4
توقف العميد، الذي دخل غرفة التشريح، عند رؤيته للسرير الذي لا يعلوه سوى جثة وحيدة.
“كحم.”
سعل بضعفة خافتة ثم استدار.
“يبدو أنها ليست هنا. سآمر أحدهم بالبحث عنها.”
لكن دييغو لم يرد. وحينها فقط أدرك العميد أن دييغو لم يكن ينظر إليه، بل كان يحدق فيما وراء كتفه.
أمال العميد رأسه باستغراب وتتبع نظرات دييغو وهو يستدير ببطء، ثم أطلق أنة دهشة: “هاه!”
“… مرحبًا.”
ألقت إيريني التحية متأخرة بخطوة. فالتحية هي أساس العلاقات الإنسانية، وحسن إلقائها كفيل بتقليل نصف المشاكل الموجهة نحوها.
كان ذلك أكبر درس تعلمته في كلية الطب. وبالطبع، كان شقيق النعمان المغرور يفتعل المشاكل سواء ألقت إيريني التحية أم لا.
حينها فقط أدرك العميد أن الظل الكئيب الواقف في الزاوية هو إيريني، فارتجفت عضلات فمه. وشعر بمرارة في صدره لأنه بدا بمظهر مخزٍ أمام الدوق كاسيس.
لكن دييغو في الحقيقة لم يكن يولي العميد أدنى اهتمام. وبابتسامة ودودة، تجاوز دييغو العميد المتصلب كتمثال.
“الآنسة إيريني ريوس؟”
بدلًا من الإجابة، حدقت إيريني في دييغو بتعبير جامد. وكأنها تفكر فيما إذا كان يجب عليها إلقاء التحية عليه هو الآخر أم لا.
فكر دييغو أن إيريني تشبه قطة شوارع نصبت شعرها ذعرًا. قطة شوارع يغلب حذرها على فضولها تجاه البشر.
ومع ذلك، كان دييغو شخصية محبوبة حتى من القطط شرسة الطباع. والسبب غير معروف؛ فبشكل عام، كانت جميع الحيوانات تحب دييغو، أو تخضع له.
رسم دييغو ابتسامة ساحرة مرة أخرى. تلك الابتسامة التي جعلت منه في الصحف الصفراء رمزًا لزير النساء.
“هل أنتِ الآنسة إيريني ريوس؟”
العميد، الذي لمح نظرات هافيير، تدخل بسرعة بينهما.
ووبخ إيريني بتعبير صارم مصطنع.
“آنسة ريوس، ألا يوجه إليكِ الدوق كاسيس سؤالًا؟ لمَ تماطلين ولا تجيبين فورًا؟”
حينها فقط نقلت إيريني نظرها إلى العميد. فقد قابلت العميد عدة مرات من قبل. وتذكرت أنها كانت تفكر في أن بطنه المنفوخة كأنها ستنفجر ووجهه اللامع بالعرق يشبهان سمكة الفهقة.
… والفهقة أيضًا لم تكن من النوع الذي تحبه. وبالتفكير في الأمر، كانت الكائنات البحرية جميعها تحتل مرتبة متدنية في قائمة تفضيلاتها.
لمحت إيريني الحزام الذي يطوق خصر العميد. كان الحزام المرصع بالجواهر اللامعة يهدف بالتأكيد لإخبار الناس بمكان خصره، وليس لتثبيت السراويل.
‘سمكة فهقة ترتدي حزامًا.’
أُضيفت هذه الصفة إلى العميد في رأس إيريني. وبسبب ذلك، فوتت مرة أخرى توقيت الإجابة.
لكن دييغو، دون أي بادرة انزعاج، مد يده أولًا. كما يفعل النبيل مع السيدة، وكأنه على وشك تقبيل ظهر يدها.
“سعدت بلقائكِ، آنسة ريوس.”
استيقظت إيريني من أفكارها وحدقت في يد دييغو بصمت.
كانت يدًا مهندمة. وأصابعه الطويلة والمستقيمة تشهد على حقيقة كونه نبيلًا.
غير أن الثآليل والجلد الخشن على تلك اليد كانت تروي قصة مغايرة. لم تكن تلك الخشونة ناتجة عن إمساك القلم، بل كانت بالأحرى بسبب شيء آخر.
“إيريني ريوس!”
رفع العميد صوته أخيرًا. نظرت إيريني إلى يدها دون كلام.
كانت يدًا عارية؛ فقد خلعت قفازاتها بجانب الجثة للتو.
بدلًا من مصافحة يد دييغو، أمسكت إيريني بطرف تنورتها بكلتا يديها. ثم أحنت ركبتيها قليلًا ورفعتهما.
“أحيي صاحب السمو، الدوق كاسيس.”
بعد أن ألقت التحية بلياقة تامة، تركت إيريني الرجلين خلف ظهرها وخطت خطواتها مبتعدة. ظل دييغو يحدق في ظهرها بوجه يبتسم بخفة ويده لا تزال تقبض على الهواء.
ارتدت إيريني قفازاتها وظهر على وجهها أخيرًا تعبير يوحي بالاطمئنان.
حينها فقط تذكر العميد معاناتها مع الوسواس القهري، فأطلق أنة مكتومة: “كحح.” لقد كان هذا أقصى ما يمكنها فعله.
ففي اللقاء الأول، حين مد العميد يده لمصافحتها تعبيرًا عن التسامح مع الطالبات، اكتفت إيريني بالنظر إليه بذهول، حتى ملّ وسحب يده بنفسه.
“صاحب السمو، هناك حقيقة يجب أن تعرفها. الآنسة إيريني ريوس هي…”
فتح العميد فمه لقول شيء ما، لكن دييغو كان قد بدأ بالسير بالفعل. مشى نحو جانب السرير الذي ترقد عليه الجثة، وعلّق ابتسامة مشرقة أخرى على شفتيه.
بالنسبة لدييغو، لم يكن كسب ود الآخرين أمرًا صعبًا. وبفضل ذلك، كانت حياته تسير بسلاسة تامة.
قد يكون لشخص في الترتيب الثالث لولاية العرش قوى معادية، لكن لم يكن هناك من يكرهه أو يعارضه بشكل خاص.
والداه كانا يدللانه، وإخوته كانوا يعزونه، وأتباعه كانوا يبجلونه. لذا، كان دييغو يشعر أحيانًا أن الحياة تشبه لعبة ذات مستوى صعوبة منخفض.
لعبة مملة تجعله يرغب في رمي أوراقه وإعلان الانسحاب.
في ذلك الوقت، حين مُنح الإقطاعية، اختفى ذلك الملل الشديد لفترة قصيرة. وذلك بفضل ملك ألفار المجنون الذي كان يرسل جنوده بين الحين والآخر.
وفي كل مرة، كان دييغو يتقدم الطليعة بنفسه ليحصد رؤوس الأعداء.
ومن المفارقات، أنه لم يكن يشعر بكونه حيًا إلا في اللحظة التي يلوح فيها الموت أمام ناظريه؛ حينها يشعر بجريان الدماء وحرارة قلبه.
لكن ذلك لم يدم طويلًا، فالاعتياد أدى إلى ملل من نوع آخر.
وبالطبع، لن يرمي أوراقه بنفسه كما كان يتخيل.
لا، فاللعبة ستنتهي قبل أن يرمي أوراقه حتى.
‘وهذا هو الأمر الأكثر مللًا.’
أخفى دييغو سخرية باردة خلف ابتسامة ساحرة، ورفع أحد حاجبيه. فعلى أي حال، المرأة التي تدعى إيريني ستصبح ملكه قريبًا، لأن دييغو أراد ذلك.
افتتح باب الحديث بنبرة تفيض بالثقة: “لقد سمعتُ الكثير عن الآنسة ريوس.”
عند سماع ذلك، تقلص ما بين حاجبي إيريني قليلًا.
فقد سمعت إيريني هي الأخرى بعض الشائعات التي تحوم حولها، وكانت تدرك أنها ليست قصصًا ممتعة على الإطلاق.
فكرت إيريني قليلًا ثم أجابت ببرود: “إن الشائعات التي تقول إنني أحمل قلبًا ينبض بيدي وأبتسم في كل مرة أشق فيها بطن جثة هي شائعات غير صحيحة. قبل قليل، حين شققتُ بطن الجثة، لم أبتسم ولو لمرة واحدة، والأهم من ذلك، أن الجثث التي تأتي إلى هنا هي لسجناء أُعدموا شنقًا قبل أيام، وتصل إلينا وقلوبهم متوقفة بالفعل.”
“……”
تلاشت التعبيرات عن وجه دييغو فجأة. لم يكن ذلك ارتباكًا، ولم يكن مباغتة.
لا، بل ربما كان مزيجًا من الاثنين معًا.
“صاحب السمو، كما قلت، هناك حقيقة يجب أن تعرفها…”
فتح العميد فمه مرة أخرى، لكن دييغو لم يمنحه الفرصة.
وبقي يحدق في إيريني دون أن يحيد بنظره، وعلى وجهه ابتسامة مشرقة.
“الذي سمعتُه هو أن الآنسة ريوس هي الخريجة المتفوقة الأولى لكلية الطب الملكية.”
“آه.”
هذه المرة، فقدت إيريني الكلمات.
كانت ليتيسيا تصرخ في وجه إيريني غالبًا: “أغلقي ذلك الفم أرجوكِ!”. ويبدو أن هذا هو الموقف المناسب تمامًا لتلك الجملة. فمن الأفضل ألا تتحدث من الآن فصاعدًا.
شدت إيريني شفتيها بإحكام، وتتبعت نظراتها شعره الرمادي وعينيه المختبئتين خلف ابتسامة ضيقة، وأنفه الشامخ، وفتحة فمه الواسعة، وفكه القوي.
‘إنه يشبه بطاطا مقشرة بعناية.’
… كانت البطاطا من أكثر الخضروات التي تكرهها إيريني.
ورغم أنها كانت أفضل من الجوفمعويات، إلا أن إيريني كانت تختار الجوع على تناول أطباق البطاطا في مطعم الطلاب.
“المتفوقة الأولى في الطب الباطني والجراحة معًا. سمعتُ أنكِ سجلتِ درجات مذهلة في الامتحان الطبي الملكي، وقيل إنها كانت أعلى درجات في تاريخ كلية الطب.”
“أجل.”
“وبالأخص، كانت هناك شائعات كثيرة عن مهارتكِ الفذة في الجراحة.”
“أجل.”
أومأت إيريني برأسها بتعبير هادئ للغاية. كشخص يثبت حقيقة أن واحدًا زائد واحد يساوي اثنين.
وكأن الأمر أثار ضحكه، ضيق دييغو عينيه. ثم تفحص الجثة الملقاة على السرير.
“……”
فجأة، لمعت عيناه ببريق غريب. لم يكن ذلك لأن الجثة التي كشفت عن قلبها بين الأضلاع كانت مرعبة؛ فقد شاهد جثثًا أقسى من ذلك بكثير.
استقرت نظرات دييغو عند حواف الجلد المقطوع. كان الشق نظيفًا تمامًا. لم يستطع أي حلاق* جراح قابله من قبل أن يشق اللحم بهذا الكمال، حتى سطح العظم المقطوع كان مستويًا.
* (هون مش مقصود حلاق حلاق الشعر بس ، بل الحلّاق الجرّاح ، و هو شخص يقوم بـ: ، الحلاقة ، خلع الأسنان ، شقّ الخُرّاج ، بتر الأطراف ، معالجة الجروح ؛ لأنّ الجرّاحين الأكاديميين كانوا نادرين ، فكان الحلّاق هو من يتعامل مع العمليات اليدويّة)
إن جلد البشر ليس صلبًا كما يظن المرء، كما أنه ليس طريًا كما يظن أيضًا. وحتى الحلاقون الذين قضوا عمرهم في هذا العمل، كانت حواف شقوقهم تخرج ممزقة حين يستأصلون لحم الجنود الجرحى.
لم يكن هذا أمرًا يمكن فعله بمجرد امتلاك مشرط حاد؛ بل تطلب أدوات مسنونة جيدًا، وبراعة من يمسك بها، وشجاعة باسلة، وأخيرًا موهبة سماوية فذة.
نظر دييغو إلى هافيير بطرف عينه، متذكرًا أن جراح الجنود الذين يقطعهم كانت تشبه هذا تمامًا.
أجل، إن آثار الجلد التي قطعتها إيريني بالمشرط لم تكن تشبه صنعة الجراحين، بل كانت أشبه بآثار سياف تمرس لسنوات طويلة.
بدأ الفضول يتسرب أخيرًا إلى عيني دييغو اللتين لم تظهرا سوى الود قبل قليل. يبدو أن لقب المتفوقة الأولى لم يكن مجرد كلام عابر. وزاد الأمر إثارة كونها امرأة.
تفحص دييغو إيريني من الأعلى إلى الأسفل بنظرات جادة.
كانت هزيلة لدرجة تجعله يتساءل عما إذا كانت تأكل جيدًا، ترتدي فستانًا قديمًا وفوقه مئزر أبيض.
وبسبب تغطية أنفها وفمها بقطعة قماش، لم يظهر سوى عينيها المستديرتين، لكن عينيها اللتين تشبهان الخرز الأزرق لم تفقدا بريقهما حتى في هذا القبو المظلم.
أما شعرها الأشقر المرفوع فكان يوحي بالتبعثر أكثر من الترتيب، وخرجت منه عدة خصلات متمردة.
كان انطباعها الأول أقرب لكونها غريبة أطوار منها إلى سيدة نبيلة.
أخفى دييغو أفكاره تلك ببراعة، وعلّق ابتسامة منعشة على وجهه.
“أنا أبحث عن طبيب خاص ماهر في الجراحة. ما رأيكِ في الذهاب معي إلى إقطاعيتي؟”
كان ذلك اقتراحًا ولكنه لم يكن اقتراحًا؛ ففي مملكة ديبوا، لم يكن أحد يجرؤ على رفض أمره، سواء كان ذلك بسبب مكانته، أو بسبب الشروط التي يقدمها، وأيًا كان السبب.
حينها، فتحت إيريني فمها بتعبير يخلو من المشاعر. وخمن دييغو ردها فابتسم بابتسامة أكثر ثقة.
“أرفض.”
“……”
ساد صمت لا يعلم عدد مراته.
قطب دييغو أحد حاجبيه مع بقاء ابتسامته كما هي، وأمسك العميد برقبته بتعبير مصدوم، أما هافيير فلم ينطق بكلمة منذ البداية.
سأل دييغو ببطء كشخص سمع لغة أجنبية غريبة: “لقد سمعتُ كلمة ‘أرفض’ بأذني، فإذا كنتُ قد أخطأتُ السمع.”
“حاسة السمع لدى سموك تعمل بشكل سليم.”
قاطعت إيريني كلمات دييغو قبل أن ينهيها. فتح العميد فمه وأغلقه بتعبير أكثر ذهولًا.
ازدادت ابتسامة دييغو عمقًا، وكأنه يشعر بتسلية حقيقية.
ودون أن يشعر، أمال دييغو الجزء العلوي من جسده نحو إيريني.
“أنتِ لم تسمعي الشروط التي سأعرضها بعد.”
“أيا كانت الشروط التي سيعرضها صاحب السمو، فأنا لن أستطيع أن أكون طبيبتك الخاصة.”
“ولماذا؟”
التعليقات لهذا الفصل " 4"