3
ظلتْ إيريكا ترمشُ ببصرِها في ذهولٍ، بينما بدأتْ حُمرةُ الغضبِ تتسللُ إلى وجهِهَا الصغيرِ، دونَ أن ينتبهَ فيتشينيك لذلكَ؛ بل أطلقَ ضحكةً مجلجلةً وهوَ يقولُ:
“أيتها الخادمةُ الصغيرةُ! كيفَ عرفتِ أنَّ اليومَ هوَ عيدُ ميلادي وأعددتِ لي هذهِ الشمعةَ؟ يا لكِ من طفلةٍ نبيهةٍ!”
“…… آآه.”
عضَّتْ إيريكا على شفتيْهَا بقهرٍ. كانَ منَ الواردِ أن يخطئَ في ظنِّهِ ويحسبَهَا خادمةً، فثيابُهَا الباليةُ الملطخةُ وشعرُهَا الأشعثُ لا يوحيانِ أبدًا بأنَّهَا ابنةُ كونتٍ.
لكنَّ النفخَ في شمعةِ ميلادِ شخصٍ آخرَ لم يكنْ منَ الأدبِ في شيءٍ. هذا الرجلُ البالغُ، أينَ ذهبتْ سنواتُ عمرِهِ؟ إنَّهُ يبدو أقلَّ تهذيبًا منَ الأطفالِ.
“….ليسَ عيدَ ميلادكَ أنتَ.”
“هاه؟”
نظرتْ إيريكا إلى الشمعةِ التي انطفأَ نورُهَا، ولمْ تقوَ على إخراجِ غضبِهَا، فقالتْ بصوتٍ واهنٍ يملؤُهُ الانكسارُ:
“إنَّهُ عيدُ ميلادي أنا.”
أرادتْ أن تُعبرَ عن حنقِهَا، لكنَّهَا لم تكنْ تملكُ الخبرةَ في ذلكَ، ولمْ تعرفْ للتعبيرِ سبيلاً؛ فاستعاضتْ عن ذلكَ بحزنٍ يشبهُ التنهيدةَ حُشرَ في أعماقِ قلبِهَا.
“هذهِ أمنيتي…. اليومُ الوحيدُ في العامِ…. الذي أتمنى فيهِ أمنيتي.”
بدا لها خيطُ الدخانِ الأسودِ المتصاعدِ منَ الشمعةِ الضئيلةِ وكأنَّهُ يهمسُ لها: (أيتها الحمقاءُ، لقد أخبرتُكِ أنَّ اليومَ ليسَ عيدَ ميلادكِ).
شعرتْ برغبةٍ عارمةٍ في البكاءِ، ففركتْ عينيْهَا بظهرِ كفِّهَا. وبما أنَّ شخصًا آخرَ قد سرقَ أمنيتَهَا، فلنْ يكونَ بمقدورِ إيريكا أن تتمنَّى شيئًا الآنَ.
“أنا….. أنا أعتذرُ منكِ.”
حكَّ فيتشينيك لحيتهُ. ورغمَ ثمالتهِ، لمْ يغبْ عنهُ الإدراكُ؛ فاليومَ حقًّا هوَ عيدُ ميلادِ هذهِ الخادمةِ الصغيرةِ.
“سأحققُ لكِ أمنيةً بدلَ تلكَ الشمعةِ. ما رأيكِ؟ أنا أملكُ الكثيرَ منَ المالِ، ويمكنُني أن أشتريَ لكِ أيَّ هديةٍ ترغبينَ فيها.”
أشارَ فيتشينيك إلى الدبِّ القماشيِّ القديمِ بجانبِ الفتاةِ:
“ما رأيكِ في دميةِ أرنبٍ أكبرَ وأجملَ بكثيرٍ من كتلةِ القطنِ المتسخةِ تلكَ؟”
لمْ تُجبْ إيريكا، ففسرَ فيتشينيك صمتَهَا على أنَّهُ موافقةٌ.
“سأرسلُهَا إلى القصرِ معَ بزوغِ فجرِ الغدِ. في أيِّ غرفةٍ تعملينَ؟ المطبخُ؟ غرفةُ الغسيلِ؟ سأرسلُهَا إلى رئيسةِ الخادماتِ لكي تتسلميها منها، أتتفقينَ؟”
“…….”
قبضتْ إيريكا بيمينِهَا على فطيرةِ البيضِ، وضمتْ بيسارِهَا دبَّهَا القماشيَّ.
“لا أحتاجُ إليها. أمنيتي لم تكنْ هكذا.”
نهضتْ إيريكا من مكانِهَا عندَ النافورةِ.
“تمنَّ أنتَ يا سيدُ. فلقدْ سلبتَني حقي في الأمنيةِ.”
“لا، لا. أنا لا أملكُ أمنياتٍ.”
“كاذبٌ. من ذا الذي يعيشُ في هذا العالمِ بلا أمنيةٍ؟”
“في الماضي، كانَ لديَّ أمنياتٌ.”
وبسببِ سُكرِهِ، راحَ فيتشينيك يسردُ تفاصيلَ حياتهِ الخاصةِ دونَ سُؤالٍ:
“لا تعلمينَ كمْ ابتهلتُ لكيْ أرى ابنتي الصغيرةَ الجميلةَ وهيَ تكبرُ وتتزوجُ.”
“…….”
“وفي يومٍ ما، شعرتُ أنَّني طمَّاعٌ جدًّا، فقللتُ أمنيتي. تمنيتُ فقطْ أن تعيشَ ابنتي لعامٍ واحدٍ إضافيٍّ.”
“…….”
“أتدرينَ كمْ أنفقتُ من مالٍ في المعبدِ من أجلِ الصلاةِ؟ أظنُّ أنَّ التبرعاتِ التي قدمتُهَا للمعبدِ كانتْ كافيةً لبناءِ قصرينِ مِثلِ هذا القصرِ.”
“…… أنتَ غنيٌّ جدًّا إذنْ.”
“بالطبعِ. لا يوجدُ فقيرٌ بينَ فرسانِ الـتينوارها.”
“…….”
التينوارها.
رفعتْ إيريكا رأسَهَا عندَ سماعِ الكلمةِ المألوفةِ. لمْ تصدقْ أنَّ هذا الرجلَ الأربعينيَّ الذي يبدو أحمقَ، ينتمي لنفسِ فيلقِ فرسانِ القصرِ الإمبراطوريِّ الذي يتبعُهُ والدُهَا.
“لذا، قولي لي أيَّ شيءٍ. ماذا أشتري لكِ؟”
سألَ فيتشينيك مجددًا. شعرَ أنَّهُ لو تجاهلَ الأمرَ بعدَ أن أفسدَ شمعةَ تلكَ الخادمةِ المسكينةِ وأبكاها، فلنْ يطيبَ لهُ الشربُ مجددًا؛ لذا عقدَ العزمَ على أن يَعِدَهَا بهديةٍ ليرحلَ مرتاحَ البالِ.
“…… أن أخرجَ من قصرِ الكونتِ.”
نطقتْ إيريكا أخيرًا.
“ساعِدني.”
رفعتْ عينيْهَا الصافيتينِ نَحو فيتشينيك.
“في الحقيقةِ، تلكَ هيَ الأمنيةُ التي كنتُ سأتمنَّاهَا.”
كانَ طولُ الرجلِ فارعًا لدرجةِ أنَّها اضطرتْ لرفعِ رأسِهَا كأنَّها تنظرُ للسماءِ. ولمْ يكنْ فيتشينيك يملكُ من الرقيِّ ما يكفي لكيْ يحنيَ ركبتيهِ أمامَ خادمةٍ صغيرةٍ.
التقتْ نظراتُهُمَا.
صمتَ فيتشينيك لبرهةٍ، وراحتْ عيناهُ تتفحصُ الطفلةَ بدقةٍ هذهِ المرةَ.
‘…… يبدو أنَّهَا تتعرضُ للاضطهادِ من قبلِ الخادماتِ.’
لمحَ آثارَ الندوبِ المحفورةِ حولَ عينيْهَا وعلى ذراعيْهَا. حينَ رآها لأولِ مرةٍ، ظنَّ أنَّ التربيةَ في قصرِ هيريس صارمةٌ تجاهَ الخادماتِ الصغيراتِ، ولكنْ حتَّى معَ اعتبارِهَا خادمةً، كانَ مظهرُهَا رثًّا للغايةِ.
لم يكنْ منَ الأدبِ التدخلُ في شؤونِ خدمِ القصورِ الأخرى، ولكنْ في يومٍ كهذا يحضرُ فيهِ الضيوفُ، جرتِ العادةُ أن يرتديَ حتَّى صغارُ الخدمِ ثيابًا نظيفةً؛ أمَّا هذهِ الطفلةُ، فحالُهَا لم يكنْ يختلفُ عن حالِ المتسولينَ في الأحياءِ الفقيرةِ.
‘لقد تجاوزَ الأمرُ حدَّهُ.’
إنْ وصلَ الحالُ بخادمةٍ صغيرةٍ أن تطلبَ الرحيلَ بنفسِهَا، فلا بدَّ أنَّ هناكَ خطبًا جسيمًا.
كانَ يعلمُ جيدًا أنَّ الكونت هيريس لا يلتفتُ لشؤونِ عائلتِهِ أبدًا، ولعلَّ المشكلةَ تكمنُ في طريقةِ إدارةِ الكونتيسةِ أو رئيسةِ الخادماتِ، ولكنْ….
“…… هذا أمرٌ صعبٌ.”
لم يكنْ بوسعِ فيتشينيك التدخلُ. ففي عالمِ النبلاءِ، ثمَّةَ قوانينُ غيرُ مكتوبةٍ.
ورغمَ صِداقتِهِ القويةِ بالكونت هيريس، إلا أنَّ إخراجَ خادمةٍ واحدةٍ كانَ سيتطلبُ جهودًا وتبريراتٍ لا يرغبُ في تحملِ عنائِهَا.
“إنْ لمْ تكوني بحاجةٍ لهديةٍ، فأنا سأنصرفُ.”
“…….”
“أحقًّا لا تريدينَ شيئًا؟ دميةَ أرنبٍ؟”
“…….”
“سأذهبُ إذنْ؟”
“…….”
لمْ تُجبْ إيريكا، فاستدارَ فيتشينيك ليرحلَ.
“…….”
ظلتْ إيريكا ترمقُ ظهرَهُ العريضَ وهوَ يبتعدُ بصمتٍ، دونَ مأربٍ محددٍ.
وبعدَ أن خطا بضعَ خطواتٍ، توقفَ فيتشينيك فجأةً. استدارَ ذلكَ الظهرُ الضخمُ الذي يشبهُ ظهرَ الدبِّ.
“صحيحٌ، عيدُ ميلادٍ سعيدٍ.”
قالَ ذلكَ وهوَ يحكُّ أنفهُ بحرجٍ، فربما كانَ منتصفُ الليلِ قد مرَّ بالفعلِ.
“….مِم.”
ضمتْ إيريكا دميتَهَا بقوةٍ، وشعرتْ بالخجلِ.
“شكراً لكَ.”
‘هذهِ أولُ مرةٍ أسمعُهَا.’
في الحقيقةِ، لا أمسُ ولا اليومُ كانا عيدَ ميلادي، لقد كانَ مجردَ يومٍ اخترتُهُ بهواي.
أخفتْ هذهِ الكلماتِ التي كادتْ تخرجُ من فمِهَا، وقالتْ بابتسامةٍ نادرةٍ:
“وأنتَ أيضًا، عيدُ ميلادٍ سعيدٌ أيها السيدُ!”
ضحكتْ إيريكا ملءَ وجهِهَا، وكانت ضحكتُهَا تفيضُ ببراءةٍ وحبٍّ يأسرانِ القلوبَ.
[أبي، عيدُ ميلادٍ سعيدٌ!]
شعرَ فيتشينيك وكأنَّ صاعقةً ضربتْ مؤخرةَ رأسِهِ، وتجلتْ صورةُ ابنتهِ الراحلةِ أمامَ عينيهِ.
“…. أجلْ.”
في تلكَ اللحظةِ، أدركَ أنَّ خطبًا كبيرًا قد أصابَهُ.
“…… شكرًا لكِ.”
كانتْ كارثةً. لقد انفتحَ صندوقُ ذكرياتِهِ الذي أوصدَهُ لزمنٍ طويلٍ رُغمًا عنهُ. لقد كانتْ فاجعةً بكلِّ المقاييسِ. كيفَ استطاعَ العيشَ ناسيًا؟
كمْ كانَ يحبُّ ابنتَهُ؟ ثمَّ يستيقظُ ليجدَ نفسَهُ وحيدًا في هذهِ الحياةِ.
انقضَّ عليهِ الكابوسُ الذي عادَ للحياةِ، تمامًا مثلَ الوباءِ الذي قتلَ زوجتَهُ وابنتَهُ قديمًا.
“…….”
حتَّى حينَ عادَ لمجلسِ الخمرِ وظلَّ يجرعُ حتَّى الصباحِ، وحتَّى حينَ غرقَ في سباتِ أحلامهِ، وحتَّى حينَ بدأَ تدريباتِ الفرسانِ الصباحيةَ ممسكًا بسيفهِ…..
“…… تَبًّا.”
كانَ الحنينُ ينبشُ في قلبهِ بكلِّ سهولةٍ. مثلَ عطرٍ تسربَ من صندوقٍ مفتوحٍ فطارَ معَ الريحِ، ذهبَ الغاليونَ بلا عودةٍ. فصارَ ممسكًا بالسيفِ، يضحكُ بحماقةٍ، في حياةٍ لمْ تعدْ تعني لهُ شيئًا. وبدأَ الفراغُ يلتهمُهُ كهاويةٍ لا قاعَ لهَا.
***
بعدَ مرورِ عامٍ كاملٍ.
التقتْ إيريكا بذاكَ الرجلِ الغريبِ مرةً أخرى.
أقامَ فيتشينيك حفلةَ ميلادهِ في قصرِ الكونت هيريس مجددًا.
كانتْ عائلةُ الكونتِ على وشكِ فقدانِ وعيها من شدةِ الذهولِ، ولكنْ كانَ من حسنِ حظِّ الكونتيسةِ أنَّهُ أرسلَ خبرًا مسبقًا هذهِ المرةَ.
“سيدتي، هلْ تعلمينَ؟ هذهِ الخادمةُ الصغيرةُ هنا تملكُ تاريخَ ميلادٍ يطابقُ تاريخي تمامًا. لقدِ اكتشفتُ ذلكَ بالصدفةِ العامَ الماضي.”
“يا للهولِ، هذا مذهلٌ حقًّا. سأخبرُ رئيسةَ الخادماتِ لكي تُعطيَ الطفلةَ قطعةً منَ الكعكِ.”
أجابتِ الكونتيسةُ وهيَ ترتدي قناعَ اللطفِ. لمْ تكنْ ترغبُ في معرفةِ تاريخِ ميلادِ خادمةٍ في القصرِ، لكنَّ إظهارَ نُبلِ الأخلاقِ أمامَ الضيوفِ كانَ أمرًا يسيرًا.
وبالطبعِ، لمْ تستطعْ رئيسةُ الخادماتِ العثورَ على أيِّ خادمةٍ يُوافقُ ميلادُهَا هذا اليومَ، فانتهى الأمرُ بعدمِ حصولِ أحدٍ على الكعكِ.
أمَّا إيريكا، صاحبةُ العيدِ الحقيقيةِ، فقدْ غرستْ شمعةً في قطعةِ خبزٍ صغيرةٍ سرقتْهَا خفيةً.
لقد عرفتْ الآنَ أنَّ عليها غرسَ ثماني شمعاتٍ لأنَّهُ عيدُ ميلادِهَا الثامنُ، لكنَّهَا لم تستطعْ تدبيرَ هذا العددِ.
وخوفًا من ضياعِ الفرصةِ كما حدثَ العامَ الماضي، سارعتْ بنفخِ الشمعةِ وهي تتمنَّى:
‘ساعِدني على الخروجِ من قصرِ الكونتِ.’
قالتْ أمنيتَهَا بسرعةٍ خاطفةٍ.
ثمَّ رأتْ فيتشينيك في الردهةِ؛ الشخصَ الذي يشاركُهَا تاريخَ ميلادِهَا. ركضتْ نَحوهُ ببهجةٍ ونادتْهُ:
“….أيها السيدُ.”
التعليقات لهذا الفصل " 3"