الفصل 7. ليس أنتَ ، بل شقيقك.
“إذًا، هل لا تزال تلك المرأة تنتظر كل يوم؟”
سأل سيباستيان وهو مستلقٍ كالعاطلين على أريكة كبيرة أمام مدفأة تشتعل فيها نيران حمراء، بينما يتناول البسكويت بكسل.
وعلى عكس ادعائه المرض، كانت حالة الصبي الصحية، الذي يعد ضخمًا مقارنة بأقرانه، في غاية النشاط والقوة.
“نعم. يبدو أنه ليس بيدها حيلة، فلديها ساعات عمل محددة.”
أجابته السيدة ويلو، ليرد سيباستيان بغطرسة: “تشه، كان عليها أن تستسلم بسرعة بدلًا من إزعاجي.”
ثم تمتم وهو يتذكر المعلمة الجديدة التي كانت تبدو كفرخ غراب مريض: “لكن يبدو أنها تملك إرادة أقوى من أولئك العلماء.”
التقطت السيدة ويلو طرف الحديث بسرعة قائلة: “لا تقلق يا سمو الأمير. لقد أخبرتها أن ترتاح أثناء انتظارها، لذا لن تشعر بضيق كبير. كما طلبتُ من الخادمات الاعتناء براحتها جيدًا، تمامًا كما فعلنا مع المعلمين السابقين.”
“ومن قال إنني قلق؟ حتى لو كانت تنتظر الآن، فمن الواضح أنها ستستسلم قريبًا. الاعتناء بها ليس سوى تضييع للوقت!”
رفع سيباستيان صوته فجأة، فقد استشاط غضبًا بمجرد تذكره لوجوه أولئك الذين اقتربوا منه بصفتهم معلمين ثم رحلوا بمزاجهم.
“أي راحة هذه! أخبري الطباخ ألا يقدم لها أكثر من قطعة خبز واحدة من الآن فصاعدًا. تشه، المتسولة يجب أن تأكل كالمتسولين. كيف تجرؤ على التهام طعام القصر الملكي؟”
“أمرك يا سمو الأمير.”
“وقلتِ إن مكان الدرس قد تم تغييره لتلك الغرفة، أليس كذلك؟”
“نعم، فعلتُ كما أمرت.”
“وذلك الشخص سيعود قريبًا؟”
“نعم، سمعتُ أنه سيعود الأسبوع القادم.”
“جميل، سأتمكن من التخلص من أحد الأشياء التي لا تعجبني.”
أطلق سيباستيان ضحكة ساخرة وأضاف: “هل تظن حشرة مثلها أنها تستطيع البقاء بمرونة في قصر لا يناسبها؟ لتدعها تعاني قليلًا!”
على عكس توقعات سيباستيان، كانت أوليفيا في غاية الراحة.
الجلوس بهدوء على أريكة مخملية فاخرة وقتل الوقت لمدة سبع ساعات وحدها كان، حقًا، أسهل عمل قامت به في حياتها.
قد يبدو الأمر مملًا للبعض، لكن بالنسبة لأوليفيا التي لم تذق طعم الراحة منذ سنوات، كان ذلك الملل مبهجًا لدرجة السحر.
العيب الوحيد كان شعورها بالجوع.
لسبب ما، بدأت كمية الطعام التي تُقدم لها منذ أيام قليلة تقل بشكل مبالغ فيه.
قطعة خبز صغيرة مدهونة بالزبدة مع الماء، أو وعاء من حساء الخضار؛ كان هذا كل ما تحصل عليه، بل إنهم توقفوا عن تقديم وجبة الغداء لها تمامًا، فكان عليها أن تظل جائعة.
ورغم استغرابها من هذا التمييز المفاجئ، إلا أنها لم تكن تملك الرغبة في المجادلة.
فهي في الأصل تأكل قليلًا، كما أن الجوع أثناء العمل كان أمرًا معتادًا بالنسبة لها في الماضي، لذا لم يكن الأمر مؤلمًا كثيرًا.
كان هناك ما يشغل بالها أكثر من الطعام.
‘كيف أخرج الأمير المحبوس في غرفته؟’
مهما كانت الراحة المفاجئة حلوة المذاق، لا يمكنها الاستمتاع بها دون حياء.
أوليفيا شخص يخلص في عمله، وبما أنها وقعت العقد، فهي ملزمة بتعليم الأمير الصغير بجدية.
لا يمكنها أن تكون ‘طفيلية’ تأكل طعام القصر دون تحمل مسؤولية العمل الذي تتقاضى عليه أجرًا.
لذلك، كانت تجلس بهدوء على الأريكة، أو تقف عند النافذة الباردة تراقب الحديقة، وتفكر بجدية في طريقة لجذب سيباستيان إلى الدرس.
ولأن الغرفة تقع في أقصى زاوية من الجناح الغربي حيث لا يمر أحد تقريبًا، كان الهدوء يلف المكان لدرجة أنها تسمع صوت أنفاسها، مما ساعدها على التركيز في التفكير.
لكن ذلك الهدوء كان يجلب النوم أيضًا.
مر أسبوع وهي تنتظر الأمير الصغير طوال اليوم وتفكر في الحلول.
ويبدو أن الراحة التي نالتها بعد سنوات من الركض كانت حلوة جدًا؛ فبينما كانت أوليفيا تجلس بوضعية مستقيمة على الأريكة الحمراء، غطت في النوم ورأسها منحنٍ.
“هاه.”
فتحت عينيها بذعر عندما أدركت أنها نامت، لتجد الرؤية مظلمة تمامًا.
كان الظلام يملأ غرفة الاستقبال الصغيرة، وسكون ليل الشتاء قد حل فوق الأشجار العارية خارج النافذة.
تفقدت ساعة الحائط لتجدها التاسعة تمامًا. آخر مرة تفقدت فيها الوقت كانت حوالي الرابعة والنصف، مما يعني أنها نامت لأكثر من أربع ساعات.
لحسن الحظ لم تمر أي خادمة من هنا، وإلا لكانت قد كُشفت وهي تغط في النوم أثناء ساعات العمل.
احمرت وجنتا أوليفيا خجلًا وهي تنهض مسرعة وتغادر الغرفة.
وبينما كانت تهم بالتوجه إلى الرواق، غيرت مسارها فجأة نحو الحديقة.
فكرت أنه ليس من الجيد أن يراها أحد الموظفين وهي تتجول في هذا الوقت، لذا فمن الأفضل الالتفاف حول الحديقة.
كانت حديقة قصر فيليتشر تبدو مهجورة لدرجة لا تُصدق بالنسبة لحديقة ملكية. ولم يكن السبب شتاءً فقط، بل كانت هناك أشجار كثيرة لم يتم تقليمها بشكل صحيح.
من خلال مراقبتها لعدة أيام، أدركت أن بستاني القصر موجود بالفعل، لكنه كان شخصًا يكتفي بتنظيم الأماكن الظاهرة فقط ويغادر مبكرًا.
وكان بقية الموظفين يغضون الطرف عن تصرفه هذا، أما جيفري، الخادم الوحيد في القصر، فكان لديه من الأعمال ما يجعله غير قادر على الالتفات للحديقة.
بفضل ذلك، سارت أوليفيا في الحديقة وسط الرياح الشتوية القارصة دون خوف من مقابلة أحد.
ولكن بعد خطوات قليلة، رأت ضوءًا في قلب الظلام الحالك.
‘هل هو ضوء القمر؟’
ظنت أن ضوء القمر قوي اليوم فنظرت للسماء، لكنها وجدت القمر الساطع مختبئًا خلف الغيوم، وكان الضوء ينبعث من مكان غير متوقع تمامًا.
بالقرب من بركة صغيرة، وبين الأشجار الشتوية العالية حيث تداعب الرياح الأغصان، لم يكن هناك قمر، بل كان هناك بشر.
اتسعت عينا أوليفيا وهي ترى خصلات الشعر الذهبية التي لم تفقد بريقها حتى في منتصف الليل وهي تتطاير مع الريح فوق جبهة ناصعة.
بشرة شاحبة تتألق وكأنها تشرّبت ضوء القمر، جسر أنف مستقيم أكثر من أشجار الشتاء، خط فك حاد، وجسد منضبط لا يتحرك رغم البرد.
صاحب ذلك المظهر المتألق، الذي يصعب التمييز بينه وبين تمثال منحوت، كان بلا شك صاحب عملها؛ ناثانيل سيمور.
وفي اللحظة التي عرفته فيها، التفت ناثانيل بنظره نحوها. وعندما تأكد من وجه أوليفيا، رفع حاجبيه ببطء.
“تحية لسمو الأمير.”
شعرت بنظرته الحادة تمسح جبينها للحظة، وبمجرد أن حنت رأسها بسرعة، انطلق صوته الناعم: “آنسة هاربر، نلتقي في مكان غير متوقع. هل كنتِ تتنزهين في الحديقة؟”
“خرجتُ لألقي نظرة قصيرة وأنا الآن في طريقي للعودة إلى السكن. أعتذر لأنني أزعجتُ راحتك دون قصد.”
“أنا أيضًا كنتُ على وشك العودة. سأرافقكِ إلى السكن.”
“ماذا؟”
رفعت أوليفيا رأسها متفاجئة.
التنزه مع صاحب العمل في يوم ارتكبت فيه مخالفة إهمال العمل؟ إنه أمر تود بشدة أن ترفضه.
“شكرًا لك، لكن لا بأس. يمكنني الذهاب وحدي تمامًا، فالمكان ليس خطرًا.”
“لا يمكنني ترك معلمة شقيقي تذهب وحدها في مثل هذا الوقت المتأخر. هيا بنا.”
ولكن بما أن ناثانيل قد بدأ بالسير بالفعل، لم يكن أمام أوليفيا، التي ليست سوى موظفة، إلا أن تتبعه بهدوء.
كان ولي عهد فالوريس طويل القامة جدًا. كان أطول منها برأس كامل، وظهره العريض كان كفيلًا بإخفاء جسدها الضئيل تمامًا.
أما ساقاه، فبالطبع لا يمكن مقارنتهما بساقيها. ولأنه كان لطيفًا ووازن خطواته لتتمكن من اللحاق به، لم يكن من الصعب عليها مواكبة سرعته.
بينما كانت تتبعه، كانت أعينهما تلتقيان أحيانًا، فيبتسم لها ابتسامة مرسومة بعناية، مما جعلها تشعر وكأن بصرها سيُخطف إن استمرت في النظر، فكانت تخفض رأسها باستمرار.
وأثناء سيرهما، خطرت ببالها فكرة أن هذه فرصة جيدة.
فرصة من الفرص القليلة التي قد تمكنها من تغيير وضعها الحالي. شعرت بالقلق من ضياعها، ففتحت فمها بحذر وقالت: “عذرًا، سمو الأمير. هل يمكنني أن أسألك عن بعض الأمور التي تثير فضولي؟”
“…بالطبع.”
في تلك اللحظة الخاطفة، مر بريق بارد وبشكل مفاجئ في عيني ناثانيل الزرقاوين.
وعندما أغمضت أوليفيا عينيها وفتحتهما من شدة الارتباك، لم تجد سوى تلك النظرة المثالية والودودة كما كانت.
‘ربما أخطأتُ الرؤية بسبب الظلام’.
بناءً على ذلك، تابعت أوليفيا حديثها بأمل: “ما هي الأطعمة التي يفضلها الأمير سيباستيان؟”
“أنا لا أهتم كثيرًا بالطعام… نعم؟”
“ألا يملك وجبات خفيفة مفضلة؟ وأيضًا، ما هي الأنشطة التي يستمتع بها؟ رأيتُ في المرة السابقة كتبًا كثيرة مكدسة بجانب أريكة غرفة الاستقبال، فهل يحب القراءة؟ أم يفضل الأنشطة الخارجية؟”
ربما لأن الكثير قد تراكم بداخلها في الأيام الماضية، لم تستطع التوقف عن إلقاء الأسئلة.
ولم تصمت أوليفيا إلا عندما لاحظت أن ناثانيل ينظر إليها بذهول وهو يحرك عينيه بارتباك وكأنه في حالة حيرة.
“أعتذر. لقد أطلتُ في الكلام، أليس كذلك؟”
“لا، لا بأس. تقصدين… الأشياء التي يحبها شقيقي، سيباستيان؟”
‘ليس أنا؟’
أضاف ناثانيل ذلك بذهول.
“نعم؟ نعم.”
كانت إجابة أوليفيا واضحة تمامًا.
وبقدر هذا الوضوح، ساد صمت عميق في أرجاء الحديقة الشتوية.
“…آه! بالطبع، إذا أخبرتني بما تحبه أنت أيضًا يا سمو الأمير ناثانيل، فسأضعه في اعتباري.”
حاولت أوليفيا الضحك لإزالة الجو المحرج، لكن الكلمات بدت كمجاملة واضحة لم يكن هناك داعٍ لإضافتها.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 7"