5
رد دييغو بنبرة خفيضة تساءل فيها. لسبب ما، بدت الابتسامة المرتسمة على شفتيه وكأنها قد تصلبت قليلًا.
أما العميد فقد ازداد اضطرابًا وأخذ يتفحص ملامح دييغو بقلق.
لكن إيريني بقيت على حالها من البرود واللامبالاة كما كانت في البداية.
“لأنني ببساطة، لا أستطيع أن أكون طبيبة تعالج البشر.”
“……”
ساد الغرفة صمت ثقيل مرة أخرى. وهذه المرة طال أمدُه أكثر.
بقي دييغو يراقب إيريني بنظرات غارقة في التفكير، ثم حك صدغه بسبابته. وانبعث من بين ثنايا شفتيه صوت امتزجت فيه نبرة الضحك.
“طالبة في كلية الطب لا يمكنها أن تكون طبيبة؟”
“أجل.”
انتظر دييغو قليلًا، لكن يبدو أن إيريني لم يكن لديها أي نية لتقديم مزيد من التوضيح.
“يا للهول.”
تمتم دييغو بصوت خافت وهو يمسح شفتيه براحة يده.
وسرعان ما عادت ملامحه لترتسم عليها ابتسامة ماكرة وسأل مجددًا: “ولماذا لا يمكنكِ أن تصبحي طبيبة؟”
عند تلك الكلمة، اهتزت لأول مرة عيناها اللتان ظلتا خاملتين طوال الوقت. لم يفت دييغو ذلك الوميض العابر، وفي اللحظة التي ضيق فيها عينيه …
“لأنني أكره البشر.”
“……”
جاء ردها غير متوقع على الإطلاق. دييغو، الذي كان يتوقع إجابة مثل رغبتها في التفرغ للبحث العلمي أو وجود خطيب لها، بدا وجهه وكأنه تلقى ضربة مفاجئة على قفاه.
أضافت إيريني بتعبير غير مكترث: “إذا أوقفتَ أي طالب يمر من هنا وسألتَه، ستفهم ما أعنيه. ستسمع قصصًا أكثر بكثير من مجرد حقيقة أنني الخريجة الأولى. إذن، أستأذنكم.”
أمسكت إيريني بطرف تنورتها وأحنت ركبتيها قليلًا ثم رفعتهما، وعبرت الغرفة دون أن تلتفت خلفها. وبينما كانت تخطو أول خطوة نحو الردهة، توقفت فجأة، ثم أدارت رأسها ببطء.
لم تكن نظرة إيريني موجهة نحو دييغو، بل نحو هافيير الواقف عند الباب. طالت نظراتها إليه.
وبعد أن حدقت في هافيير مليًا بعينين خاليتين من أي مشاعر، فتحت فمها فجأة وقالت: “اذهب لزيارة البروفيسور فيغيراس.”
ضيق هافيير ما بين عينيه قليلًا عند ذكر ذلك الاسم المفاجئ.
“ولماذا عليّ زيارته؟”
جاء السؤال من الخلف. دييغو، الذي كان برفقة البروفيسور فيغيراس حتى قبل قليل، كان ينظر إليها بأعين يملؤها الفضول.
سقط صوت إيريني الخامد من بين شفتيها: “إنه خبير في الطب الباطني. وبالأخص في أمراض الجهاز التنفسي. رغم أن الربو لا علاج نهائي له، إلا أن البروفيسور سيعرف طريقة لتخفيف الأعراض على الأقل. استنشاق البخار قد يجعل التنفس أسهل بشكل مؤقت، لكنه يظل مجرد حل مؤقت كما هو واضح.”
“!”
في تلك اللحظة، ظهر على وجه هافيير تعبير يوحي بأنه قد أُصيب في مقتل. وكان دييغو كذلك أيضًا.
تمتم العميد وهو يميل برأسه باستغراب: “ربو؟”، لكن إيريني كانت قد اختفت بالفعل.
ولم يتبقَ في المكان سوى رائحة تحلل الجثة الكريهة وثلاثة رجال.
التفت العميد الواقف بذهول نحو هافيير. وكانت نظرات دييغو مصوبة هي الأخرى نحو هافيير.
تحت وطأة هذا الاستجواب الصامت، لم يجد هافيير بدًا من فتح فمه: “لقد عانيتُ من الربو في طفولتي. وشفيتُ منه تلقائيًا مع الكبر، لكن عندما يأتي فصل مثل هذا، يصبح التنفس صعبًا أحيانًا. غير أنه ليس بالأمر الذي يستدعي القلق.”
“فصل مثل هذا.”
أدار دييغو رأسه ببطء. ورغم أن القبو المغلق من كل جانب لم يكن به نوافذ، إلا أنه لم يجد صعوبة في استشعار الفصل القابع خلف الجدران.
الفصل الذي تبدأ فيه الزهور بالتفتح.
ثم أعاد بصره نحو هافيير. كان كلامه صحيحًا؛ الأمر لا يستدعي القلق. والدليل أن البروفيسور فيغيراس والعميد لم يلاحظا شيئًا.
يبدو أن العميد أدرك تلك الحقيقة أيضًا، فبدأ يبرر بصوت يملؤه الحرج: “شخصيتها صعبة كما ترون، لكن لا يسعنا إلا الاعتراف بمهارتها. فقد اجتازت الامتحان الطبي الملكي بأعلى درجات في التاريخ. علاوة على ذلك، حواسها الخمس أكثر حدة من الآخرين. وليس هناك موهبة أفضل من ذلك لتصبح طبيبًا، خاصة إذا كانت جراحة.”
“……”
“حين التحقت الآنسة ريوس بكليتنا، حدثت ضجة صغيرة. فقد اجتازت امتحان القبول بالمركز الأول، لكنها لم تكن تملك رسالة توصية من مديرة مدرسة. كان ذلك طبيعيًا؛ فالآنسة ريوس لم ترتاد مدرسة قط. عارض الكثير من الأساتذة قبولها مشككين في مؤهلاتها الأساسية، لكني أصررتُ على ذلك. فكلية ديبوا الملكية للطب ليست مجرد مخزن للحكمة يحافظ على التاريخ والتقاليد، بل هي توفر فرصًا عادلة للجميع…”
كان دييغو يستمع لحديث العميد من أذن ويخرجه من الأخرى، بينما رسم ابتسامة عريضة على وجهه. وتمتم بصوت منخفض: “مثير للاهتمام.”
عادت الحيوية أخيرًا إلى عينيه السوداوين. ظل دييغو يحدق في الردهة التي اختفت فيها إيريني وهو يمسح شفتيه.
“مثير للاهتمام حقًا.”
* * *
لم يكن من المبالغة القول إن مأدبة كانت تقام في قصر الكونت رودري كل أسبوع. وخلافًا لسوء فهم عامة الشعب، لم تكن المأدبة مجرد مكان للأكل والشرب.
بل كانت محفلًا تجتمع فيه العائلات النبيلة في المنطقة لتبادل المعلومات، والبحث عن شركاء للزواج، واستعراض الملابس والمجوهرات الجديدة. وكان نفوذهم يُقاس بمدى دعوتهم لمأدبة الكونت رودري من عدمه.
علاوة على ذلك، كان الكونت رودري هو سيد تيرابيا. وكان من واجبه إقامة المآدب.
ولكن بعيدًا عن كل الأسباب، كان الكونت رودري نفسه يحب اللهو. فبالنسبة له وهو الذي لا يستمتع بالصيد أو التنزه، لم تكن هناك اهتمامات أخرى سوى المآدب.
ولكنه بدا اليوم مبتهجًا بشكل استثنائي، لدرجة أن أي شخص يملك عينين يمكنه ملاحظة ذلك.
والسبب كان واضحًا؛ فقد زار إقطاعيته الأمير الثالث والنبيل العظيم، الدوق كاسيس.
كان من البديهي أن تتغير فخامة المأدبة بناءً على هوية الضيف، وكان من الطبيعي أن يزداد فخر الكونت رودري بنفسه.
وبالمناسبة، كان طعام المأدبة أفضل من المعتاد بكثير. لا، لم يقتصر الأمر على الطعام فحسب؛ بل كانت آثار الاهتمام واضحة في الزهور والستائر التي تزين القاعة، وأغطية الطاولات، وحتى في أصغر المناديل.
بصراحة، كانت تيرابيا قرية ريفية لا تملك ما تفاخر به سوى كلية الطب الملكية. فلا توجد بها مناجم، ولا ترسو بها سفن تجارية، ولم تكن مركزًا للمواصلات.
وكان سروره الوحيد هو حضور والديّ طلاب الطب أحيانًا لمأدبته وإضفاء لمسة من الرقي عليها.
ولكن، لم يسبق لزائر أن رفع من شأنه بقدر ما فعل دييغو. وربما لن يحدث ذلك مجددًا.
نظر الكونت رودري بعين منشرحة إلى دييغو الجالس بجانبه، ثم إلى الطابور الطويل المصطف أمامهما.
كان على صغار النبلاء في تيرابيا الانتظار بفارغ الصبر حتى يقوم الكونت رودري بتقديمهم لدييغو.
“صاحب السمو الدوق كاسيس، هل تود كأسًا آخر من الشمبانيا؟”
تعمد الكونت رودري إظهار التراخي ليزيد من حرق أعصاب النبلاء. ورغم إدراك دييغو لذلك، إلا أنه أومأ برأسه موافقًا.
على أية حال، هو كان الضيف والكونت رودري كان المضيف. وأحيانًا كان من الضروري مسايرة لهو المضيف.
“أشكرك.”
“على الرحب والسعة.”
تسلم الكونت رودري الشمبانيا من صينية الخادم وناول الكأس لدييغو. وبينما كان دييغو يقرب الكأس من فمه، جال بنظره في الأرجاء.
كان يشعر بملل يجعله يرغب في التثاؤب. فبالمقارنة مع مآدب العاصمة، كان كل شيء يبدو متواضعًا للغاية؛ من حجم المأدبة وتصميمها الداخلي، وصولًا إلى وجوه الحاضرين.
ومع ذلك، لم يفقد دييغو ابتسامته الهادئة طوال المأدبة. فقد اعتاد على هذه البروتوكولات لقضاء عمره في البلاط الملكي، وكان بارعًا في إخفاء نواياه.
قدم الكونت رودري لدييغو السيدة التالية في الطابور.
كانت القصة المعتادة عن ابنة فيكونت ما. انتظرت السيدة حتى انتهى تقديمها ثم أحنت ركبتيها قليلًا للتحية.
“إنه لشرف كبير لي لقاؤك، صاحب السمو الدوق كاسيس.”
بينما كان ينظر إلى تلك الآنسة ذات الشعر البني الفاتح، رسم دييغو ابتسامة متكلفة على شفتيه.
“سعدتُ بلقائكِ.”
‘كان شعرها أشقر أفتح من هذا.’
فجأة، وبسبب تلك الخاطرة التي طرأت على باله، ازدادت ابتسامته عمقًا. وكما قالت إيريني، فإن السؤال الذي وجهه لأي طالب يمر من أمامه كانت إجابته تأتي فورًا.
في البداية، كانت تعابير وجوههم تبدو غريبة، ثم سرعان ما كانت تأتي الإجابات بنفس النبرة وكأنهم اتفقوا عليها.
— إيريني ريوس؟ من هي إيريني ريو… آآه، ‘الدمية الجليدية’؟
— تقصد ‘القناع الحديدي’. لا تذكر اسمها أمامي، من الواضح أنها تظن أنها ستموت إذا لمسها بشر. هل رأيت القفازات التي ترتديها دائمًا؟ إنها تلبسها لأنها تأبى لمس البشر. والمضحك في الأمر أنها مع ذلك تشرح الجثث بيدين عاريتين. بالطبع، الجميع يشرح الجثث بيدين عاريتين، ولكن إذا كانت بهذا المستوى من التقنع، أليس من المفترض أن تشرح الجثث بقفازات أيضًا؟ هذا يعني أننا في نظرها أدنى من الجثث.
— ماذا؟ من؟ آآه، ‘مهووسة النظافة’؟ نعم، بالطبع هي الأولى. العبقرية التي لم تتنازل عن المركز الأول ولو لمرة واحدة. حتى أني سمعتُ شائعة تقول إنها تحفظ الكتاب بالكامل بمجرد رؤيته مرة واحدة. لا أعلم إن كان هذا صحيحًا، ولكن ما فائدة كل ذلك؟ فشخصيتها لعيـ … أوه، عذرًا. أقصد أن شخصيتها بهذا الشكل.
— ذات مرة، حاول زميل يدعى ماكسي مضايقة ‘الساحرة’ فلبس قفازاتها التي خلعتها، أتدرك ماذا فعلت الساحرة؟ أمسكت طرف القفاز بإصبعين فقط كأنها تمسك أقذر شيء في العالم ورمته مباشرة في سلة المهملات. لا تتخيل مدى الانكسار الذي ظهر على وجه ماكسي حينها. لقد رأيته بنفسي وهو يشم يده ليرى إن كانت تخرج منها رائحة كريهة. يا له من مسكين.
— هل أعرف شيئًا عن ‘السيّافة’؟ من الغريب ألا يعرف المرء شخصية مشهورة كهذه. ذات مرة وقعتُ مع السيافة في نفس المجموعة. في الحقيقة، كان ذلك مريحًا في حصة التشريح؛ لأنها كانت تشق بطن الجثة بسرعة نيابة عن أعضاء المجموعة. حركاتها التي لا تشوبها ذرة تردد تجعلك تظنها آلة! هل سبق لك أن رأيت عينيّ السيّافة وهي تشق صدر جثة وتستخرج قلبها؟ أنا رأيتُهما. لا تتخيل مدى الرعب الذي شعرتُ به وهي تشع حيوية وبريقًا… بررر، حتى الآن أشعر بالقشعريرة بمجرد التفكير في الأمر.
كان من المذهل حقًا أن يحمل شخص واحد كل تلك الألقاب المتنوعة. واللافت أنها كانت جميعها ألقابًا غير محببة.
‘الأمر يزداد تسلية.’
أطلق دييغو، الملقب بـكنز ديبوا و شمس المملكة، ضحكة خفيفة.
“يا إلهي.”
انبعثت شهقة خافتة من أمامه. حينها تذكر دييغو أنه في قاعة مأدبة، ونظر إلى الأشخاص الثلاثة الواقفين أمامه.
كان زوجان برتبة بارون يلقيان عليه نظرات محترمة. أما ابنتهما فكانت تنظر إلى دييغو بعينين حالمتين و وجنتين محمرتين من شدة الذهول.
للأسف، كانت تلك النظرات مألوفة جدًا لدييغو؛ نظرات مليئة بالهيام والإعجاب والحرارة. أما ما لم يكن مألوفًا، فهو تلك النظرة الباردة من إيريني.
شغل دييغو عقله بسرعة واستحضر اسم الآنسة التي كان قد وضعها في ركن من ذاكرته.
“سعدتُ بلقائكِ، الآنسة ليتيسيا ريوس.”
التعليقات لهذا الفصل " 5"