2
***
كانتْ في أراضي الإمبراطوريّةِ الواسعةِ مقاطعاتٌ لا تُعدُّ ولا تُحصى. حتَّى لو بُسطتْ خريطةُ الإمبراطوريّةِ فوقَ طاولةٍ عريضةٍ، لَمَا اتَّسعتْ لبيانِ كلِّ معالمِهَا.
فعلى مَدى ألفِ عامٍ، ظلَّتِ الإمبراطوريّةُ التي تهيمنُ على القارَّةِ ممتدةً بلا نهايةٍ، ودرجتْ فيها ممتلكاتُ النبلاءِ بكثرةٍ فائقةٍ.
وكانَ النبلاءُ ذوو النفوذِ يمتلكونَ في مقاطعاتِهم فيالقَ منَ الفرسانِ وجنودًا خاصّينَ. وكثيرًا ما كانتْ تنشبُ النزالاتُ بينَ فيالقِ الفرسانِ تفاخرًا بالقوّةِ؛ فسطعَ نجمُ فيالقَ بعينِهَا لكثرةِ ما حقَّقتْ منِ انتصاراتٍ، بينما استأجرَ آخرونَ المرتزقةَ للأخذِ بالثأرِ لاسمِ مقاطعاتِهم.
غيرَ أنَّ تلكَ الصراعاتِ كانتْ قاصرةً على الأقاليمِ البعيدةِ؛ أمَّا في “سيياد”، العاصمةِ العظيمةِ للإمبراطوريّةِ، لَمْ يكنْ أحدٌ يجرؤُ على فعلِ مثلِ تلكَ الأمورِ.
“أيها الوكيلُ، أيها الوكيلُ…. هلْ هؤلاءِ حقًّا كلُّهم منَ الـتينوارها؟”
“أجلْ. لقد حضرَ جنابُ الماركيز نوكبيل بنفسِهِ، فاحذروا أن تقعوا في أيِّ خطأٍ أثناءَ خدمتِهم.”
كانَ الـتينوارها فصيلَ الفرسانِ التابعَ للقصرِ الإمبراطوريِّ؛ أقوى تجمُّعٍ عسكريٍّ يضمُّ نخبةَ سُيوفِ الإمبراطوريّةِ.
حتَّى أطفالُ الأحياءِ الفقيرةِ كانوا يعرفونَهم، وحتَّى العجائزُ الذينَ وَهنتْ قواهُم لمْ ينسوا مجدَهُم وهيبتَهُم أبدًا. لقدْ كانوا السيفَ والترسَ اللذينِ حَميا العائلةَ الإمبراطوريّةَ طوالَ ألفِ عامٍ.
وحتَّى لو كانَ ثمَّةَ فيلقُ فرسانٍ ذائعُ الصيتِ في الأقاليمِ، فإنَّهُ لا يجرؤُ أبدًا على مُطاولةِ هيبةِ الـتينوارها أو بلوغِ مَوطئِ أقدامِهم.
“نُحيي حُماةَ سيياد، الـتينوارها.”
أدَّتِ الكونتيسةُ هيريس مراسمَ التحيةِ. لمْ يسبقْ لها أن رأتْ هذا العددَ الكبيرَ من فرسانِ الـتينوارها من قبلُ، وتَساءلتْ في نفسِهَا إن كانَ يُسمحُ لهم بالاحتِشادِ هكذا في غيرِ المناسباتِ الوطنيّةِ، لكنَّهَا لحسنِ الحظِّ لمْ تفقدْ رباطةَ جأشِهَا؛ فزوجُهَا الكونت هيريس كانَ واحدًا منهم.
وفي الأساسِ، كانتِ الوجوهُ المصطفّةُ أمامَهَا الآنَ وجوهًا تعرفُهَا على الصعيدِ الشخصيِّ.
“لقد مرَّ وقتٌ طويلٌ يا سيدتي. لقد زدتِ جمالاً.”
“إنَّكَ تُخجلُني يا جنابَ الماركيز نوكبيل.”
كانتْ وقفتُهَا وهيَ تستقبلُ الضيوفَ أمامَ قصرِ الكونت العظيمِ في غايةِ الأدبِ والوقارِ. ورغمَ أنَّهَا ارتدتْ ملابسَهَا على عَجلٍ، إلا أنَّ فستانَهَا ذا الأطرافِ الفضفاضةِ كانَ يفيضُ فخامةً.
“أعلمُ أنَّ في مجيئِنَا هذا جفاءً، ولكنَّنا قد وصلنا. ألمْ يخبرْكِ الكونت هيريس بقدومِنَا؟”
“آه…. في الحقيقةِ….”
“كنتُ أعلمُ! لو لمْ نأتِ نحنُ إليهِ، لَمَا أظهرَ وجهَهُ لنا اليومَ أيضًا! إنَّهُ يومُ ميلادي، وهذا الوغد….!”
“فيتشينيك. كُفَّ عن استخدامِ هذهِ الألفاظِ الحادّةِ، ألا تَرى أنَّكَ تُحرجُ الكونتيسةَ؟”
“آه، اعتذاري لكِ يا سيدتي الكونتيسة. لقد اعتدتُ أن يُخلفَ الكونت هيريس وعودَهُ معي دومًا. هلْ تسمحينَ لنا بالدخولِ والانتظارِ بالداخلِ؟”
“يا إلهي، بالطبعِ. لمْ أكنْ أعلمُ بزيارتِكُم المفاجئةِ هذهِ، ولكنَّنا نتطلعُ دومًا لاستضافتِكُم. سيصلُ الكونت عمَّا قريبٍ.”
“سيدتي، إنَّ روحكِ لَنبيلةٌ. حقًّا لا أفهمُ لِمَاذا لا يعودُ الكونت هيريس إلى منزلهِ كثيرًا!”
“هوهو، كما تعلمُ، فزوجي لا يرى أمامَهُ سوى العملِ…. ويسعدُني أنَّ لهُ أصدقاءً يرفعون الكُلفةَ معهُ مثلَ اللورد فيتشينيك. تفضلوا بالدخولِ.”
دخلَ ثمانيةٌ من فرسانِ الـتينوارها إلى قصرِ الكونتِ بصخبٍ وجلبةٍ. لو جاؤوا بزيِّهم الرسميِّ لظنَّ الناسُ أنَّ خطبًا جسيمًا قد حلَّ بالقصرِ، ولكنْ لحسنِ الحظِّ كانوا يرتدونَ ملابسَ مدنيّةً تناسبُ الحالَ.
ومن بينِهم، كانَ فيتشينيك ذو الملابسِ المتحررةِ للغايةِ نبيلًا رفيعَ المستوى، وكانَ اليومُ هو يومُ ميلادهِ.
“من المؤكدِ أنَّ الكونت هيريس يذكرُ الأمرَ. لقد وعدني صراحةً بأنَّنا سنقيمُ حفلةَ ميلادي في قصرِهِ هذهِ الليلةَ.”
“يا لها من مفاجأة، حفلةُ ميلادِ اللورد فيتشينيك…. وكيفَ انتهى بها الأمرُ في منزلِنَا؟”
“أوهو! سأخبرُكِ كيفَ حدثَ ذلكَ، في الأصلِ كنا نَقومُ بِمُراهنةٍ بينَ أعضاءِ الفيلقِ الأولِ….”
مضى فيتشينيك في طريقِهِ وهوَ يضحكُ ضحكةً مجلجلةً. وفجأةً، وبالصدفةِ، اتجهتْ عيناهُ نَحو الأعلى.
هناك، عندَ نافذةٍ عاليةٍ وشاهقةٍ تُشبهُ نوافذَ العليّةِ، لمحَ فتاةً صغيرةً تلتصقُ بالزجاجِ.
“……؟”
شعرَ أنَّ عينيهِ قدِ التقتا بعينيْهَا. ورغمَ أنَّهَا كانتْ بعيدةً كأنَّهَا نقطةٌ صغيرةٌ، إلا أنَّ بصرَ فيتشينيك الحادَّ مكنَّهُ من رؤيةِ الدموعِ العالقةِ في محجريهَا.
***
بدأتْ حفلةُ السُّكْرِ.
لقد ذهبتْ هيبةُ الـتينوارها الراقيةِ والوقورةِ في مهبِّ الريحِ، حتَّى أنَّ المرءَ لا يكادُ يصدقُ ما يراهُ. وعندما عادَ الكونت هيريس إلى القصرِ في وقتٍ متأخرٍ بعدَ إنهاءِ عملهِ، لَجمتِ الصدمةُ لسانَهُ.
وقفَ مذهولاً يراقبُ قصرَ الكونتِ العريقَ وقدِ احتلهُ السكارى.
“كيفَ….!”
أرادَ الصراخَ ولكنَّ الكلماتِ غصَّت في حنجرتِهِ، فخفّضَ نبرتَهُ وهوَ يُعدِّلُ صوتَهُ:
“أيعقلُ أنَّ الفرسانَ المنوطَ بهم حمايةُ القصرِ الإمبراطوريِّ فقدوا وعيهمُ هكذا وبشكلٍ جماعيٍّ! أهذا يعقلُ؟”
“إيبيه-بيبي! لقد قمتُ بتغييرِ نوباتِ المناوبةِ لكيْ نتمكنَ جميعًا منَ الحضورِ! هكذا يكونُ استغلالُ السلطةِ! أُهاهاك!”
“فيتشينيك!”
“أجلْ. أنا فيتشينيك. صاحبُ العيدِ اليومَ. ألا تعلمُ أنَّ قانونَ الإمبراطوريّةِ يقضي بتلبيةِ كلِّ رغباتِ صاحبِ العيدِ؟”
“همم، وهلْ يوجدُ هكذا قانونٌ؟”
“جنابَ الماركيز نوكبيل، هلْ أنتَ أحمقٌ؟ لقدِ اخترعتُهُ للتوِّ! أُهاهاك! أحمق، أحمق!”
“أنتَ حقًّا…..”
ولسوءِ الحظِّ، كانَ ذاكَ الأحمقُ هوَ صاحبُ العيدِ اليومَ. وضعَ الكونت هيريس يدهُ على جبهتهِ وأطلقَ تنهيدةً عميقةً. وحتَّى الماركيز نوكبيل كانَ يُسايرُ ذلكَ الأحمقَ في جنونِهِ.
كانَ من حسنِ الحظِّ أنَّهُ لا أحدَ خارجَ هذا الجمعِ يَعلمُ أنَّ انضباطَ الـتينوارها العظيمِ قدِ انحدرَ إلى هذا المستوى منَ الفوضى.
“سيدتي، أتعبتُكِ معي، ولكنْ هلاَّ أشرفتِ على إعدادِ أماكنَ لنومِهم. لقدِ اقتربَ منتصفُ الليلِ، ويبدو أنَّهُ منَ الصعبِ إعادتُهم الآنَ.”
“حاضرةٌ….”
“إيييه؟ لقد بدأنا للتوِّ، ما الذي تقصدُهُ؟ من ذا الذي سيذهبُ للنومِ؟”
“من سينامُ؟ أكانَ هناكَ شخصٌ بهذا الضعفِ في الـتينوارها؟”
“ليقدمْ استقالتَهُ فورًا ويُعدْ كلَّ الرواتبِ التي تقاضاها.”
“يا صاحبَ المعالي، ما رأيكَ في أن نعفوَ عمَّنْ يجرعُ هذا الدنَّ منَ الخمرِ جرعةً واحدةً؟”
“سأفعلُها أنا!”
“ألمْ تكنْ أنتَ مَنْ سيذهبُ للنومِ؟”
“الشربُ بتمهُّلٍ ونحيبٍ ليسَ ممتعًا! الرجلُ الحقيقيُّ هوَ من يجرعُ الخمرَ جرعًا!”
“حقًّا…. يبدو أنَّهم مجانينُ. أشعرُ بالخجلِ لئلا يراهم أحدٌ. أنا سأنصرفُ.”
في النهايةِ، غادرَ الكونت هيريس المكانَ وهوَ يمسحُ وجهَهُ بيدهِ منَ الإحباطِ. ولكنَّ ظهرَهُ وهوَ ينسحبُ وقعتْ عليهِ عينُ بطلِ اليومِ.
“إلى أينَ أنتَ ذاهبٌ؟”
نهضَ فيتشينيك واقفًا. ثمَّ طاردَهُ وهوَ يضعُ زجاجةَ خمرٍ تحتَ كلِّ إبطٍ. كانَ عليهِ أن يُعلِّمَ الكونت هيريس، المشهورَ في القصرِ الإمبراطوريِّ بهوسهِ بالعملِ، كيفَ يثملُ مثلَهُ اليومَ على الأقلِ.
“يا هذا! أينَ تختبئُ!”
كانتْ حركاتُهُ رشيقةً تليقُ بفارسِ القصرِ الإمبراطوريِّ. ومنَ الظاهرِ، لمْ يبدُ عليهِ أثرُ الثمالةِ.
“تاداتاداك!”
جابَ فيتشينيك قصرَ الكونتِ الشاسعَ بحريّةٍ. وبما أنَّهُ صاحبُ العيدِ، فقد كانَ أكثرَ ثقةً وجرأةً.
لقد فقدَ زوجتَهُ وابنتَهُ في شبابهِ، وعاشَ وحيدًا بلا عائلةٍ لأكثرَ من عشرِ سنواتٍ. ولمْ يكنْ هناكَ من يُهنئُهُ بعيدِ ميلادهِ سوى رفاقِهِ من فرسانِ الفيلقِ، لذا كانَ منَ الطبيعيِّ أن يشربوا معهُ حتَّى الفجرِ. وحتَّى لو كانَ الكونت هيريس جامدًا ومملًا، فلا يُستثنى من ذلكَ.
***
جذبتِ الأصواتُ الصاخبةُ إيريكا، فتسللتْ إلى الطابقِ السفليِّ لتُلقيَ نظرةً خفيةً.
على أطرافِ أصابعِهَا…. تلصصتْ.
كانَ هناكَ الكثيرُ منَ الناسِ.
كلُّهم رجالٌ ضخامُ البنيةِ، ومعظمُهم في مقتبلِ العمرِ مِثلَ والدِهَا. بدأتِ الصغيرةُ تعدُّهم وهيَ مختبئةٌ خلفَ الدرجِ.
“واحدٌ، اثنانِ، ثلاثةٌ، أربعةٌ…..”
خمنتْ أنَّهم قد يصلونَ لعشرةٍ. وكانَ هؤلاءِ الأشخاصُ يصرخونَ بأعلى أصواتِهم وهم يشربون الخمرَ.
كانت أصواتُهم جهيرةً جدًّا لدرجةِ أنَّ إيريكا كانت ترتعدُ فَزعًا، حتَّى أنَّ شهقةً غلبتهَا وكادتْ تكشفُ مكمنَهَا.
‘لأخرجْ من هنا قبلَ أن يُكشفَ أمري وأُعاقبَ.’
انسلَّت إيريكا زاحفةً وهي تضُمُّ دبَّهَا القماشيَّ إلى صدرِهَا. وفي جيبِهَا المتسخِ، كانت تضعُ فطيرةَ البيضِ وشمعةً صغيرةً. توجهَ جسدُهَا الصغيرُ نحو الحديقةِ.
‘يجبُ أن أطفئَ الشمعةَ قبلَ منتصفِ الليلِ.’
كانَ هواءُ الليلِ منعشًا.
جلستْ إيريكا على حافةِ نافورةِ الحديقةِ. وكانت ساقاها النحيفتانِ الشاحبتانِ تتأرجحانِ ببهجةٍ.
وضعتْ فطيرةَ البيضِ فوقَ ركبتيْهَا؛ ولحسنِ الحظِّ، لم يتحطمْ منها سوى جزءٍ صغيرٍ منَ الحوافِ وبقيتْ ممتلئةً كما هيَ.
غرستِ الشمعةَ الصغيرةَ، وأشعلتِ النارَ، ثمَّ جمعتْ كفيَّهَا وأغمضتْ عينيهَا.
لقد حانَ الوقتُ لتتمنى أمنيةَ ميلادِهَا.
وفي اللحظةِ التي كانت تُحرِّكُ فيها شفتيْهَا…..
“فووو!”
“….؟!”
انطفأتِ الشمعةُ.
لقد ركضَ فيتشينيك الذي كانَ يمرُّ بالمكانِ، وأطفأ الشمعةَ بسرعةٍ خاطفةٍ.
التعليقات لهذا الفصل " 2"