الفصل 6. إنه بسبب المال تمامًا.
مراعاةً لأوليفيا التي لم تحفظ طرق القصر الملكي بعد، قام ريجان، الفارس الذي التقت به بالأمس، بإرشادها حتى غرفة استقبال سيباستيان.
طرق الباب، لكن لم يأته رد من الداخل.
يا له من موقف مألوف.
“سأدخل.”
في النهاية، فتح ريجان الباب وخطت أوليفيا بحذر إلى الداخل.
في تلك اللحظة، رُشق نحوها سائل تفوح منه رائحة حلوة دون تردد. لقد كان عصير برتقال.
موقف مألوف حقًا.
بيد أن هناك شيئًا واحدًا قد تغير، وهو أن أوليفيا استعرضت حركة جسدية مذهلة هذه المرة وتجنبت وابل العصير.
‘قال إن الأمر لن يتكرر؟ أي كلام هذا’.
بالطبع، لم تصدق أوليفيا كلام كبير الخدم. فبفضل ما عانته على يد ابن البارون دروشوار، الذي كان يُلقب بـكابوس دروشوار، اكتسبت مناعة كافية.
بفضل ذلك، لم تقع أوليفيا في الفخ نفسه مرتين، لكن للأسف، وبسبب ضعف لياقتها البدنية، فقدت توازنها للحظة وهي تحاول تجنب العصير.
“هل أنتِ بخير؟”
كان ريجان هو من أنقذها من خطر السقوط على وجهها.
وبفضل إمساكه بكتفها، نجا جسدها من الارتطام بالأرض.
بالنسبة لأوليفيا، كان هذا أمرًا يستحق الامتنان، لكن سيباستيان اعتبره خيانة واشتعل غضبًا.
“ماذا تفعل؟ لماذا تمسك بها؟ أنت فارسي الشخصي، كان عليك حمايتي أنا، فلماذا تساعد كاذبة كهذه؟”
“المعذرة يا سمو الأمير، لكن مساعدة سيدة في خطر هو واجب الفارس.”
“سيدة؟ لا تجعلني أضحك! أتقول هذا بعد رؤية هيئتها الشبيهة بالمتسولين؟”
بينما كان الحوار يدور بينهما، قامت أوليفيا بنفض ثيابها المجعدة وترتيبها.
“مرحبًا يا سمو الأمير. أنا أوليفيا هاربر. سأكون مسؤولة عن تعليمك ابتداءً من اليوم بصفتي معلمتك.”
بعد أن هندمت مظهرها، حنت أوليفيا خصرها بأدب وحيت سيباستيان.
اندهش ريجان قليلاً وهو يراها تُعرف بنفسها بكل هدوء وكأن شيئًا لم يحدث.
من ناحية أخرى، كان وجه الصبي ذو الأحد عشر عامًا، الواقف أمام النافذة المزينة بالزجاج الملون وهو يكتف ذراعيه، متجهمًا إلى أقصى حد.
كانت عيناه الزرقاوان المليئتان بالعداء تتوسطان وجهه الصغير وتلمعان كالجواهر.
وحتى هذا الوجه بدا جميلاً جدًا في عيني أوليفيا!
…وبالطبع، لم يكن هذا بسبب المال أبدًا.
“سمو الأمير، أرجو أن تمتنع عن سكب العصير هكذا مستقبلاً.”
الجمال شيء، والتوجيه شيء آخر.
نظرت أوليفيا إلى بقعة عصير البرتقال الداكنة التي تركت أثرًا على السجادة الجديدة التي فُرشت بالأمس وتابعت: “إذا كنتَ لا تستسيغ وجودي، فأرجو أن تعبر عن ذلك بطريقة أخرى.”
“ها! أنتِ تمزحين. لماذا عليّ أن أفعل ذلك؟”
“لأن هذا ينافي الأدب، كما أنه يتعب الخدم في التنظيف، و أيضًا لأن جسدي ضعيف جدًا. إذا غمرني مشروب بارد في يوم شتوي قارص كهذا، فمن المؤكد أنني سأصاب بالزكام.”
“ما شأني أنا إن أصبتِ بالزكام أو حتى متّ؟ ثم إن شخصًا فقيرًا مثلكِ لا بد أن الزكام هو رفيقه اليومي، أليس كذلك؟”
فغر ريجان، الذي نسي ضرورة المغادرة وظل يراقب الموقف باهتمام، فاه من الذهول. فرغم علمه بسوء طباع الأمير الذي يخدمه، لم يتخيل أن يصل الأمر إلى هذا الحد.
نظر لا إراديًا إلى وجه أوليفيا ليرى رد فعلها، لكن رد فعلها كان مذهلاً بالقدر نفسه.
“نعم. في حيّنا، نصاب به كأنه أمر روتينى. ويموت بسببه الكثيرون أيضًا. ففي العام قبل الماضي ماتت ‘آنا’ التي تعمل في المخبز بسببه، وفي الشتاء الماضي مات ‘بول’ الذي كان معروفًا بقوة جسده. الزكام مرض مخيف حقًا. وربما أموت أنا أيضًا هذا العام.”
وعلى عكس المحتوى المرعب لكلامها، كان وجهها هادئًا تمامًا. بل أكثر من الهدوء، كان يشع بفيض من الاسترخاء الغامض.
في الواقع، كان عقلها مرتاحًا دون أدنى اضطراب.
لذا، لم يكن الأمر بسبب المال أبدًا…
حسنًا، في الحقيقة، إنه بسبب المال.
فراحة البال التي يمنحها الأجر الضخم ليس من السهل كسرها.
“ولكن، إذا متُّ هكذا في هذا القصر الملكي وأمام عينيك يا سمو الأمير… ألن يتألم قلبك؟ إذا كنتَ حقًا لا تمانع ذلك، فاسكب عليّ العصير مجددًا الآن. لن أتجنبه هذه المرة وسأستقبله بجسدي.”
“أتظنين أنني لن أفعل إن قلتِ ذلك؟”
رفع سيباستيان زجاجة العصير الأصفر عاليًا.
أغمضت أوليفيا عينيها باستسلام.
وبدت هيئتها فعلاً، لدرجة جعلت سيباستيان نفسه يتساءل إن كان من المقبول فعل ذلك، ضعيفة جدًا.
لم تكن ضعيفة فحسب، بل بدت ضعيفة وفقيرة.
بشرتها البيضاء التي بدت وكأنها لم ترَ الشمس قط كانت شاحبة وخالية من الدماء، وأطرافها كانت أنحف ما رآه طوال حياته في القصر.
سيباستيان، الذي ولد أميرًا، لم يكن يعرف شيئًا عن الفقر، لكنه شعر بوضوح أن شخصًا بهذه الهيئة قد يموت بسهولة شديدة إذا أصيب بالزكام أو أي مرض آخر.
وإذا ماتت هذه المرأة الفقيرة حقًا، فسيكون هو في موقف حرج.
“… تشه، عصيري أغلى من أن أسكبه على أمثالك! وفوق هذا، هل تجرأتِ وكذبتِ عليّ بالأمس؟”
لأنه كره بشدة أن يدعها تظن أنها انتصرت، قام سيباستيان بتغيير الموضوع بسرعة.
“المعذرة؟ أنا كذبت؟”
“ضربتِ جبهتي دون أن تعرفي قدركِ، ثم ماذا؟ قلتي إنكِ كنتِ تحاولين اصطياد بعوضة؟”
“يا إلهي، هل حقًا لم ترها يا سمو الأمير؟ تلك البعوضة التي كانت تستهدف جبهتك.”
خبرة سنوات في مهن الخدمات.
التظاهر باللطف رغم الكره، والتمثيل بأن غير الصحيح هو الصحيح؛ لم يكن ذلك أمرًا صعبًا على أوليفيا.
“تلك الحشرة السوداء البشعة التي كانت تنوي غرس إبرتها الحادة في جبهتك الناعمة لتسرق دماءك النبيلة، هل حقًا لم ترها؟”
نكزت أوليفيا ريجان بمرفقها بشكل طبيعي.
انضم ريجان سريع البديهة إليها فورًا.
“اممم، حتى أنا رأيت أنها كانت حشرة وقحة حقًا. كانت بعوضة تبدو كبيرة وشرسة جدًا.”
“صحيح. لو لُدغت، لكانت جبهتك قد تورمت الآن يا سمو الأمير.”
“يا للهول، يا له من أمر فظيع. لو حدث ذلك، لكان قد صدر الآن أمر استدعاء وتفتيش عن البعوض في القصر.”
عند هذه النقطة، ارتبك سيباستيان.
عقله يخبره أنها تكذب بالتأكيد، لكن وجه أوليفيا كان جادًا لدرجة تفتقر لأي نبرة مزاح، وعيناها المرتجفتان كانتا تظهران مظلومية حقيقية، مما جعله يتشكك في الحقيقة.
‘وقع في الفخ’. هتفت أوليفيا في سرها بانتصار.
“أقسم لك يا سمو الأمير، لن أكذب عليك أبدًا في المستقبل. تمامًا كما أقسم فارس الملك مور في رواية <صلاة البطل>. وبالمناسبة، هل قرأت <صلاة البطل> يا سمو الأمير؟”
“أتظنين أنني لا أعرف حتى هذا؟ طبعًا—.”
بينما كانت تستغل الزخم لتطرح محتوى من الأدب الكلاسيكي بذكاء، انجرف سيباستيان معها بسرعة.
أرسل ريجان نظرات إعجاب، وغرقت أوليفيا في نشوة النصر وهي ترفع زوايا فمها سرًا بعيدًا عن أنظار سيباستيان.
لكن أمور البشر لا تُعرف نتائجها إلا في النهاية.
“يا إلهي، سمو الأمير. الاستمرار في الصراخ هكذا ليس جيدًا لصحتك.”
قطع صوت ناعم هذا التدفق الجيد للأحداث.
رفعت أوليفيا رأسها لتجد سيدة في منتصف العمر قد دخلت من الباب المؤدي لداخل الجناح.
كانت السيدة ترتدي ثيابًا براقة وراقية تليق بنبرة صوتها الأنيقة.
شعرها الأشقر اللامع كان مربوطًا للأعلى بعناية، وبفستانها الساتان الأزرق ووشاحها الأجنبي الفاخر، بدت تمامًا كسيدة مجتمع راقية.
جسدها الممتلئ أعطى انطباعًا بالرخاء والسعة، لكن بسبب وقفتها المستقيمة ونظراتها الباردة، كان يفوح منها جو من الغطرسة أكثر من الدفء.
“مرحبًا. أنا روزالي ويلو.”
كان اسمًا سمعته في غرفة الطعام.
ففي صباح اليوم فقط، كان الكثير من الخدم يتنهدون أو يرتجفون عند ذكر السيدة ويلو. بينما كانت بعض الخادمات يرفعن ذقونهن بغطرسة ويتباهين باسمها بفخر.
بناءً على خبرتها في العمل في أماكن متنوعة، كانت هذه السيدة بالتأكيد…
“أنا المربية التي تخدم الأمير سيباستيان منذ لحظة ولادته.”
هي صاحبة النفوذ الحقيقية في قصر فيليتشر.
“…أنا أوليفيا هاربر. سأكون مسؤولة عن تعليم الأمير ابتداءً من اليوم.”
بغض النظر عن كيف أصبحت مربية الأمير الصغير (وليس ولي العهد) صاحبة سلطة فعلية في القصر، فإن الوقوع في الجانب السيء من صاحبة النفوذ هو أمر مزعج للغاية، لذا حنت أوليفيا رأسها بأدب وحيتها.
بينما كانت تفكر في سرها كيف ستعيد الإمساك بزمام الأمور الذي قطعته هذه السيدة الراقية — لكن تبين أن هذا التفكير لا فائدة منه.
“أميري الصغير، لا بد أن قلبك مكلوم لدرجة أنك لم تأكل شيئًا اليوم… سيؤثر هذا على صحتك. التدريس مهم، لكن صحة الأمير هي أكبر همي. خذ الأمر بتمهل.”
“…صحيح، الآن بعد أن فكرت في الأمر، أشعر أن جسدي يؤلمني قليلاً.”
بمجرد أن اقتربت السيدة ويلو بخفة وربتت على كتف الأمير موفرة له ذريعة، تلقفها سيباستيان فورًا وكأنه كان ينتظرها.
“سأرتاح قليلاً ثم أعود للدرس، لذا انتظري هنا أيتها المتسولة. مفهوم؟”
وهي ترى وجه سيباستيان المبتسم بخبث، شعرت أوليفيا بأن درس اليوم قد ضاع.
وكما توقعت، لم يعد سيباستيان الذي غادر المكان حتى انتهى وقت الدرس لذلك اليوم.
***
ابتداءً من اليوم التالي، تغيّر مكان التدريس.
كانت غرفة الدراسة الجديدة تقع في الطابق الأول من الجناح الغربي، في أقصى غرفة.
الغرفة الصغيرة ذات السقف المصمم بأناقة كانت تحتوي على طاولة وكراسي من خشب الجوز في زاوية، وفي الجهة المقابلة كانت هناك أريكة أجنبية تتسع لثلاثة أشخاص وأخرى لشخص واحد مصنوعتان من قماش المخمل الأحمر.
على الطاولة، وُضعت إطارات صغيرة تحتوي على صور لامرأتين مجهولتين، وبجانب الأريكة كانت هناك نافذة كبيرة.
ميزتها أنها أقرب للحديقة بكثير من الغرف الأخرى مما يسمح بالاستمتاع بمناظر الأشجار، لكن من المؤكد أنها ستكون باردة في الشتاء وحارة في الصيف.
الغبار المتراكم بوضوح فوق الستائر الثقيلة المنسدلة بجانب النافذة، والجو العام للغرفة، يوحي بأنها كانت تُستخدم للأعمال المكتبية سابقًا ولكنها أصبحت مؤخرًا غرفة شبه مهجورة لا تمتد إليها الأيدي كثيرًا.
لم تستطع أوليفيا التخلص من القلق بأنهم اختاروا مكانًا للتدريس هو الأبعد عن الجناح الشرقي حيث يقيم الأمير عمدًا، وبالفعل، لم يظهر سيباستيان لا في اليوم التالي ولا الذي يليه.
كان عذره دائمًا هو أنه ليس بخير، دون حتى بذل جهد في ابتكار عذر مقنع.
لم تستطع أوليفيا الاحتمال وحاولت الذهاب لمقابلة سيباستيان بنفسها، لكن الوجه الوحيد الذي استطاعت رؤيته كان وجه مربيته السيدة ويلو.
قالت السيدة ويلو إن الموقف مؤسف لكنها لا تستطيع إجبار الأمير على فعل شيء لا يريده، وطردتها من الجناح الشرقي.
وفي النهاية، قضت أوليفيا سبع ساعات يوميًا في صمت مطبق داخل الغرفة المتطرفة في الجناح الغربي، منتظرة سيباستيان وحدها.
“أرجو أن ترتاحي في مكانك.”
‘فربما يأتي الأمير يومًا ما’.
صوت المربية وهي تضيف ذلك لأوليفيا، بدا تمامًا وكأنها تقول لها إن سيباستيان لن يأتي أبدًا لذا عليها الاستسلام.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 6"