4
“يَا لَلمُصادفةِ، نَلتقي هذا العامَ أيضًا. أكنتِ بخيرٍ؟”
“…. عِيدُ ميلادٍ سعيدٌ.”
“عِيدُ ميلادٍ سعيدٌ لكِ أيضًا!”
“لقدْ نفختُ الشمعةَ للتوِّ وتمنيتُ أمنيتي. فعلتُهَا بطريقةٍ صحيحةٍ هذهِ المرَّةَ، قبلَ أن يأتيَ شخصٌ سيئٌ مِثلكَ ويُطفئَهَا.”
“كِح…. كِح…. هَلْ هيَ نفسُ أمنيةِ العامِ الماضي؟”
“أجل.”
كانَ وجهُ الفتاةِ الصغيرةِ المشرقُ بالابتسامةِ هوَ ذاتَهُ وجهُ العامِ الماضي. وكذلكَ كانتِ الأمورُ الأخرى؛ نُدوبٌ لا حصرَ لهَا، وثيابٌ باليةٌ لَطَّختْهَا الأيامُ، وكلُّ ذاكَ المظهرِ الرثِّ.
“هكذا إذنْ….. ولكنْ ماذا نفعلُ؟ الأماني لا تتحققُ بسهولةٍ. فأمنيتي أنا لمْ تُستجبْ ولو لمرَّةٍ واحدةٍ.”
قالَ فيتشينيك ذلكَ بنبرةٍ قاسيةٍ نوعًا ما.
“ولكنْ…. أتمنَّى أن تُستجابَ أمنيتُكِ أنتِ.”
ابتسمَ وهوَ يتمنَّى لها الحظَّ، غيرَ أنَّ تلكَ الابتسامةَ بَدتْ مريرةً للغايةِ.
***
ومرَّ عامٌ آخرُ.
صارتْ إيريكا في التاسعةِ من عمرِهَا.
لمْ تُقم حفلةُ ميلادٍ لفيتشينيك هذا العامَ؛ وبدلاً من ذلكَ، حضرَ إلى قصرِ الكونتِ هيريس بملابسِ المسافرينَ.
“يا للهولِ، لو أخبرتَني بقدومِكَ لأعددتُ لكَ مأدبةً.”
“كلَّمَا كانَ وداعُ الأصدقاءِ قصيرًا، كانَ أفضلَ.”
طافَ فيتشينيك ببيوتِ رفاقِهِ من فرسانِ الفيلقِ ليودعَهُم، وكانَ قصرُ الكونتِ هيريس مَحطَّتَهُ الأخيرةَ.
كانتِ الأوساطُ الارستقراطيةُ في العاصمةِ تضجُّ بالخبرِ:
[اللورد فيتشينيك يتخلَّى عن مَجدِ الـتينوارها.]
ولمْ يكنِ النبلاءُ وحدَهُم مَنْ دُهشوا، بل حتَّى الحكواتيةُ في الأسواقِ تناقلوا الخبرَ بذهولٍ.
“تبدو عليكَ الملالةُ. هذا لا يشبهكَ، فقد كنتَ دومًا مَصدرَ بهجةٍ.”
“ربما…. فلكلِّ مَجدٍ نهايةٌ لا بدَّ منها.”
“ما الذي أصابكَ بكلِّ هذا الفراغِ؟”
“لقدْ ثُلِمَ نَصلي. أظنُّ أنَّ السيفَ الذي يحمي القصرَ الإمبراطوريَّ يجبُ أن يكونَ في يدِ مَنْ هوَ أصغرُ مني سِنًّا.”
“يبدو أنَّكَ لا تنوي إخباري بالسببِ الحقيقيِّ.”
اعتزلَ فيتشينيك فرسانَ القصرِ الإمبراطوريِّ. كانَ يُعدُّ واحدًا من قِلّةٍ يُشارُ إليهم بالبنانِ كأساطيرَ في فنِّ السيفِ على مستوى القارَّةِ. لذا، فإنَّ عذرًا واهيًا كـ “ثلمِ النصلِ” لَنْ ينطليَ على الكونت هيريس الذي كانَ يبارزهُ يوميًّا.
بل إنَّ فيتشينيك تخلَّى عن رُتبتهِ النبيلةِ بلا ندمٍ؛ فبما أنَّهُ بلا عائلةٍ، لَنْ تكونَ الرُّتبةُ سوى عائقٍ أمامَ حريتِهِ القادمةِ.
“ماذا ستفعلُ الآنَ بكُلِّ حياتِكَ؟”
“مَا بالكَ كثيرَ الأسئلةِ لرجلٍ عائدٍ لريفِهِ؟ تنحَّ جانبًا، فأنا راحلٌ الآنَ.”
“ألا يمكنكَ إخباري إلى أينَ وجهتُكَ؟”
“لقدْ قلتُ لكَ، سأعودُ لموطني…. نَحوَ الجنوبِ.”
“جنوبُ الإمبراطوريّةِ بعيدٌ وشاسعٌ! حتَّى لو أردتَ الوصولَ لأقربِ نقطةٍ هناكَ، لَلزمكَ ركضُ الخيلِ لشهرٍ كاملٍ.”
“لم أقرر بعدُ. هلْ أذهبُ لاتحادِ المقاطعاتِ البحريةِ، أم لـدينتوس؟ ولكنْ أظنني سأذهبُ لرؤيةِ البحرِ أولاً.”
وضعَ فيتشينيك قبعةً عريضةً فوقَ رأسهِ، وأغلقَ رداءَهُ البنيَّ الطويلَ. لم تبدُ ثيابُ العامةِ غريبةً عليهِ، بل شَعرَ براحةٍ وكأنَّها صُمِّمتْ لهُ خِصيصًا، خاصةً وهوَ ينوي ارتداءَهَا حتَّى يملَّ منها.
فلَنْ يكونَ هناكَ داعٍ لارتداءِ بدلةِ الـتينوارها المهيبةِ بعدَ اليومِ.
“كنتُ أودُّ تزويدكَ بمالٍ للرحلةِ، ولكنَّكَ ثريٌّ لدرجةِ أنَّني لا أملكُ ما أُعطيكَ إيَّاهُ.”
“هديةُ الوداعِ قد سرقتُهَا بالفعلِ من حديقتكَ قَبل قليلٍ.”
“ماذا؟”
“بما أنَّهَا شيءٌ تافهٌ ولا قيمةَ لهُ في هذا القصرِ، فسآخذُهَا معي.”
“….حَسناً، افعلْ ما تشاءُ. يُسعدُني أنَّكَ وجدتَ شيئًا ترغبُ فيهِ.”
لم يسبقْ لفيتشينيك أن رغبَ في خادمةٍ صغيرةٍ قذرةٍ، ولكنْ بما أنَّهُ قد عقدَ العزمَ على إخراجِ تلكَ الطفلةِ من قصرِ الكونتِ، فقدْ صَدقَ قوله ولمْ يُنكر.
ركبَ العربةَ، وكانَ الكونت والكونتيسةُ هيريس في وداعهِ.
“رافقتكَ السلامةُ. سأتطلعُ لليومِ الذي نلتقي فيهِ مجددًا.”
“أجلْ. سأطوفُ الإمبراطوريّةَ، وإنْ صادفتُ قصةً ممتعةً لا يُمكنني كتمانَهَا، سآتي لأحكيَهَا لكَ.”
“إذنْ ستعودُ قريبًا.”
ضحكَ فيتشينيك، ولوَّحَ الحوذيُّ بسوطِهِ.
وأخيرًا، تحركتِ العربةُ.
تبعتها عَرَبَاتُ الأمتعةِ المُحمَّلةِ بالأحمالِ الكثيرةِ. ومن بينِ أكوامِ القشِّ في العربةِ الثانيةِ، أطلَّتْ فتاةٌ صغيرةٌ برأسِهَا.
بشرةٌ بيضاءُ مُغطاةٌ بالرمادِ.
لقد كانتْ إيريكا.
***
— هل مَا زلتِ ترغبينَ في الرحيلِ عَنْ قصرِ الكونتِ؟
— أجل.
— إذن، هَل ستتبعينَني؟
— أجل.
لم تسألهُ إلى أينَ هوَ ذاهبٌ.
فقط، وخوفًا من أن يُغيرَ رأيَهُ، ركضت بسرعةٍ نَحوَ عربةِ الأمتعةِ التي أشارَ إليها بإصبعهِ واختبأتْ فيهَا.
وبعدَ قليلٍ، حدثَ مَا لَمْ تصدقْهُ عيناهَا.
تاداتاداك.. تاداتاداك….
لقد كانتْ تغادرُ قصرَ الكونتِ. حقًّا وصدقًا.
رُبما كانَ حُلُمًا.
ظلَّتْ إيريكا ترمشُ وهيَ تَرى القصرَ العظيمَ يبتعدُ ويصغرُ. كانَ جسدُهَا متصلبًا منَ الرهبةِ. وبما أنَّهَا المرةُ الأولى التي تركبُ فيها عربةً، فقد ظنَّتْ أنَّ الانكفاءَ في مَقصورةِ الأمتعةِ هوَ الطريقةُ العاديةُ للركوبِ.
وبعدَ مسيرةٍ طويلةٍ، توقفتِ العربةُ.
“أمسكي بيدي وانتقلي إلى هُنا.”
أمسكتْ بيدِ فيتشينيك الممدودةِ وخرجتْ من عربةِ الأمتعةِ، وحينَهَا فقط أدركت أنَّ مَكانَ الأمتعةِ ليسَ للبشرِ.
مَقصورةٌ دافئةٌ ومُريحةٌ.
جلستِ الصغيرةُ بِحذرٍ أمامَ فيتشينيك. ورغمَ أنَّ المَقعدَ كانَ واسعًا، إلا أنَّهَا كَمشت كتفيهَا لتأخذَ أصغرَ مِساحةٍ ممكنةٍ. كانتِ المقاعدُ محشوةً بوثيرٍ مريحٍ لأنَّ العربةَ مخصصةٌ للمسافاتِ الطويلةِ، ومعَ ذلكَ لَمْ تستطعِ الشعورَ بالراحةِ التامّةِ.
أيعقلُ أنَّهَا لَن تُضربَ منَ الكونتيسةِ بعدَ الآنَ؟ ولَن تتعرضَ لمضايقاتِ خدمِ القصرِ؟
ولكنَّهَا شعرت بالضياعِ؛ كَيفَ ستعيشُ مستقبلاً؟ وإلى أينَ سيأخذُهَا؟ وأينَ سيتركُهَا؟
بينما كانتْ إيريكا تعبثُ بأصابعهَا بِارتباكٍ، قالَ فيتشينيك:
“لا داعيَ للقلقِ. أنتِ لستِ خادمةً بعدَ اليومِ.”
“…….”
في الحقيقةِ، لَمْ تكنْ خادمةً قَط منذُ ولادتهَا، لكنَّهَا لَم تستطعْ قولَ ذلكَ. فلو علمَ أنَّ دِماءَ الكونت هيريس تجري في عروقِهَا، فقدْ يُصدمُ ويطردُهَا. لذا، لَم تنطقْ بالحقيقةِ ولَم تُصحح فهمَهُ الخاطئَ.
“لقدْ أحضرتُكِ مَعي، ولكنَّني لا أنوي تبنيكَِ كابنةٍ لي.”
“……!”
عندَ سماعِ كلمةِ “ابنةٍ”، جفلتْ إيريكا ولوَّحتْ بيديهَا نفياً بسرعةٍ:
“سأعملُ بجدٍّ إنْ كلفتني بالأعمالِ المنزليةِ. حتَّى المهامُ الشاقةُ سأقومُ بها.”
“لقدْ قلتُ لكِ إنَّني لَم آتِ بكِ لتعملي خادمةً!”
“إذنْ….. مَاذا سأفعلُ؟”
وضعَ فيتشينيك ساقًا فوقَ ساقٍ وأسندَ ذقنَهُ إلى نافذةِ العربةِ. جالتْ نظراتُهُ على إيريكا ببرودٍ؛ كانتْ نحيلةً ولكنَّ عظامَهَا قويةٌ، وتناسقُ جسدِهَا يبدو مذهلاً من نظرةٍ واحدةٍ.
“بما أنَّني سأشعرُ بالمللِ مستقبلاً، فكرتُ في تربيةِ تلميذٍ.”
“مَاذا….؟”
التفتتْ إيريكا حولَهَا بذهولٍ. لَمْ يكنْ في العربةِ سواهُمَا. إذنْ، كلمةُ “تلميذٍ” هذهِ تقصدُ-
“أ.. أ.. أَنَا؟”
كانَ فيتشينيك فارسًا.
أيعقلُ أنَّهُ يقصدُ تعليمَهَا فنَّ السيفِ! لَهَا هيَ!
ارتجفتْ حدقتا إيريكا بتيهٍ ثمَّ نظرتْ إلى كفَّيهَا الصغيرينِ.
“هَلْ ستقومُ بتعليمي السيفَ؟”
لَمْ تكن إيريكا تَعلمُ، ولكنَّ فيتشينيك كانَ مَعدوداً من كِبارِ الشخصياتِ في الـتينوارها. كانَ السيفَ الذي يحمي سُلالةَ الإمبراطورِ في الإمبراطوريّةِ العظيمةِ، وأحدَ أساطيرِ السيفِ في القارَّةِ.
فهل يُوجدُ في العالمِ مَن يرفضُ فرصةً عظيمةً كهذهِ للتلمذةِ على يديهِ؟
“هَلْ هذهِ الملامحُ تَعني أنَّكِ ترفضينَ؟”
“لا! بل تَعني أنَّني موافقةٌ، سأفعلُ ذلكَ!”
شدَّتْ إيريكا على قبضتيهَا بقوةٍ، رُغمَ أنَّ قبضتيهَا كانتا بِحجمِ فِراخِ الطيورِ.
“أجل، نظرةُ عينيكِ تُعجبني.”
كانتِ القبضتانِ صغيرتينِ للغايةِ، ولكنَّ عزيمتَهَا لم تكنْ عاديةً بالنسبةِ لخادمةٍ مُستضعفةٍ عانتِ الاضطهادَ في قصرِ الكونتِ. لا بُدَّ أنَّ في طِباعِهَا فطرةً قويةً.
تَساءلَ فيتشينيك لبرهةٍ عَنْ نوعِ الوالدينِ اللذينِ أنجبا هذهِ الطفلةَ، لكنَّهُ لَم يسأل؛ فمنْ يبيعُ طفلتَهُ كخادمةٍ في قصرِ الكونتِ بالتأكيدِ لا يستحقُّ السؤالَ عنهُ.
“منَ الآنَ فَصاعداً، ناديني بمُعلمي.”
“مُعلمي!”
“هِم، ألا تشعرينَ بالخجلِ؟”
“ومَا الذي يجبُ أن أخجلَ مِنهُ؟”
“…… في العادةِ، مَنْ يصبحُ تلميذاً لي يغمرُهُ التأثرُ حتَّى يرتجفَ، ثُمَّ يناديني بكلمةِ مُعلمي بِخجلٍ بَعدَ جُهدٍ جَهيدٍ.”
“…….”
بدأتْ إيريكا تفركُ أصابعهَا. خفضتْ بصرَهَا، ثُمَّ رفعتْهُ نَحوَ فيتشينيك بِترددٍ:
“مُعـ…”
“…….”
“مُعـ.. مُعـ..”
“…….”
“…… مُعلمي!”
“…….”
لقدْ حاولتِ التمثيلَ بِخجلٍ كَمَا شرحَ لَهَا المعلمُ تَماماً.
انفجرَ فيتشينيك ضاحكاً، وكأنَّ تمثيلَهَا المفاجئَ قدْ أذهلَهُ وأضحكَهُ في آنٍ واحدٍ.
التعليقات لهذا الفصل " 4"