2
جال دييغو بنظراته الهادئة في الأرجاء. وفي كل خطوة يخطوها، كان صوت اصطدام حذائه العسكري بالرخام يتردد في المكان.
كان زيه العسكري القاتم، الذي لا يتناسب مع هذا المكان، يفرض حضورًا طاغيًا بشكل لافت. لا، بل لو دققنا النظر، لوجدنا أن ذلك لم يكن بسبب الزي العسكري بقدر ما كان بسبب الهيبة التي يشعها دييغو نفسه.
كان منظره وهو يسير في أروقة كلية الطب أشبه بذئب أُطلق سراحه وسط قنّ دجاج. كانت خطواته البطيئة تنضح بالانضباط، ونظراته الناعسة تخفي خلفها حدة ذكاء متقدة.
لم يكن الجمع بين هذه الصفات المتناقضة غريبًا، لأن صاحبها هو دييغو كاسيس. رجل هو أكثر حدة من أن يكون مجرد نبيل، وأكثر ضجرًا من أن يكون مجرد جندي.
ابتسم دييغو ابتسامة واثقة، وأثنى على العميد الواقف بجانبه قائلًا: “إن شهرة هذه الكلية كأقدم كلية طب في القارة ليست مجرد ادعاء. فأنا أشعر بأجواء العلماء العريقة والرصينة في كل ركن من أركان هذا المبنى.”
بصيغة أخرى، كان هذا مدحًا مغلفًا، أما بالمعنى المباشر، فقد كان يقصد أن المكان قديم وكئيب.
لكن العميد، الذي كان يهرول ليلحق بخطوات دييغو، لم يدرك المعنى الحقيقي الكامن وراء الكلمات، ورسم على وجهه تعبيرًا فخورًا.
وحده هافيير، تابع دييغو الذي كان يسير خلفهما بخطوة، هو من رفع حاجبيه قليلًا ثم أعادهما لمكانهما.
“كل هذا بفضل دعم جلالة الملك المعظم والعائلة المالكة. فليدم المجد الخالد لآل ديبوا.”
أضاف العميد كلمات الثناء هذه كعادته، ثم تابع بتملق: “جامعة ديبوا الملكية تقع في العاصمة، لكن كلية الطب وحدها هي التي توجد هنا في تيرابيا. وذلك لأن هذا المكان هو مسقط رأس غارسيا إيتورا، الذي يُلقب بأب الطب. وكما تعلمون، فإن كلية ديبوا الملكية للطب هي مهد الطب في القارة وصرح الحكمة، ولا يقتصر الأمر على اصطفاف النوابغ من مختلف الدول للالتحاق بها، بل…”
كان دييغو يستمع لحديث العميد من أذن ويخرجه من الأخرى، بينما كان يوزع نظراته على الطلاب الذين يختلسون النظر إليه واحدًا تلو الآخر. ثم رسم ابتسامة عريضة على وجهه.
كل من التقت عينه بعين دييغو انحنى له باحترام، رغم عدم معرفتهم بهويته؛ فمن الواضح أنه شخصية رفيعة المستوى طالما أن العميد يتودد إليه بهذا الشكل.
علاوة على ذلك، كان دييغو يمتلك وسامة لا يملك أي رجل إلا الاعتراف بها. وبقليل من المبالغة، كان يبدو وكأن الضوء ينهمر فقط على الطريق الذي يسير فيه وسط الأروقة المظلمة.
في العائلة المالكة التي يشتهر أفرادها بالشعر الأشقر والعيون الزرقاء، كان دييغو هو الوحيد الذي ورث الشعر الرمادي والعيون السوداء. وكان ذلك بسبب شبهه بوالدته التي تنحدر من شبه جزيرة موسكو.
ورغم أنه لا يملك شعرًا أشقر ولا عيونًا زرقاء، إلا أنه كان يتمتع بهالة ساحرة.
شعره الرمادي، الذي يُوصف عادة بلون الفئران، كان عميقًا كسموات ما قبل سقوط الثلج، وعيناه السوداوان اللتان تبدوان باردتين للوهلة الأولى، كانتا تشعان بضوء باهر وسط ابتسامته الرقيقة.
مرّ دييغو بابتسامته الهادئة بجانب مجموعة من الطلاب. وحينها، فتح أحدهم عينيه على اتساعهما.
“أوه…”
“ما بك؟”
التفت إليه زميله الواقف بجانبه بتعبير مستغرب. ظل الطالب يحدق في كتف دييغو دون أن يحيد بنظره، بينما كانت شفتاه ترتجفان.
“النجوم على الرتبة…”
“نجوم؟”
حينها فقط ألقى الزميل نظرة على كتف دييغو، وفتح فمه هو الآخر من شدة الذهول. كان هناك أربع نجوم مطرزة بخيوط ذهبية.
“أربع نجوم… أليس هذا رتبة القائد العام؟ ما الذي يفعله شخص مثله هنا؟”
تتبع الطلاب الذين أدركوا هوية القائد العام متأخرين ظهر دييغو بأعينهم. وفي تلك الأثناء، انتقل صوت دييغو الهادئ إلى العميد.
“ربما لأنها كلية طب، أشعر وكأن هناك رائحة دم خفيفة في الهواء. وكما تعلم، هذه رائحة مألوفة جدًا بالنسبة لي.”
نظر العميد حوله بتعبير مرتبك: “لا يمكن… لقد أمرتُ الطلاب بالأمس بتنظيف المكان بعمق…”
“أو ربما هي رائحة دماء وعرق الطلاب التي يبذلونها ليصبحوا أطباء بارعين.”
“… هههه. لا بد أنه كذلك. فطلاب كليتنا، إذا أردنا الحديث عنهم…”
انفجر العميد بضحكة مرتبكة لعدم معرفته ما إذا كان كلام دييغو مزاحًا أم حقيقة، وفي اللحظة التي أراد فيها الإكمال في الحديث مرة أخرى، وصلوا أخيرًا إلى وجهتهم: مكتب البروفيسور.
كان هذا أمرًا جيدًا بالنسبة لدييغو، فقد كان على وشك أن يصاب بالصداع من كثرة الكلام.
“لقد وصلنا.”
انحنى العميد عدة مرات وهو يفتح الباب. وعلى الفور، نهض بروفيسور واحد وثلاثة طلاب كانوا يجلسون بتعبيرات متوترة.
مسح العميد عرقه بمنديل وقدمهم لدييغو قائلًا: “هذا هو البروفيسور فيغيراس، الذي يُعتبر الأبرز من بين الأساتذة الذين تخرجوا من كليتنا. وقد نُشر اسمه في العديد من المجلات العلمية المرموقة. وبجانبه هؤلاء هم الطلاب المتوقع تخرجهم الذين اجتازوا الامتحان الطبي الملكي لهذا العام بدرجات ممتازة. إنهم مواهب يُنتظر منها الكثير في المستقبل.”
أخذ العميد نفسًا قصيرًا ثم قال وهو ينظر إلى البروفيسور والطلاب: “وكما تعلمون جميعًا، الشخص الواقف أمامكم هو صاحب السمو، الدقيق كاسيس.”
رغم حذف العديد من الألقاب مثل الأمير الثالث لمملكة ديبوا، والنبيل العظيم، والقائد العام، إلا أن دييغو لم يبالِ.
خلع قفازه ومدّ يده بوجه مبتسم.
“سعدت بلقائكم.”
ظهرت علامات الارتباك على وجوههم بسبب تصرفه غير التقليدي بطلب المصافحة أولًا من بروفيسور وطلاب، لكنهم سرعان ما انحنوا له بعمق.
حينها فقط تذكروا بعض الشائعات حول دييغو. شائعات تقول إن طبيعته الهادئة تشبه الربيع، وتفهمه الواسع يشبه البحر.
مثل الألقاب التي لا تنتهي وتسبق اسمه، كان دييغو كائنًا نبيلًا يقف فوق الجميع. ومع ذلك، لم يره أحد غاضبًا من قبل.
حتى أن الصحف نشرت ذات مرة قصة تروي أنه حين كسرت خادمة كوب الشاي الخاص به، لم يرفع صوته عليها بل سألها عما إذا كانت قد أصيبت بأذى.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ فدييغو، على عكس بقية النبلاء، كان يهتم بالمهارة أكثر من المكانة الاجتماعية، وكان يحيط نفسه بالكثير من أصحاب المهارات من عامة الشعب.
بعبارة أخرى، كان هذا يعني أن أي شخص يمتلك المهارة يمكنه أن يصبح مقربًا من دييغو.
“إنه لشرف كبير لنا لقاؤكم، صاحب السمو.”
“تفضلوا بالجلوس.”
تجاهل دييغو نظرات الفضول الموجهة إليه وتوجه نحو مقعد الصدارة.
‘يبدو أنهم يتساءلون عما يفعله الابن الضال للعائلة المالكة هنا.’
كان دييغو يعرف الشائعات التي تلاحقه؛ أو لنقل إنه يعرفها أكثر من أي شخص آخر، ليكون التعبير أدق.
بسبب عدم زواجه رغم تجاوزه سن الزواج، أثار البعض شكوكًا حول ما إذا كان يميل للرجال. لكن بفضل أخبار الفضائح العاطفية التي تزين الصحف الصفراء كل عام، أصبحت تلك الادعاءات وجهة نظر لا يلتفت إليها أحد.
كان دييغو حاليًا أكثر النبلاء شعبية، وبفضل ذلك، كانت شائعات قصص حبه كثيفة كأوراق الشجر في الصيف.
لم تنجُ أي امرأة جميلة، سواء كانت ابنة لعائلة نبيلة، أو زوجة كونت، أو مغنية أوبرا، من الارتباط باسم دييغو في شائعة عاطفية واحدة على الأقل.
فبمجرد أن يبتسم ويتبادل التحية مع ابنة نبيل في مأدبة ما، كانت تظهر شائعة حب جديدة في اليوم التالي، وهذا يوضح مدى انتشار الأمر.
وبالإضافة إلى ذلك، وبسبب طبيعته الهادئة التي لا تظهر الغضب لأحد، ترسخت شائعة تقول إنه لا يرفض امرأة تقبل عليه، ولا يتمسك بامرأة ترحل عنه، وكأنها حقيقة مسلم بها.
رغم أنها كانت جميعها شائعات لا أساس لها، إلا أن دييغو لم يؤكدها ولم ينفها، تاركًا الناس يظنون ما يشاءون.
كان ذلك في مصلحة دييغو؛ لكي لا يضطر لتبرير سبب تأخره في الزواج. وبالطبع، حتى لو لم يكن ذلك سببًا ممتعًا للغاية.
لكن، وخلافًا لشائعات المجتمع التي تصفه بالزير، لم يكن يميل للنساء بشكل خاص. بل كان مجرد تخيل الزواج من شخص ما وإنجاب الأطفال يثير في نفسه الغثيان.
‘أأورث هذا الدم الملعون لطفلي أيضًا؟ مستحيل.’
أخفى دييغو نواياه الملتوية تحت ابتسامته الساحرة، وتفحص وجوه فيغيراس والطلاب.
أشار فيغيراس، بعد تلقيه إشارة من العميد، إلى كل طالب قائلًا: “هذا الطالب هو السيد ماكسي لوسانو، الابن الثاني لعائلة الكونت لوسانو. إنه طالب ممتاز في دراسته ومهذب في سلوكه، ويعد قدوة للآخرين. وبجانبه الطالب دافيد مورينا، الابن الثالث لعائلة الفيكونت مورينا، والطالب الأخير هو السيد خوسيه. السيد خوسيه، على الرغم من أنه ليس من أصل نبيل، إلا أنه طالب متميز احتل المركز الرابع في الامتحان الطبي لهذا العام.”
في كل مرة يُذكر فيها اسم، كان الطالب ينحني لدييغو.
‘الأمير الثالث’، هل هناك حبل نجاة أقوى من هذا؟ كان دييغو بمثابة القطار السريع الذي سيوصلهم إلى أعلى درجات سلم السلطة.
طرح العميد، وهو يفرك منديله، السؤال الذي كان يحبسه طوال الوقت بحذر: “عذرًا، صاحب السمو. ولكن ما الذي جاء بكم إلى هنا…؟”
أسند دييغو ظهره ببطء إلى الأريكة. وبفعل ذلك وحده، اتخذ الهواء المحيط به طابعًا هادئًا.
كان يعرف كيف يحصل على ما يريد. وصفه هافيير بأنه غامض، بينما قيّم دييغو نفسه بأنه داهية.
“أنا بصدد البحث عن طبيب خاص جديد.”
عند سماع تصريح دييغو، لمعت أعين الطلاب الثلاثة.
لاحظ دييغو الطمع والطموح الكامن في أعينهم أسرع من أي شخص آخر، لكنه حافظ على تعبيره الهادئ متظاهرًا بعدم معرفة أي شيء.
سأله العميد مستنكرًا وكأنه سمع شيئًا لم يكن يتوقعه: “طبيب خاص؟”
وهذا أمر طبيعي، فدييغو كان الثالث في ترتيب ولاية العرش، ودوقًا يمتلك إقطاعيته الخاصة.
وليس هذا فحسب، بل كان أيضًا القائد العام الذي يقود جيوش ديبوا.
بعبارة أخرى، قمة السلطة.
كان طبيب دييغو الخاص من بين أبرز الأطباء في المملكة، وبكلمة واحدة منه، سيصطف أشهر الأطباء حتى خارج القلعة.
ومع ذلك، يأتي بنفسه إلى كلية الطب للبحث عن طبيب خاص؟ ليلتقي بصغار على وشك التخرج؟
ابتسم دييغو، الذي خمن سبب حيرته، وضيق عينيه كخيطين رفيعين. يبدو أن العميد هو عميد بحق رغم مظهره.
ولحسن الحظ، فإن رأسه نصف الأصلع يعمل بشكل جيد.
“بالطبع، طبيبي الخاص الحالي يؤدي عمله بشكل ممتاز.”
“أجل، لا بد أنه كذلك.”
هذه المرة أجاب فيغيراس. رفع دييغو عينيه ببطء بعد أن لاحظ نبرة السخرية الكامنة في الإجابة.
وأضاف فيغيراس، الذي التقت عينه بعين دييغو، بتعبير لا يبدو راضيًا تمامًا: “أنا وميغيل فليتشي زملاء دراسة.”
“فهمت ذلك.”
أومأ دييغو برأسه بلامبالاة.
تذكر فيغيراس ميغيل، الذي كان منافسه ذات يوم، وقطب حاجبيه قليلًا.
حين تم اختيار ميغيل كطبيب للملكية، شتمه فيغيراس واصفًا إياه بـ “الخنزير الذي أعماه المال”. لأنه كان يؤمن بأن العالم يجب أن يكون زاهدًا أمام المال.
لكن في النهاية، حسم ميغيل أمره ليكون طبيبًا للملكية، والآن رسخ مكانته كطبيب خاص لدييغو.
نقر دييغو بأصبعه على مسند الذراع وتابع حديثه ببطء: “لا تزال النزاعات المحلية مستمرة في إقطاعيتي. وذلك بسبب ملك مملكة ألفار المتخلف والمجنون.”
أومأ الجميع برؤوسهم بتعبيرات جادة عند سماع ذلك.
كانت مملكة ديبوا أرضًا وهبها الحاكم طبيعة خلابة؛ أرضًا مباركة تضم الجبال والسهول والبحار.
وعلى العكس تمامًا، كانت مملكة ألفار تُلقب بالأرض التي تخلى عنها الحاكم. ألا يكفي هذا ليكون سببًا لملك ألفار ليطمع فيها ويتحين الفرص؟
وعلى الرغم من استفزازات مملكة ألفار المستمرة، فإن الفضل في هذا السلام الذي تنعم به ديبوا يعود بالكامل لدييغو. لأن جيشه كان يصد هجمات جنود ألفار في كل مرة.
بالطبع، يعود السبب الأكبر إلى انشغال ملك ألفار بالاضطرابات الداخلية التي منعته من خوض حرب شاملة.
“لكن طبيبي الخاص كان يصلي للجنود الذين قطعت أرجلهم والذين شُقت بطونهم. كان يصلي من أجل الراحة الأبدية.”
فف —
تسربت ضحكة خفيفة من بين شفتي دييغو. وقبل أن يدركوا أن تلك كانت ضحكة استهزاء، أضاف دييغو كلماته التالية: “كان عليكم رؤية تعبيرات جنودي حينها.”
التعليقات لهذا الفصل " 2"