تقلبت المرأة قليلًا قبل أن تستسلم أخيرًا للنوم. ذلك النفس الحلو الذي لم يكن يُسمع بوضوح حين كانا يعيشان معًا في غرفة المستشفى الميداني، تسلل الآن من بين شفتيها بوضوح.
ظل آشلي متصلبًا يحدق في السقف. صوت أنفاسها عبث بفوضى داخل أذنيه.
عضّ على شفتيه وابتلع شتيمة. الوقت لم يتوقف، بل كان يلتف حوله بإحكام ويقيده.
ما الذي يحدث له أصلًا؟
زفر آشلي أنفاسه وكأنه ساخط على حاله المثير للشفقة. أدار رأسه إلى اليمين. لم يفعل ذلك لينظر إلى وجهها، بل بسبب وضعية غير مريحة، لا أكثر.
لكن المصادفة أن المرأة كانت نائمة وهي متجهة نحوه. غارقة في النوم بسلام، كحمل وديع، من دون أن تدري أن من تحتقره يرقد إلى جوارها.
لم يستطع آشلي أن يبعد نظره عنها، فظل يتأمل ملامحها بلا نهاية. لا يعلم كم من الوقت مضى، لكن عندما تسلل الضوء الأبيض من ناحية النافذة، أُطبقت جفون آشلي ببطء.
بعد ليلة طويلة ومرهقة، فتح آشلي عينيه فجأة.
“آه، يا لهذا.”
تمتم بصوت منخفض. الغرفة المضيئة لم تكن تعني سوى أمر واحد. هو الذي لم يعتد النوم متأخرًا إلا عند إصابته، اعتدل جالسًا بسرعة. المكان إلى جانبه كان خاليًا تمامًا.
شعر بقلبه يهبط بعنف وهو ينهض من السرير. جذب مقبض الباب واندفع في الممر بخطوات متوترة، ثم راح يتفحص أرجاء السكن.
المكان صغير، ولا أثر لمن يبحث عنها. استدار بجسده بعصبية.
اتجه بخطوات واسعة إلى الغرفة التي كانت تنوي النوم فيها الليلة الماضية، وأمسك المقبض بيد متعجلة.
“……”
لا أحد.
غيابها عن المكان الذي يُفترض أن تكون فيه يعني أنها غادرت إلى مكان ما.
تجمد الدم في عروقه، وتصلبت ملامح آشلي ببرود. ضيق عينيه ثم استدار. هذه المرة، عاد بخطى لا سريعة ولا بطيئة إلى الغرفة التي تضم الحمام.
كانت عيناه الزرقاوان حادتين وهو يتحقق مما إذا كانت أمتعتها لا تزال هناك.
لحسن الحظ، حقيبتها وملابسها القليلة بقيت في مكانها. تنفس آشلي الصعداء بلا وعي. شعر بالسخف من نفسه لأنه ارتبك لمجرد أنها اختفت للحظة.
بعد أن اغتسل، ارتدى قميصه بهدوء وبدّل إلى بدلة كتان. ما إن خرج من غرفة النوم حتى فُتح باب المدخل.
استقبلها بوجه مرتب، وكأنه لم يبحث عنها في أرجاء المكان قبل لحظات.
“هل خرجتِ في نزهة؟”
“نعم، هواء الصباح منعش.”
“أفهم.”
لن تعرف أبدًا أن قلبه انقبض فجأة، ولا أنه قلب المكان رأسًا على عقب بحثًا عنها.
تقدم آشلي نحو أغاث وكأنه يرحب بها. وعندما اقترب منها ببطء، ارتسمت على وجهها ابتسامة خجولة.
استيقظت أغاث قبل الرجل لأول مرة منذ مدة، وكادت تصرخ من الذهول. كان وجهها مدفونًا في صدره.
نامت بين ذراعيه من دون أن تشعر بأي انزعاج. بل على العكس، كان جسداهما متلاصقين بإحكام، وكأنها استيقظت بعد نوم دافئ ومريح. احمرار وجهها كان أمرًا لا مفر منه.
أبعدت أغات الجزء العلوي من جسدها عنه بحذر كي لا توقظه. ثم راحت تتأمل وجهه كما لم تستطع من قبل.
حاجبان ممدودان بأناقة، رموش كثيفة، أنف مستقيم، خدود ناعمة بلا ندوب. شفتان محمرتان ترتسم عليهما ابتسامة ودودة، وأنفاس رطبة خفية بينهما. خط فك حاد وعنق قوي يبرز رجولته. ملامح جميلة، بل تحمل مسحة من القداسة.
ابتلعت أغاث ريقها.
قبل قليل فقط، راودتها فكرة دنيئة من دون وعي، رغبة في تقبيل الرجل.
إن لم يكن تقبيلًا، فهل لمس اليدين مقبول؟
رفعت يدها بحذر، لكنها لم تستطع أن تلمس وجهه. ترددت، هل يحق لها لمس وجهه من دون إذنه؟ رغم يقينها بأنهما حبيبان، إلا أن لمس الجسد كان أمرًا يستدعي الحذر.
ليت ذاكرتها تعود سريعًا.
شعرت أغاث بالأسى لحالها، بلا أي ذكريات عن ماضيها. أرادت أن تعرف كيف تحولت علاقتها بنقيب نبيل المكانة، وهي مجرد امرأة عادية، إلى علاقة حب، من دون أن يفوتها أي تفصيل. أرادت أن تنقش ذكرياتهما في جسدها حتى لا تنساها أبدًا.
لكن الواقع كان أبيض فارغًا، كصفحة لم يُكتب عليها شيء، مما جعلها تشعر بالاختناق.
سحبت يدها التائهة ونهضت من السرير.
“ما رأيك أن نتناول الإفطار في مقهى، برنش خفيف؟”
أنزل عينيه الزرقاوين عليها بلطف وهو يستشيرها. ربما بسبب أفكارها الماكرة في الصباح، تجنبت أغاث النظر في عينيه وأومأت برأسها.
“هذا غريب.”
“……”
“لماذا لا تستطيعين النظر في عيني؟ هل يمكن أن يكون…”
توقف عن الكلام وهو يتأمل عينيها بعمق. ارتبكت أغاث وشعرت بالذنب، فتوترت وهي تراقب تعابيره.
كل ما فعلته هو كبح رغبتها في تقبيل وجهه ولمسه، ثم التجول قليلًا حول السكن.
“لا شيء.”
“لا شيء ماذا؟”
سألها مباشرة. أطبقت أغاث شفتيها وخفضت بصرها.
“لا تكوني قد اشتقتِ للعودة إلى المستشفى الميداني، أليس كذلك؟”
“ماذا؟”
رفعت آغات رأسها بوجه حائر عند سؤاله. كان الرجل يحدّق فيها بإلحاح، وكأنه يقرأ أفكارها.
“لأنه اليوم الأول، لا بد أن مكان النوم كان غير مريح. صحيح أنه ليس واسعاً، لكنه ليس سيئاً للإقامة الهادئة. وإن لم يعجبك حقاً، يمكنني تجهيز مسكن آخر…”
“آه، لا. على العكس، أنا أحبّ السكن كثيراً. حقاً. لم أفكّر ولو مرة واحدة بالعودة إلى سكن المستشفى الميداني.”
قاطعت آغات كلامه ولوّحت بيدها. كانت عيناها الصادقتان تقولان إنها لم تفكّر بشيء آخر حقاً.
أومأ آشلي برأسه.
“إذن هذا مطمئن. ظننتُ أنكِ تجدين مكان النوم غير مريح، وأنكِ ترغبين في العودة يا آنسة آغات.”
“المستشفى الميداني ليس بيتي أصلاً.”
كان في صوتها المنخفض ما يوحي وكأنها تعرف مسبقاً أنها لا تملك مكاناً تعود إليه غير المستشفى الميداني.
هل سمع من أحد أنها نشأت في ميتم القديس نيكولاوس، وأنها أصبحت ممرضة مرافقة للجيش بفضل رسالة توصية كتبتها الراهبة المديرة؟
ربما سأل الممرضة المناوبة العليا، فلا بد أن أوراق التقديم موجودة لديها.
في المستشفى الميداني، كان الاثنان دائماً قريبين من بعضهما، وكانت تناقشه حتى في الأمور الصغيرة، لذلك لم يكن شعوره مريحاً.
كان بإمكانها دائماً أن تفعل أشياء من دون علمه، وأن تحصل على مساعدة من أشخاص آخرين من دونه. ليس في ذلك ما هو جديد، ومع ذلك لماذا يشعر بانقباض مزعج في صدره؟ لماذا يبدو الهواء خانقاً؟
لكن القناع الذي ارتداه منذ طفولته كان ملتصقاً بإحكام، لذلك لن يظهر ما في داخله أبداً. هو فقط يتحدث معها بأدب، كما تعلّم.
“هل نبدّل ملابسنا ونخرج؟”
~~~~~~~~~~~~~~~~
لأن الوقت تجاوز الحادية عشرة صباحاً، كان الهواء في الخارج خانقاً ورطباً. لا بد أن الصيف، الذي تشتد فيه الحرارة فعلاً، قد حلّ.
رفع آشلي نظره إلى الشمس المتوهجة، ثم ألقى نظرة جانبية على آغات التي كانت تمشي بخفة وهي تضع يدها على ذراعه.
رغم الحرارة المرتفعة، كانت تنظر حولها بعينين مليئتين بالفضول من دون أن تبدو عليها علامات التعب.
كان حي مانكرو رقم 1، حيث تصطف ثلاثون فيلا، قرية هادئة. حول السكن الرسمي كانت هناك مطاعم ومتاجر ومكتبة صغيرة، وإذا استقلّ المرء سيارة لمدة ثلاثين دقيقة تقريباً، يصل إلى المنطقة المزدحمة.
كان آشلي قد رتّب برنامج اليوم مسبقاً في ذهنه بحسب الوقت، ولذلك، رغم أنهم تأخروا قليلاً، قادها إلى المقهى.
بعد تناول الإفطار، سيذهبان إلى المنطقة المزدحمة لشراء مواد غذائية لملء المخزن. بعد ذلك سيشتري لها ملابس، ثم يذهبان معاً إلى فرع البنك المركزي.
كان المقهى ذو المظلّة الخضراء قريباً نسبياً.
في داخل المقهى، كان جنديان يجلسان إلى الطاولة اليمنى. وعلى الطاولة اليسرى، كان جندي وامرأة شابة تبدو زوجته يستمتعان بوجبة برنش.
ما إن رأت آغات الجنديين اللذين يرتديان الزي العسكري الكحلي الداكن حتى ارتعشت كتفاها لا شعورياً.
التعليقات لهذا الفصل " 25"