##الفصل السادس عشر
~*~
إيطاليا، جزيرة سردينيا.
على شاطئ البحر الزمردي الجميل، ظهرت بوّابة مشؤومة لا تناسب هذا المكان الساحر.
‘هذا نذير شؤم بلا شك.’
رغم أنها مجرد زنزانة من المستوى الخامس، إلا أن ظهور زنزانة تحمل اسم الجحيم في مدينة ذات تاريخ كاثوليكي عريق جعل الناس في غاية القلق.
{ملاحظة: الكاثوليكي هو من يتبع الكنيسة الكاثوليكية وهي أكبر فروع الديانة المسيحية.،ورودها في هذا السياق يعني أن للمدينة ارتباط تاريخي طويل، مهيب و عريق.}
ولم يجرؤ أحد على محاولة اقتحامها، حتى دون أن يسأل عن السبب.
كانوا يقولون: لأسباب دينية لا يمكن دخول الجحيم.
رئيس جمعية الصيّادين الإيطالية، الذي ضاق ذرعًا بهذه الأعذار، استدعى إلى المركز صيادًا شابًا يُدعى لوكا مارينو، مسجّل بصفته كاهنًا.
قال الرئيس:
“أفكّر أن أوكل مهمة اقتحام الزنزانة إلى الصياد لوكا.”
“ماذا؟ إليّ أنا؟!”
كان وجه لوكا قد شحب تمامًا، إذ لم يمضِ على استيقاظه سوى أسبوع واحد.
“نعم، فأنت الوحيد من فئة الكهنة الذي لا يتبع أي دين.”
“هذا غير عادل.”
كانت لديه أسباب كثيرة للرفض:
فهو مجرد صياد من رتبة D، واقتحام زنزانة من المستوى الخامس أمر مستحيل تقريبًا.
لم يتلقَّ تدريبًا قتاليًا كافيًا، ولم يُكمل حتى الدورات الأساسية في المركز.
لكن الأهم.
“لا أريد. ببساطة لا أريد!”
لم يستطع أن يقولها بصراحة، لكن الحقيقة أنه كان جبانًا.
لم يجرؤ على دخول زنزانة طبيعية مختلطة، فكيف بزنزانة تُسمى الجحيم.
قال الرئيس محاولًا إقناعه:
“لوكا، لا يوجد أي صياد كاهن آخر يمكنه تولي المهمة.”
“لكن هناك الصيادة الشهيرة أنجيلا ليهوزا، المصنّفة AA، الملقبة بالقديسة.”
“أنجيلا الآن منشغلة في زنزانة أخرى.”
“إذن صياد من رتبة B؟”
“يرفضون لأسباب دينية.”
“صياد من رتبة C؟”
“نفس الشيء.”
تنهد الرئيس وقال:
“كما ترى، لا أحد يقبل إلا أنت.”
جلس لوكا متجهمًا، يلعن في داخله اختياره أن يعيش بلا دين.
لو كان متدينًا، لما وُضع في هذا الموقف.
قال الرئيس أخيرًا:
“لوكا، هذه جزيرة سردينيا موطنك الأصلي، ألا ترى أنه واجبك؟”
“أه…”
“بالطبع سندعمك بفريق كامل من الصيادين.”
لكن لوكا لم يسمع سوى نصف الكلام، وهو يرفع عينيه إلى السماء، يلوم القدر.
كم من المؤمنين كانوا يتمنون أن يستيقظوا ككهنة صيادين لكن القدر اختاره هو، شابًا بلا دين في عامه الثاني والعشرين.
لو كان لوكا من رتبة أعلى لربما تجرّأ على الرفض أو التحدي، لكن لسوء حظه لم يكن سوى صياد من رتبة D.
وفي النهاية، وقف أمام البوّابة السوداء التي بدت كالثُّقب الأسود، وعيناه دامعتان.
تم تجهيز فريق الاقتحام بسرعة، وكأن الأمر كان مُعدًّا مسبقًا.
قال قائد الفريق:
“هيا، فلندخل الآن.”
جرّ لوكا قدميه وكأنه يُساق إلى الموت.
تمنى لو أن البوابة تختفي كمعجزة، لكنها لم تفعل.
وهكذا دخلوا زنزانة < الجحيم الناري>.
كان الداخل يفوق كل توقعاته:
أصوات النيران، الصرخات، والهواء المليء بالرماد.
ارتجف لوكا بشدة، حتى صاح أحد أعضاء الفريق:
“كفى ارتجافًا!”
“حقًا، من الذي جلب هذا الضعيف معنا؟”
أمسك أحدهم بيده ليساعده على التماسك، لكن نظرات الآخرين كانت مليئة بالاحتقار.
“أسرع، المسافة تتسع، أنت بطيء جدًا.”
وبينما كان يسير مرتبكًا، اصطدم فجأة بظهر أحد زملائه الذي توقف فجأة.
“ما الأمر…؟”
في تلك اللحظة، دوّى صراخ مخيف:
كاااااااه!
وقف شعر جسده كله، إذ ظهر أمامه كيان مظلم – أستاذ الموت الأسود- الذي لم يره من قبل إلا في الكتب.
كان مظهره مرعبًا، أشبه بسيد الأرواح.
قال أحدهم:
“تماسك، لوكا!”
كاد لوكا أن يُغمى عليه، لكن قبضتهم على ذراعه أعادته إلى وعيه.
لم يعد هناك مكان للكبرياء، فالرعب الحقيقي يلتهم كل شيء.
صرخ لوكا:
“لا! أريد الخروج! دعوني أخرج!”
لكن كلما زاد صراخه ازداد الكيان قوة وكأن خوفه يغذّيه.
ارتفع صوت لوكا بالبكاء والهلع، حتى خرجت منه صرخة حقيقية، ممتلئة بالارتجاف لكنها حملت شيئًا آخر.
فجأة، انطلقت من صرخته قوة نورانية مقدسة، غمرت المكان بوميض مذهل.
صرخ الكيان المظلم، ثم تحوّل إلى رماد في لحظة.
لكن المشكلة بدأت من هنا.
ففي زنزانة الجحيم الناري لم يكن ينبغي أن يظهر أي نور مقدس.
وما إن انتشر ذلك الضوء، حتى استشاط حاكم الجحيم الخالد غضبًا.
هرب لوكا مارينو بعيدًا عن فريق الصيادين، محاولًا النجاة من جموح حاكم الجحيم الخالد التي كانت تتدفق نحوه كأسراب النمل.
قال وهو يلهث:
“أرجوكم… أنقذوني…”
في تلك اللحظة، انفتح باب بغتة وأضاءت الغرفة المظلمة.
وبعينين مغرورقتين بالدموع، لمح لوكا رجلاً ذا شعر أسود، ملامحه شرقية.
قال الرجل بلغة غريبة:
“تحية… مرحبًا. من أنت؟”
~*~
لم يتوقع لوكا أن يلتقي بشخص هنا، خصوصًا أجنبي.
تأمل الرجل الشرقي وقال له:
“وأنت، من تكون؟”
أجاب لوكا مرتبكًا:
“ماذا؟ تش… تشي…؟”
لم يفهم شيئًا.
حتى الإنجليزية بالكاد قد تنفع، فما بالك بهذه اللغة الغريبة.
قال لوكا متلعثمًا:
“همم، هل تجيد الانجليزية؟”
لكن الآخر ظل صامتًا، يحدّق فيه بعلامات استفهام على وجهه.
شعر لوكا بالعرق البارد يتصبب على ظهره، لكنه حاول مجددًا:
“من أين أنت؟”
“ما اسمك؟”
لم يتلقَّ أي إجابة، فصرخ غاضبًا:
“كفّ عن التحديق فقط، قل شيئًا!”
رفع الرجل الشرقي يده إلى رأسه بضجر، وكأنه يتساءل لماذا لم يشغّل لوكا مترجم النظام بعد.
فكّر في نفسه:
‘هل هو صياد؟ ما اسمه؟ من أي بلد؟’
ثم فجأة، دوّى صوت النظام:
[تم تفعيل المترجم متعدد الجنسيات.]
“ما هذا… لو كان موجودًا، لماذا لم يعمل منذ البداية؟”
تمتم لوكا ساخطًا، وهو يشعر بالحرج من محاولاته الركيكة بالإنجليزية.
قال أخيرًا:
“إذن يمكننا التحدث مباشرة، صحيح؟”
سمع صوتًا واضحًا بالكورية:
“لماذا أنت هنا؟”
أجاب لوكا بارتياح:
“وأنت، لماذا أنت هنا؟”
ثم سأله:
“من أي بلد أنت؟”
فرد الآخر:
“وأنت؟”
قال لوكا مترددًا:
“أأنت بالغ؟”
“إيطالي؟ صياد؟ دخلت وحدك؟”
تساءل بدهشة:
“كيف دخل آسيوي إلى زنزانة في إيطاليا؟”
لكن سانغ-إي لم تجب، شعرت أن الرد أولًا سيجعلها في موقف ضعف.
قالت ببرود:
“أنا من بدأت بالسؤال.”
“إذن أجب عن سؤالي.”
“ما هذا الأسلوب؟”
تساءل لوكا مرتبكًا:
“كلمة ‘싸가지’… ماذا تعني؟”
{ملاحظة: هذه الكلمة معناها وقاحة أو وقح}
ثم أضاف:
“ولماذا تتحدثين بلهجة غير رسمية منذ البداية؟”
فكرت سانغ-إي:
‘هل لغتهم لا تحتوي على صيغة الاحترام؟’
لكنها لم ترغب في الشرح، وأطبقت شفتيها بعناد.
ثم تذكرت أنها داخل زنزانة فتنهدت قليلًا وقالت:
“على أي حال… لا يهمني كثيرًا، فلنشارك الغرفة فقط.”
جلست مع الروح في زاوية، وأضافت بسخرية:
“هذا الوقح لن يساعدنا، فلنحاول نحن وحدنا.”
شعر لوكا بالانزعاج، وهو يراقب هذا الثنائي الغريب.
رجل وامرأة من بلد بعيد، وجودهما هنا في زنزانة إيطالية أمر يثير الريبة.
تساءل في نفسه:
‘كيف دخلا؟ ولماذا؟’
لكنه قرر أن يسأل مباشرة:
“هل أنتما صيادان؟ هل لديكما وسيلة للهروب مثلما فعلتما قبل قليل؟ لأي منظمة تنتميان؟”
لكن أسئلته قوبلت بالصمت.
مد يده نحوهم، ثم سحبها بخجل حين تجاهلوه.
شعر بخوف داخلي: إن لم يكوّن علاقة معهم، سيبقى وحيدًا في هذا المكان المرعب.
قال أخيرًا بصوت مرتجف:
“طريقة قتل الوحوش…”
قاطعه سانغ-إي بسرعة:
“أعرف! أنا أعرف!”
صرخ لوكا بلهفة:
“الوحوش لا تُقتل إلا داخل نطاق مقدس!”
التفتوا إليه أخيرًا، بوجوه غير راضية لكن على الأقل لم يعد مجرد شخص غير مرئي بالنسبة لهم.
“آه، لهذا السبب إذن.”
أدركت أن وجود كاهن في زنزانة الجحيم لم يكن صدفة، بل لأن الوحوش لا يمكن القضاء عليها إلا بقوة مقدسة.
سألت سانغ-إي بحدة:
“لكن لماذا تختبئ هنا إذن؟ إن كنت قادرًا على قتل الوحوش، كان عليك أن تبدأ بالقتال فورًا.”
ارتبك لوكا، وأشاح بنظره بعيدًا عن عينيها المليئتين بالشك.
“الأمر… أنني أثناء الاقتحام انفصلت عن زملائي… ولم يكن أمامي خيار سوى الاختباء هنا.”
في تلك اللحظة، دوّى صراخ وحش رهيب:
كيااااااااه !
ارتجف جسد لوكا كله، وانكمش في مكانه وعيناه امتلأتا بالرعب، ووجهه شحب حتى صار أبيضَ كالورق.
“لا تقل لي… أنك تختبئ لأنك خائف؟”
ارتعش جسده بشدة، وكأنها أصابت الحقيقة مباشرة.
كان فمه ينكر، لكن جسده كان صادقًا جدًا في فضح خوفه.
~*~
يتبع..
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 16"