3
كان الزخم الذي دخل به الدوق إمبليم إلى الغرفة هائلًا للغاية. لدرجة أنني وجدتُ نفسي أحدق به وفمي مفتوح دون وعي.
‘واو…’
على الرغم من كونه في منتصف العمر، إلا أن الدوق إمبليم كان يحافظ على جسد المحارب المهيب. كان شعره القصير أحمر اللون، تماماً مثلي و مثل والدتي. وبين أزرار قميصه التي كادت تنفجر بسبب عضلات صدره، برزت ندبة تقطع جسده بشكل مخيف. لقد كان حقاً مظهراً يليق بالرجل الذي قيل عنه إنه الأكثر حماسة وبسالة من بين جميع قادة فرسان إمبليم الشجعان.
‘هل هذا هو جدي الذي قيل إنه يكرهني كثيراً؟’
ابتلعتُ ريقي دون أن أشعر. لقد أظهر عناداً شديداً لدرجة أنه لم يأتِ لرؤيتي ولو لمرة واحدة طوال العام الذي مضى منذ ولادتي. أن أكون مكروهة من قبل هذا الرجل المرعب وأنا لم أرتكب ذنباً سوى أنني وُلدت… كانت هذه أول أزمة أواجهها منذ ولادتي في هذا العالم.
“أقدمها لكم لأول مرة، يا صاحب السمو. إنها السيدة الصغيرة، سيرسيا إمبليم.”
عند سماع اسمي، تشنج وجه الدوق إمبليم قليلاً. وانبعثت منه طاقة مرعبة وهو ينظر إلى رئيس الخدم الذي قدمنا لبعضنا.
“هل تقول إنك أعطيت اسم إمبليم لهذه الطفلة دون إذني؟”
“كـ.. هكـ..! أنا آسف، يا صاحب السمو. أرجوك اصفح عني…”
تقيأ رئيس الخدم دماً فجأة، واحمرت عيناه. جثا على ركبتيه وهو يرتجف، محاولاً لملمة شتات نفسه وطلب المغفرة.
‘يا إلهي، هذا جنون! لقد جعله يتقيأ دماً دون أن يلمسه حتى!’
نظرتُ إلى الدوق إمبليم بذهول وأنا أحبس أنفاسي. لقد سمعتُ أن الدوق قد تجاوز حدود فنون السيف وأصبح كائناً يفوق البشر، ويبدو أن جعل شخص يتقيأ دماً دون لمسه ليس بالأمر الصعب عليه.
“… تشه.”
حول الدوق إمبليم نظره عن رئيس الخدم واقترب مني. نهض رئيس الخدم بتعثر وهو يشعر بارتياح كبير، محاولاً تعديل هندامه.
“…”
“…”
رفعتُ رأسي أنظر إليه وأنا أعانق الدمية التي وضعتها لي الخادمات بقوة. كانت نظرات الدوق الثاقبة تتفحص جسدي بالكامل.
‘جنون، جنون، جنون، جنون.’
شعرتُ بجسدي يتصلب من التوتر، ولم أستطع سوى الرمش بعينيّ بهدوء. مستقبلي الهادئ والمريح كان يتوقف على هذا الرجل الآن. في لحظة كهذه، كان من حسن حظي أنني ما زلت طفلة لا تستطيع التحدث بشكل صحيح.
‘حتى المشتبه به الذي يحمل سكيناً لن يكون مخيفاً بقدر هذا الرجل.’
باستثناء والديّ، كان هذا أول قريب من دمي أراه منذ ولادتي، لكن يا له من رعب! كانت النظرة التي يرمقني بها باردة وغير مبالية، وكأنه يقيم بضاعة ما. سأل الدوق إمبليم دون أن يخفي انزعاجه:
“هل تقومون بتجويع هذا الشيء الآن؟”
“كـ.. كيف يعقل هذا يا صاحب السمو؟ الآنسة تأكل كل شيء جيداً دون أن تتذمر مرة واحدة في وقت الطعام.”
“همممممممم.”
خرجت تنهيدة عميقة من بين شفتي الدوق. ومع كل زفير، كانت أجساد الموجودين في الغرفة ترتجف.
“تسك، هل تزوجت ميلرسيا شيئاً هزيلاً كالسردين لتلدها بهذه الهيئه؟”
نقر بلسانه بضيق ثم استدار ببرود مغادراً. وقال لرئيس الخدم الذي تبعه:
“أخبر ميلرسيا أنني سأثني عليها لأنها جعلتني أخطو بقدمي إلى هنا، لكن عليها ألا تتوقع أكثر من ذلك.”
“سـ.. سأبلغها.”
“لا داعي للمرافقة.”
بعد أن وبخ رئيس الخدم الذي تجمد في مكانه، غادر الغرفة كما هو.
“… آووو.”
تنفستُ الصعداء بعد أن زال التوتر. انتهى اللقاء الأول مع جدي في ذلك الجو المشحون كالمشي فوق الجليد الرقيق.
‘يبدو أن الانطباع الأول قد فسد تماماً، أليس كذلك؟’
بالنظر إلى رد فعله، يبدو أنه لن يرغب في رؤية وجهي للعشر سنوات القادمة على الأقل. على الرغم من أن والدتي هي قائدة فرسان إمبليم، إلا أن من يقود العائلة هو الدوق سيفيلد إمبليم. شعرتُ بحدس يقول إن حياتي لن تكون سهلة تحت تجاهل جدي.
‘هل يجب أن أحاول التودد إليه ببعض الحركات اللطيفة؟’
يقولون إنه مهما كان الشخص صلباً كالفولاذ، فإنه يستسلم أمام لطافة طفل صغير. يبدو أنني سأضطر لفعل ذلك لأتمكن من البقاء.
“وو، نغ…”
حاولتُ إصدار ألطف صوت ممكن، لكنني سرعان ما أغلقت فمي.
‘واو، لا أستطيع. هذا ليس سهلاً.’
قررتُ أن أفكر في كيفية النجاة مستقبلاً. هكذا فقط سأتمكن من الحصول على المال والعيش. وقبل أن أغرق في تفكير جدي حول المستقبل، مددت يدي نحو رئيس الخدم الذي كان يتقيأ دماً منذ قليل.
“آه! آآآ! (تعال إلى هنا، أيها الخادم. هل أنت بخير؟)”
“نعم، آنستي. أنا بخير.”
فهم رئيس الخدم إشارتي ببراعة ورفعني بين يديه. وبيد واحدة، أخرج منديلاً من صدره ومسح الدم بمهارة وكأنه اعتاد على ذلك.
“في الأصل، يجب على من يعمل تحت ظلال إمبليم أن يكون قادراً على تحمل هالة السيد لعدة مرات.”
“آه؟”
“وفي أيام كهذه، أضع كيس دم في فمي مسبقاً وأعضه لأبصق الدم، وذلك لاستدرار العطف أيضاً.”
نظرتُ إلى رئيس الخدم الذي ابتسم لي، وأدركتُ حينها: ‘هذا الشخص وجد طريقته الخاصة للنجاة ببراعة!’ لقد كانت مهارة تشبه شعاع الضوء في طريقي المسدود للبحث عن سبل العيش.
عندما بدأتُ أتبادل “الحديث” مع رئيس الخدم، اقتربت الخادمات مني بعد أن زال توترهن.
“كيف يمكن للآنسة أن تنظر إلى صاحب السمو بمثل هذه العينين الصافيتين؟”
“إنها حقاً من سلالة إمبليم، إنها شجاعة منذ الآن.”
توالت التعليقات من الخادمات، وهي آراء لم أستطع الموافقة عليها إطلاقاً. لقد كنت أموت من الرعب، عن ماذا يتحدثن؟ حقاً، كان لدى أهل هذا القصر ميل لرؤية ما يريدون رؤيته فقط.
وبينما قررتُ تجاهل كلام الخادمات، فُتح الباب بقوة واقتحمت والدتي الغرفة.
“سيرسيا! أبي!”
بدا وكأن اللون الأحمر القوي قد ملأ الغرفة بمجرد ظهورها. من الواضح أنها ركضت من بعيد، لكن لم تظهر عليها علامات التعب ولا حتى ضيق في التنفس.
“أين أبي؟!”
جالت عيناها في الغرفة تبحث بانشغال عن جدي الذي غادر بالفعل.
“لقد غادر منذ قليل.”
“ها! لا بد أنه هرب خوفاً من أن أكتشف كم يحب سيرسيا!”
ضحكت والدتي بانتصار، وهي تضع يديها على خصرها وامالت بظهرها للخلف.
“لقد فزتُ!”
أمام كلمات والدتي، أمال رئيس الخدم والخادمات رؤوسهم بحيرة، وأنا كذلك.
‘من أي زاوية نظرتِ، يبدو أنكِ خسرتِ خسارة فادحة.’
وبينما بدأتُ أقلق من أن تكون والدتي في حالة هروب من الواقع، حدث شيء ما.
“آه!”
“كما هو متوقع من ابنتي! قريباً ستصبحين عضواً رسمياً في عائلة إمبليم!”
وضعت والدتي يديها تحت إبطي ورفعتني عالياً وهي تدور بي. دار المشهد أمام عيني بسرعة. وبفضل سلالة إمبليم، أو ربما بسبب بنيتي الجسدية المميزة، لم أشعر بالدوار. لكن الخادمات شعرن بالقلق وحاولن إيقاف والدتي وسألنها:
“عن ماذا تتحدثين؟ صاحب السمو غادر دون أن يلتفت حتى.”
“هل أنتم فضوليون؟”
“بالطبع! أخبرينا نحن أيضاً.”
أمام نبرة والدتي الواثقة، كانت الخادمات يقفزن من الفضول. أومأتُ برأسي وأنا أشجع الخادمات بصمت.
“أوو، نغ!”
حاولتُ جاهدة تحريك لساني الذي لم يكن ينطق جيداً للمشاركة في الحديث.
“يبدو أن سيرسيا فضولية أيضاً.”
“آه!”
صفقتُ بيدي كأنني أؤكد كلامها. كان هذا أقصى تعبير عن إرادتي وعلامة على الإيجاب بالقدر الذي أستطيعه. قبلت والدتي وجنتي وقالت:
“ليس أمراً كبيراً، لقد كنت أرسل لوالدتي صورة شخصية لسيرسيا كل يوم.”
“صورة شخصية؟”
“نعم. يجب على أبي أن يعرف كيف تكبر حفيدته الوحيدة، مهما كان يكره عائلة الدوق غراي.”
هزت والدتي كتفيها ووضعتني على السرير. مرت ابتسامة مريرة على وجه والدتي وهي تذكر عائلة الدوق غراي. وبينما كانت تمسح على شعري بهدوء، عادت لتتحدث بضحكتها المشرقة المعتادة.
التعليقات لهذا الفصل " 3"