1
أدركتْ إيريكا حقيقةَ الأمرِ وهيَ في الرابعةِ من عمرِهَا فقطْ؛ أنَّهُ لا يوجدُ في هذا القصرِ الشاسعِ مَنْ يقفُ بجانبِهَا. فحتى حينَ كانت تتقوقعُ على نفسِهَا في زاويةِ الغرفةِ باكيةً بعدَ توبيخِ الكونتيسةِ لهَا، لم يتقدَّمْ لمواساتِهَا أحدٌ.
“هذا مؤلمٌ…..”
حتى المربيّةُ والخادماتُ لم يطرقنَ بابَهَا. فلم يجرؤْ خادمٌ على أن يضمَّ بينَ ذراعيهِ تلكَ الابنةَ غيرَ الشرعيَّةِ المنبوذةَ؛ إذ كانَ الجميعُ يرتعدُ خوفًا من نظراتِ الكونتيسةِ.
في صغرِهَا، كانت إيريكا تخلطُ بينَ الدمِ والدموعِ. أليسا شيئًا واحدًا؟ كلاهُما كانَ حارًّا، وكلاهُما جلبَ معهُ الوجعَ. وفي كلِّ مرَّةٍ كانت تُضطرُّ فيهَا لمواجهةِ الكونتيسةِ، كانَ الاثنانِ ينسالانِ معًا.
كانت تارةً تمسحُ الدماءَ بظهرِ كفِّهَا الصغيرِ، وتارةً أخرى تجلسُ عندَ حافةِ النافذةِ تتركُ دموعَهَا تنهمرُ قطرةً وراءَ قطرةٍ دونَ أن تفقهَ سببًا لكلِّ هذا الشقاءِ. لم يكنْ لها من صديقٍ سوى ذاك القمرِ القابعِ في كبدِ السماءِ، يرقبُهَا بصمتٍ دونَ جوابٍ.
وفي عامِهَا الخامسِ، تناهى إلى مسامعِهَا سرُّ هذا البؤسِ المتجذّرِ؛ عرفتْ أنَّهَا ثمرةُ علاقةٍ بينَ الكونتِ وخادمةٍ وضيعةٍ، ماتت وهيَ تصارعُ آلامَ المخاضِ لتمنحَهَا الحياةَ.
كانت الكونتيسةُ تمقتُ إيريكا بشدَّةٍ. فبعدَ أن أنجبتْ ابنًا وجيهًا، ظهرتْ إيريكا كأنَّهَا لعنةٌ حلَّت بالبيتِ، ممَّا جعلَ غضبَ الكونتيسةِ يستعرُ يومًا بعدَ يومٍ. أمَّا والدُهَا، سيدُ عائلةِ هيريس العريقةِ وفارسُهَا النبيلُ، فقد كانَ يقضي جُلَّ وقتِهِ في القصرِ الإمبراطوريِّ لحمايةِ الإمبراطورِ، غافلاً تمامًا عن شؤونِ عائلتِهِ.
حتى اسمُ إيريكا، الذي اختارَهُ لهَا والدُهَا دونَ تفكيرٍ ليشبهَ اسمَ ابنِهِ الأكبرِ إيريك، لم يدركِ الكونت هيريس أنَّهُ كانَ سببًا في انفجارِ عروقِ الكونتيسةِ غيظًا وحقدًا.
لكنَّ ذلكَ الإهمالَ لم يكنْ سوى شكلٍ آخرَ من أشكالِ التواطؤِ على تعذيبِهَا. ومعَ ذلكَ، وبخلافِ الكونتيسةِ، كانت إيريكا ترى في والدِهَا كائنًا لا يكرهُهَا على الأقلِ.
كلَّمَا عادَ الكونت هيريس إلى المنزلِ، كانت تتشبثُ بنافذةِ غرفتِهَا العليّةِ، تنظرُ إليهِ من بعيدٍ. كانَ عليهَا أن تكتفيَ برؤيةِ وجهِهِ من تلكَ المسافةِ؛ فلو تجرأتْ واقتربتْ منهُ، لكانَ عليهَا أن تواجهَ ضربًا مبرحًا من الكونتيسةِ بعدَ رحيلِهِ.
كانَ شعرُ الكونت هيريس الذهبيُّ يتلألأُ كالشمسِ، وبقدرِ جمالِهِ كانَ بعيدَ المنالِ. ولسوءِ حظِّهَا، لم ترثْ إيريكا ذلكَ اللونَ البهيَّ، بل وُلدتْ بشعرٍ بنيٍّ عاديٍّ لا يليقُ بالنبلاءِ العظماءِ. فهل كانَ هذا هوَ السببُ في عدمِ الاعترافِ بهَا كابنةٍ؟ أم أنَّ الكونتَ قد نسيَ أمرَ وجودِهَا تمامًا؟
حينَ بلغتِ السادسةَ، تعلمتْ إيريكا كيفَ تنسى الوحدةَ. كانَ الأمرُ يشبهُ تعويذةً سحريةً في قصصِ الخيالِ:
“لا بأسَ…”
لا بأسَ، لا بأسَ.. هكذا كانَ الحالُ بالأمسِ أيضًا. هذا القدرُ لا يهمُّ، هذا لا شيءَ. كانت تتمتمُ بهَا عشرَ مراتٍ، ويا للعجبِ، كانَ قلبُهَا يستكينُ قليلاً بعدَهَا.
“ماذا تفعلينَ؟ منذُ متى وأنتِ تتلصصينَ؟”
“أنا.. أنا…”
“كم أنتِ مزعجةٌ! اغربي عن وجهي!”
في اليومِ الذي تعرَّضت فيهِ لتوبيخٍ قاسٍ لتلصصِهَا على شقيقِهَا إيريك وهوَ يتدربُ على المبارزةِ، لم تكنِ المراتُ العشرُ كافيةً بصدقٍ.
‘… لا بأسَ، لا بأسَ، لا بأسَ.. لقد انتهى الأمرُ الآنَ، لا بأسَ…’
كانَ جسدُهَا الصغيرُ مثخنًا بالجروحِ، وكانت تتصببُ عرقًا كما لو كانت تعاني من حمَّى الصدمةِ، حتى أهدابُهَا كانت مبللةً وكأنَّهَا غُرقت في المطرِ. انكمشتْ إيريكا تحتَ السريرِ، تُواسي نفسَهَا بتمتماتٍ وصلتْ للمئاتِ وهيَ تقولُ: “لا بأسَ”.
وهكذا صمدتْ. فكلَّمَا رددتْ تلكَ الكلماتِ، كانَ الألمُ يتلاشى تدريجيًّا؛ كانَ نوعًا من النسيانِ المتعمَّدِ، حتى أنَّ ذكرياتِهَا قبلَ السابعةِ لم تكنْ مكتملةً من كثرةِ ما حاولتْ طمسَهُ.
***
كانَ ذلكَ يومَ ميلادِهَا السابعِ.
في الحقيقةِ، لم يهتمَّ أحدٌ بميلادِهَا، لذا لم تكنْ تعرفُ تاريخَهُ الحقيقيَّ، بل كانَ تاريخًا سريًّا اختارتْهُ بنفسِهَا منذُ العامِ الماضي.
يومٌ صيفيٌّ جميلُ الجوِّ.
بالطبعِ، لم تُقمْ لها مأدبةٌ فاخرةٌ كما حدثَ في ميلادِ إيريك، ولم تتراكمِ الهدايا كالجبالِ، لكنَّهَا تعلمتْ أشياءً بمراقبةِ الآخرينَ خفيةً.
فتمكنتْ من الحصولِ على شمعةٍ صغيرةٍ وضعتْهَا فوقَ قطعةِ خبزٍ، وكانَ بوسعِهَا أن تطفئَهَا بمفردِهَا.
تذكرتْ كيفَ تمنَّت في العامِ الماضي أن ينجحَ شقيقُهَا إيريك في الالتحاقِ بالأكاديميةِ، وقد استُجيبتْ دعوتُهَا بالفعلِ. فمنذُ رحيلِهِ، قلَّ عددُ الذينَ يضايقونَهَا بمقدارِ شخصٍ واحدٍ، وكانت تلكَ نتيجةً عظيمةً في نظرِهَا.
“أمنيةُ هذا العامِ هيَ…..”
ظلتْ تذكرُ تأثيرَ تلكَ الأمنيةِ طوالَ العامِ، وانتظرتْ هذا اليومَ بفارغِ الصبرِ. سأتمنَّى أمنيةً أفضلَ هذهِ المرَّةَ. ولأجلِ ذلكَ، دبرتْ شمعةً صغيرةً، وسرقتْ فطيرةَ بيضٍ شهيةً من المطبخِ وخبأتْهَا بعنايةٍ.
انتظرتْ حلولَ المساء، فالشموعُ لا تُطفأُ إلا حينَ تغيبُ الشمسُ. ولكن، فجأةً سادَ صخبٌ غيرُ معتادٍ بالخارجِ.
“بسرعةٍ، أسرعوا!”
“يا إلهي، ما هذا الموعدُ المفاجئُ! هؤلاءِ النبلاءُ يفعلونَ ما يحلو لهم دائمًا.”
خرجتْ من غرفتِهَا واستطلقتْ بنظرِهَا في الردهةِ، فرأتِ الخادماتِ يركضنَ هنا وهناك.
“أينَ رئيسةُ الخادماتِ الآنَ؟ هل هيَ في المطبخِ؟”
“ذهبتْ إلى سيدتي الكونتيسةِ، ورئيسُ الخدمِ هناكَ أيضًا.”
كانَ من الجليِّ أنَّ خطبًا ما قد حدثَ، لكن لم يتطوعْ أحدٌ ليخبرَهَا بالخبرِ. وقفتْ إيريكا هناكَ تحكُّ ذراعَهَا بحيرةٍ.
“يا آنسةُ، لا تقفي في وسطِ الردهةِ هكذا! أنتِ تعيقينَ الحركةَ، ادخلي غرفتكِ!”
دفعتْهَا إحدى الخادماتِ بخشونةٍ نحو الداخلِ حتى كادت تسقطُ. تنهدتْ إيريكا وهيَ تستعيدُ توازنَهَا، ثمَّ نهضتْ تنفضُ الغبارَ عن ركبتيهَا؛ فقد اعتادتْ على مثلِ هذهِ المعاملةِ.
بعدَ برهةٍ، تناهى إلى مسامعِهَا وقعُ حوافرِ خيلٍ وصوتُ عجلاتِ عربةٍ. كانت تلكَ الأصواتُ محببةً لقلبِهَا.
“هل عادَ والدي؟”
ركضتْ نحو النافذةِ بسرعةٍ، وألصقتْ جبينَهَا الأبيضَ وكفيَّهَا الصغيرينِ بالزجاجِ. لكن سرعانَ ما ارتخى كتفاهَا؛ فالعربةُ بالخارجِ لم تكنْ تحملُ شعارَ عائلةِ هيريس.
كانَ شعارًا لعائلةٍ غريبةٍ، ولم تكنْ عربةً واحدةً، بل عدَّةَ عرباتٍ.
“واحدةٌ، اثنتانِ، ثلاثٌ، أربعٌ….. خمسٌ.”
خمسُ عرباتٍ؟ حاولتْ استرجاعَ ذاكرتِهَا؛ فالعربةُ تلوَ الأخرى لم تدخلِ القصرَ بهذا الشكلِ إلا في حفلةِ ميلادِ إيريك.
‘هل هناكَ حفلةٌ لميلادِ أخي إيريك؟’
لا، ليسَ اليومَ ميلادُهُ. اليومَ هوَ يومٌ مختلفٌ، يومٌ لا يعرفُهُ أحدٌ في هذا العالمِ سواهَا..
‘… اليومَ هوَ يومُ ميلادي.’
اليومَ الذي قررتْ فيهِ إيريكا وحدَهَا أنَّهُ يومُ ميلادِهَا.
‘هل يعقلُ……’
في ربيعِهَا السابعِ، راودَ إيريكا حلمٌ صغيرٌ. أملٌ ضئيلٌ وخيطٌ رفيعٌ من التمني كانَ من المستحيلِ تحقيقُهُ، لذا فضَّلتْ تسميتَهُ “حلمًا”.
‘هل يعقلُ أنَّهم عرفوا بيومِ ميلادي وجاؤوا لتهنئتي؟’
ضمَّتْ إيريكا دبَّهَا القماشيَّ القديمَ الباهتَ إلى صدرِهَا، ودفنتْ وجهَهَا فيهِ لتخفيَ خجلَهَا من تلكَ الفكرةِ. لقد كانَ خيالًا أحمقَ، وهيَ نفسُهَا كانت تشعرُ بسخافةِ تفكيرِهَا، لكنَّهَا لم تملكْ منعَ نفسِهَا من ذاك الحلمِ الصغيرِ.
التعليقات لهذا الفصل " 1"