بدا وكأن سطح الشفاه قد تشقّق، إذ تجمعت قطرة دم حمراء.
ازداد عمق النظرة المليئة باللوم.
“أنا بخير.”
أمسكت أغات بيده التي لم تستطع الابتعاد عن شفتيها وأنزلتها.
لم يكن هناك ما يدعو لشعوره بالذنب.
أليست هي نفسها من استجابت للقبلة بحماسة، وكأنها مسحورة بشيء ما؟
لذلك لم يكن الخطأ خطأه.
“هل تفتحين فمك قليلًا؟”
“لماذا الفم؟”
“لا أنوي تقبيلك. أريد فقط أن أرى إن كان هناك جرح داخل الفم.”
“لا يوجد جرح.”
غطّت أغات شفتيها بيدها وتمتمت بصوت خافت.
لم يكن بإمكانها أن تسمح له بالنظر داخل فمها.
صحيح أن الغشاء الداخلي بدا متورمًا قليلًا، لكنها لم تستطع اتخاذ تلك الوضعية المحرجة بفتح فمها أمام حبيبها.
“لن يستغرق الأمر سوى لحظة. هيا، قولي آ—؟”
كان صوته ناعمًا وملاطفًا، كأنه يهدئ طفلًا.
ومع ذلك، هزّت أغات رأسها يمينًا ويسارًا بإصرار، مؤكدة أنها لن تفتح فمها.
لم يكن ممكنًا إجبار امرأة ترفض فتح فمها.
“حسنًا. لنعد إلى السكن العسكري أولًا.”
“نعم، هذا أفضل.”
طوال الطريق والسيارة تشقّ الشارع العام، لم يلتفت آشلي إليها.
وأغات أيضًا شعرت بالحرج من مواجهة وجهه بسبب القبلة قبل قليل.
كيف انتهى بهما الأمر يتبادلان القبل حتى انتفخت شفاهها بهذا الشكل؟
~~~~~~~~~~~~
دخل آشلي السكن العسكري وهو يحمل كيسين كبيرين بنيّي اللون مليئين بالمواد الغذائية.
بدأ بترتيب الأغراض بمهارة، كما لو أنه فعل ذلك من قبل.
وبحجة أن كتف أغات لم يتعافَ بعد، منعها من الاقتراب من المواد الغذائية.
بعد أن وضع الأغراض في الرفوف والمخزن بحسب أنواعها، التفت إليها وهي تتردد في المكان.
“ألا تشعرين بالجوع؟”
“نعم، قليلًا.”
“سأعدّ يخنة، هل تنتظرين قليلًا؟”
اتسعت عينا أغات دهشة.
“هل تقصد أن حضرتك ستعدّ يخنة؟”
ارتسمت على وجه آشلي ملامح ثقة.
“نعم. ليست سيئة إلى حدٍ يدعو للقلق، يمكنك أن تتوقعي شيئًا معقولًا.”
ابتسم بهدوء وتبادل معها نظرة قصيرة، ثم توجه إلى المطبخ.
بدى وكأنه جاد فعلًا في إعداد اليخنة، إذ أخرج الخضار من المخزن.
هل يجب أن توقفه الآن؟
لم يكن من المعقول أن يكون وريث دوق قد وقف يومًا في مطبخ يجهّز الخضار ويعدّ الطعام.
كانت جائعة، نعم، لكنها لم تستطع أن تترك أمر الطهي كله على عاتق شخص نبيل مثله.
“سيدي، لا تقشّر الخضار.”
“نعم؟”
توقّف عن استخدام السكين عندما اندفعت كلماتها بلهفة.
“أنت لا تعرف كيف تُعدّ اليخنة. لا، ليس هذا فقط… وجودك في المطبخ أصلًا هو…”
أرادت أن تقول إن مكانته النبيلة لا تليق بالمطبخ، لكن الكلمات لم تخرج بسهولة.
ومع ذلك، كان لا بد من قول شيء، فتمتمت بصوت خافت.
“كيف يمكن لابن دوق صغير أن يقوم بأعمال المطبخ؟ هذا عمل العامة، أليس كذلك.”
أمثالها من عامة الناس هم من يقفون في المطابخ، يقشّرون الخضار ويشعلون النار للطهي.
أما النبلاء الكرام، فيجلسون إلى موائد أنيقة ويكتفون بتناول الطعام الذي يعدّه العامة.
هذا ما قصدته بكلامها، لكن آشلي واصل تقشير البصل دون أن يتغير تعبير وجهه.
“سيكون البصل حارًا. اخرج من المطبخ.”
“سبق لي أن أعددت يخنة. كانت يخنة بالذرة والفاصولياء، وقد أكلها الجنود بسرور.”
“هل تقول إنك أعددت يخنة لجنودك؟”
“نعم.”
قبل عام، حوصر في قرية سلوفورد.
لجأ مع ثلاثة جنود مصابين إلى قصر مهجور.
في ذلك الوقت، كان الوحيد القادر على الحركة، فجمع ما استطاع من مواد داخل القصر وأعدّ يخنة.
خلال أربعة أيام من الصمود، لم يمرّ يوم إلا وأعدّ لهم يخنة واحدة على الأقل.
كانت خفيفة تكاد تخلو من المكونات، لكن الجنود كانوا يقولون إنها لذيذة، ويأكلونها حتى تلمع الأوعية نظافة.
عندما لم تبقَ حبة فاصولياء واحدة، اضطر إلى الخروج لفترة قصيرة بحثًا عن طعام.
وبعد أن تمكّن بصعوبة من الإمساك بدجاجة بلا صاحب، دوّى انفجار هائل، فركض عائدًا إلى القصر حيث كان الجنود.
وكما خشي، ألقت قاذفة قنابلها، وانهار القصر المؤلف من ثلاثة طوابق دون أن يترك أثرًا.
قضى آشلي يومين كاملين ينبش الركام بيديه العاريتين، متضرعًا أن يكون أحد جنوده على قيد الحياة.
ولولا أن وصلت القوات الصديقة متأخرة وسحبته من بين الأنقاض، لكان واصل الحفر أيامًا أخرى.
“قالوا إن اليخنة كانت لذيذة. حتى الرقيب غراي بكى، وقال إن طعمها يشبه يخنة والدته.”
كان آشلي مستغرقًا في الذكريات، غارقًا في الندم.
ورغم أن حديثه أشبه بإطراء من جنوده، فإن عينيه كانتا مليئتين بالوحدة.
شعرت أغات بوخز في صدرها، فتعمّدت أن تتكلم بصوت مشرق.
“لا بد أنها كانت لذيذة فعلًا. إن كانت تشبه طعام الأم، فهذا يجعلني متحمسة.”
“نعم، سأبذل قصارى جهدي.”
لم يكن آشلي يرغب هو الآخر في أن يصبح الجو كئيبًا. استجاب لكلامها، وأمسك بالبصل وشدّ عزيمته.
انفجرت أغات بالضحك على طرافته التي تراها للمرة الأولى.
آه، إذن هي تعرف كيف تضحك بهذا الشكل.
راقبها آشلي بهدوء وهي تضحك كفتاة صغيرة، ثم من دون أن يشعر، انزلقت عيناه إلى شفتيها الورديتين. بدا أن شفتها السفلى ممتلئة قليلًا، وكأنها كانت تعضّها أو تمتصها كثيرًا.
وحين تلاقت نظراتهما، احمرّ خداها وأسقطت بصرها.
كانت سريعة الفطنة، ففهمت معنى نظرته على الفور. وإن كان هناك ما تغيّر فيها عمّا كانت عليه قبل الحادث، فهو فقدانها للذاكرة… وذلك البريق في عينيها. النظرة التي كانت تحمل عداءً تحوّلت الآن إلى صفاء وبراءة.
“بعد يومين ستأتي السيدة ليزا إلى السكن الرسمي لتتولى الطبخ والتنظيف.”
شعرت أغات بعدم ارتياح غامض من فكرة أن توكل أعمال المطبخ والتنظيف إلى شخص غريب لم تره من قبل.
“نعم، بعد بضعة أيام ستبقين وحدك في السكن، أليس كذلك؟”
“هذا صحيح، لكن……”
“أنتِ تدفعين أجرها وتوظفينها، فلا داعي للشعور بالعبء.”
“حسنًا…… سأفعل.”
وافقت بهدوء، لكن ثقلًا خفيًا استقر في أحد أركان قلبها. كانت قد حسمت أمرها بالعيش في السكن، لكنها لم تفكّر إطلاقًا بما سيأتي بعد ذلك.
كانت تعلم أنه سيذهب إلى مقر القيادة ويتركها وحدها، ومع ذلك لم تتجاوز أفكارها حدّ ضرورة تلقي العلاج الجراحي. لم تخطر ببالها مسألة المستشفى أو خطة إعادة التأهيل.
بدا أن النقيب قد بحث مسبقًا عن السيدة ليزا لتتولى وجباتها قبل قدومه إلى هنا، وفوق ذلك كان يفكّر بعناية في المراجعات الطبية والتدريب التأهيلي.
“أنا آسفة.”
“على ماذا؟”
“لولا وجودي، لما احتجتم إلى توظيف السيدة ليزا أصلًا.”
“إن كان هذا سبب اعتذارك، فلا داعي له.”
توقّف آشلي عن الحركة وهو يضع الخضروات على لوح التقطيع ويقطعها بدقة منتظمة.
“حتى لو جئتُ إلى السكن وحدي، لكنتُ استدعيتُ السيدة ليزا. لذا لا تعتذري.”
“إذًا، سأسحب اعتذاري. شكرًا لك، سيدي النقيب.”
قالت أغات ذلك بانحناءة خفيفة وبنبرة مهذبة.
طباعها التي تنزعج من إثقال كاهل الآخرين بدَينٍ ما، لم تتغير كثيرًا عن الماضي.
ألقى آشلي نظرة هادئة عليها. لا معنى لمقارنة ناتالي بأغات الحالية عن قصد؛ فقد فات أوان الرجوع منذ زمن.
كان مقتنعًا تمامًا صباح ذلك اليوم بأن المكان الذي وطئت قدمه مستنقع عميق، لكنه نفى هذا الاعتقاد في أقل من نصف يوم.
فالمستنقع الذي يخنق المرء حتى الموت لا يمكن أن يجعل القلب يهتز بهذه الطريقة. هذا الجنون في الخفقان، وهذا الاضطراب الذي يفقده صوابه، ثم الألم لأتفه شيء، وبعده الفرح والسعادة كأن شيئًا لم يكن… ليست حال من سقط في مستنقع.
وبما أنه بات واثقًا، قرر ألا يعذّب نفسه بالتفكير ولا يجلد ذاته بعد الآن.
كون ناتالي كانت تحتقره وتشمئز منه، لم يكن سوى افتراض من جانبه. لو كانت تكرهه حقًا، لما ألقت بنفسها لتحميه في تلك اللحظة التي انطلقت فيها الرصاصة. كانت ستتركه ليموت فحسب.
أمام هذه الحقيقة الواضحة، لم يفهم لماذا دفع بنفسه إلى زاوية المذنب الوقح.
قرر آشلي ألا يبحث عن ناتالي القديمة في ملامحها بعد الآن، وألا يهدر مشاعره في أمر لا طائل منه.
خفتت حركة يديه وهو يطهو الحساء، وانساب من بين شفتيه همهمة خافتة بالكاد تُسمع.
مالت أغات برأسها قليلًا وهي تراقبه بصمت.
بدا مستمتعًا بالطهي.
رجل يستمتع بأعمال المطبخ.
لو كان دوقًا صغيرًا، لما لامست يداه قطرة ماء واحدة، لكنه كان يطهو الحساء لمرؤوسيه، وها هو الآن، من أجل حبيبته، يتطوع طوعًا ليكون الطاهي.
رغم أن ذلك مستبعد، إلا أنه لو علم الآخرون بالأمر لكان خبرًا يصلح للصحف.
لم تستطع أغات أن تصرف نظرها عن الرجل الذي يطهو، وهي تنتظر بشغف اللحظة التي ستتذوق فيها أشهى طعام في العالم.
التعليقات لهذا الفصل " 28"