في اليوم التالي، زارت أغات مع أشلي فرع البنك المركزي الواقع في الشارع التجاري المزدحم. كانت تمسك بيده بإحكام، يد أشلي التي صار وجودها إلى جوارها أمرًا طبيعيًا الآن.
كان الصيف خانقًا لدرجة أن العرق يتجمع في راحة اليد حتى دون حركة، ومع ذلك لم يترك أشلي يدها. كانت أغات تشعر بنظرات الناس من حولها، لكنها لم تستطع أن تكون المبادِرة بترك يده.
“هل تودين اتباعي؟”
في تلك اللحظة، اقترب موظف البنك وأرشد أغات إلى الشباك.
“نعم.”
حيّته أغات بنظرة خفيفة، ثم تركت يد أشلي بشكل طبيعي ونهضت. حين انفصلت اليدان اللتان كانتا متشابكتين طوال الوقت، لامست أصابعه أصابعها وكأنها لا تريد الفراق.
“سأعود حالًا.”
ابتسمت له ابتسامة خفيفة وهي تتجه نحو الشباك. ظل أشلي يراقبها دون أن يشيح بنظره، وهي تجلس أمام الموظف وتبدأ بملء استمارة السحب.
أمالت أغات رأسها قليلًا. لكي تشتري ما تحتاجه وتخضع لتدريبات إعادة التأهيل، لا بد أن يكون معها بعض المال، لذا كان عليها أن تسحب مبلغًا كافيًا.
وأخيرًا، بعد أن حددت المبلغ، كتبت الرقم بوضوح على الاستمارة. لم يسبق لها أن سحبت من راتبها من قبل، لذا حتى لو أنفقت بسخاء، فلا يزال لديها متسع. كما أنها إذا حصلت لاحقًا على التعويض الذي تمنحه القيادة العسكرية، فسيتم تعويض ما نُقص من حسابها.
كانت أغات قد سلّمت الاستمارة للموظف وتنتظر، حين قال لها فجأة:
“لا يمكن سحب المبلغ لعدم كفاية الرصيد.”
قال الموظف ذلك بنبرة جافة، وهو يعيد الاستمارة إليها.
“الرصيد غير كافٍ؟ هذا غير ممكن.”
“المتبقي في الحساب 30 أونت فقط. هل ترغبين بسحب الثلاثين أونت؟”
حدّق بها الموظف بنظرة متضجرة. امرأة لا تملك سوى ثلاثين أونت وتحاول سحب مئتين وخمسين لا تبدو له طبيعية.
هزّت أغات رأسها وكررت كلامها:
“لم أسحب من الحساب من قبل، كيف لا يكون فيه سوى 30 أونت؟”
كانت أديل قد أخبرتها أن الممرضات في المستشفى الميداني كنّ يحصلن على سلفة في حال الحاجة، ثم يُصرف لهن الباقي كراتب. كما أكدت لها أديل أنها خلال عشرة أشهر لم تتلقَّ أي سلفة.
إذًا، كان يفترض أن يكون في حسابها كامل راتب عشرة أشهر.
عند سماع كلامها، نهض الموظف من مكانه بوجه منزعج.
“سأتحقق من الأمر، انتظري قليلًا.”
توجه الموظف إلى رجل في منتصف العمر يرتدي بدلة سوداء. ألقى الرجل نظرة سريعة على أغات، ثم قال شيئًا، فرفع الموظف هاتف العمل وبدأ يدوّن أرقامًا على الورق لفترة.
عاد الموظف إلى الشباك، وخلفه الرجل متوسط العمر وقد عقد ذراعيه.
“تفضلي، انظري بنفسك.”
ناولها ورقة، وكأنه يقول لها أن ترى بعينيها مدى سخافة ادعائها.
حبست أغات أنفاسها وأنزلت عينيها إلى الورقة.
غيلبرت؟
كانت ترسل خمسين بالمئة من راتبها الذي تتقاضاه إلى غيلبرت. كما كانت ترسل ثلاثين بالمئة من المبلغ المتبقي إلى دار أيتام القديس نيكولاوس.
بعد تحويل الأموال إلى غيلبرت ودار الأيتام شهريًا، لم يكن يتبقى لها سوى ثلاثة أونت فقط. وبما أنها لم تسحب هذا المبلغ ولو مرة واحدة، فقد تراكم خلال عشرة أشهر ليصبح ثلاثين أونت في حسابها.
“لماذا كنت أرسل المال إلى غيلبرت وإلى دار أيتام القديس نيكولاوس؟”
“هذا أمر تعرفينه أنتِ.”
رد الموظف ببرود، وكأن سؤاله صادر عن امرأة غبية، ثم سحب الورقة منها.
“لم أنتهِ من قراءة المستند.”
“هناك عملاء آخرون ينتظرون. إن لم تكوني ستسحبين المال، فهل يمكنك النهوض؟”
“لا، أنا فقط…”
كانت أغات عاجزة عن فهم من يكون غيلبرت، ولماذا كانت ترسل المال إلى دار الأيتام. عندها تذكرت أنها فقدت ذاكرتها منذ فترة قصيرة.
ليست الأوراق البنكية خاطئة، بل هي فقط لا تتذكر ما فعلته. ومع ذلك، لم تستطع استيعاب سبب إرسالها المال الذي كسبته بشق الأنفس إلى أشخاص آخرين.
لو أنها فكرت قليلًا في مستقبلها، لكان عليها الادخار. فكيف كانت ترسل مبلغًا لا يستهان به شهريًا وبانتظام؟
سواء ارتبكت الزبونة أم لا، كان الموظف يريد فقط التخلص منها بسرعة. ولو استمرت في الجدال، فلن يكون أمامه سوى استدعاء الحراس لإخراجها بالقوة.
تبادل الموظف والرجل الآخر إشارات خفية بأعينهما لاستدعاء الحراس، وفي تلك اللحظة نهضت الزبونة مترنحة.
هزّ الموظف رأسه وهو يرتب الأوراق.
“اجلسي.”
في تلك اللحظة، دوّى صوت عميق وقوي.
التفت الموظف والرجل متوسط العمر نحو صاحب الصوت.
كان شابًا يرتدي بدلة فاخرة، يسند كتفي المرأة التي بدت وكأنها على وشك السقوط، ويجعلها تجلس على الكرسي. نظرت إليه المرأة بوجه مرتبك، فبادلها بنظرة هادئة بعينيه.
ما الذي يحدث بالضبط؟ ظل موظف الشباك يحدق بهما مذهولًا.
“هنا.”
تجاهل الرجل النظرات المرتابة، وناول موظف الشباك استمارة سحب كُتب عليها مبلغ السحب.
اتسعت عينا موظف الشباك حتى صارتا كفوانيس الزيت.
“هيك!”
رمش الموظف عدة مرات، لكن الرقم المكتوب في استمارة السحب لم يتغير.
أرسل موظف الشباك إشارة صامتة إلى الموظف الرجل الواقف خلفه ليبلغه بخطورة الموقف. اقترب الرجل بضع خطوات وأنزل نظره إلى الورقة.
“آه، هذا…”
وقبل أن يتمكنا من إكمال كلامهما، انطلق صوت بارد قاطعًا:
“هناك عملاء آخرون ينتظرون. أسرِعوا في السحب.”
كان يعيد عليهما بالحرف ما قاله موظف الشباك لأغات قبل قليل. نبرته، ونظرته الضاغطة المثبتة على الموظفين، كانتا كفيلتين بإثبات المبلغ المكتوب في الاستمارة. لا بد أنه ثري عظيم الشأن، أو نبيل يملك ثروة هائلة. في اللحظة نفسها، تحقق موظف الشباك والموظف متوسط العمر من اسم الرجل المكتوب على الاستمارة.
غلوستر!
ابتلع الموظف الرجل ريقه الجاف، ثم جمع يديه بانضباط وانحنى أمام أشلي.
“أنا يوهان إدواردز، مدير هذا الفرع. يشرفني القاء التحية على سمو دوق غلوستر. إن لم يكن في ذلك إزعاج، نود مرافقتكم إلى غرفة الاستقبال.”
“لست متفرغًا.”
“نظرًا لكِبر المبلغ، سيستغرق الأمر بعض الوقت. لو تفضلتم بالانتظار في غرفة الاستقبال، سنحضّر المبلغ ونقدمه لكم فور الانتهاء.”
لم يستطع مدير الفرع إلا أن يتصبب عرقًا باردًا. فالمبلغ المكتوب في الاستمارة كان مئة مليار أونت. في خزينة البنك المركزي تحت الأرض في هذه المدينة الصغيرة، لم يكن يُحتفظ عادةً بأكثر من خمسة مليارات أونت.
إذا اضطر البنك إلى دفع مبلغ يتجاوز الخمسين مليارًا، فسيكون عليهم إرسال موظفين وحراس إلى فروع أخرى لجلب المال. وحتى مع استعارة الأموال من فروع أخرى، لم يكن مؤكدًا أنهم سيتمكنون من جمع مئة مليار أونت كاملة.
والأسوأ من ذلك، إن سحب العميل هذا المبلغ دفعة واحدة، فسيضطر فرع المدينة الصغيرة إلى إغلاق أبوابه، ناهيك عن أن المدير سيتعرض للفصل حتمًا بحجة سوء إدارة العملاء.
كان عليه أولًا كسب الوقت، وتهدئة العميل بلطف، وفي الأثناء يتأكد موظفو الشباك مما إذا كان حساب الدوق يحتوي فعلًا على هذا المبلغ. وبعد التحقق، لا بد من إقناع العميل ومنع هذه الكارثة المالية.
كان لديه ابن أكبر التحق هذا العام بجامعة إيلفيرن، وستة أبناء آخرين أصغر سنًا. وهو يلعن في داخله موظف الشباك الذي أساء قبل قليل معاملة الزبونة الشابة.
“لدينا قهوة ذات رائحة طيبة، تفضلوا بارتشافها ريثما نُتم الإجراءات.”
قال الموظف متوسط العمر بابتسامة مصطنعة، موجهًا حديثه هذه المرة إلى الزبونة الشاحبة بنبرة ودودة.
وأغات، وهي ترى الموظف يتصبب عرقًا وكأنه يتوسل إليها بعينيه لينقذه، أشاحت بنظرها.
كانت المرأة، آخر أمل له، قد تجاهلته. وفي اللحظة التي غرق فيها المدير في اليأس، فتحت أغات فمها.
“هل يمكنني شرب القهوة وأعيد الاطلاع على أوراقي من فضلكم؟”
هكذا، تنفّس المدير يوهان الصعداء في داخله بعدما كسب بعض الوقت.
محا الدوق تعبيره البارد، ورافق المرأة بعناية. وضعت أغات يدها على ذراعه، ثم رفعت رأسها لتنظر إلى أشلي. وما إن التقط نظرتها حتى أنزل عينيه الزرقاوين، محتكرًا انتباهها وحده.
قبل قليل، كانت هي في حيرة وارتباك. الموظفون نظروا إليها بازدراء، وحاولوا طردها من الشباك فورًا.
ومن مكان بعيد، كان أشلي يراقب المشهد، وقد فهم الموقف بالكامل من خلال سماعه حديثها مع الموظفين. وفوق كل شيء، اشتعل غضبه من أسلوبهم الفظ معها.
قبل التحاقه بجيش الإمبراطورية، كان قد أودع جزءًا من أمواله في حساب البنك المركزي، لا لشيء إلا نتيجة إلحاح ممثل البنك ووعوده التجارية.
وعندما رأى معاملة الموظفين المهينة، كتب المبلغ الذي يريد سحبه في الاستمارة. لم يكتب مئة مليار أونت عبثًا، بل لأنه يعرف جيدًا بنية النظام المصرفي. كان يعلم أن خروج هذا المبلغ دفعة واحدة من خزينة البنك سيؤدي إلى إغلاق الفرع خلال يوم واحد، وأن الموظفين سيفقدون وظائفهم.
لكنها، مع ذلك، استجابت لكلام الموظف بهدوء. وعندما رأى وجهها الهادئ، خمد الغضب العارم الذي كان يغلي في صدره قبل لحظات.
التعليقات لهذا الفصل " 29"