
«…»
«منذ رأيتكِ أول مرة، عرفتُ أن الأمر سينتهي هكذا.»
«كيف؟»
ابتسم ابتسامةً يغمرها افتتان صريح.
«أن أراكِ وحدكِ… وأفقد صوابي بكِ.»
«—!»
أمسك وجهي برفق، وطبع قبلةً خاطفة على شفتي.
«ل-لارس! انتظر—»
لكنها لم تكن النهاية. هذه المرة لم يبتعد فورًا، بل ازداد اقترابه إلحاحًا. حاولتُ دفعه، لكنّه ظل ثابتًا كالصخر.
وفي ضباب ارتباكي، خطر لي سؤالٌ واحد:
كيف تشابكت خيوطنا إلى هذا الحد؟
التعليقات لهذا الفصل " 1"