الفصل 5. كلمة <على الأرجَح> تعني التمَنّي.
“سأُعَرِّف بنفسي مجددًا. أنا جيفري ليد، كبير خدم قصر فيليتشر.”
تحدث الممتحن الذي التقت به مرة أخرى بنبرة مهذبة.
‘كبير الخدم’؛ إنه منصب أعلى بكثير مما توقعت.
لم تستطع أوليفيا إخفاء دهشتها وهي تنظر إليه مجددًا.
بالتأكيد كان ينضح بالنبل الذي يليق بالطبقات الراقية، لكن الهالات السوداء المستقرة تحت عينيه كانت لا تزال أبرز ما فيه.
“أرجو أن ننسجم جيدًا، يا كبير الخدم.”
“يمكنكِ مناداتي بالخادم فقط.”
“ماذا؟ لا يمكنني فعل ذلك…”
كبير الخدم والخادم رتبتان مختلفتان تمامًا.
فكبير خدم العائلة الملكية ليس مجرد شخص يدير شؤون القصر، بل هو شخصية رفيعة المستوى تنظم وتشرف على الفعاليات الملكية، ويمكنه تقديم المشورة للملك مباشرة، ومعظمهم ينحدرون من عائلات نبيلة عريقة.
إنه في مكانة لا يمكن مقارنتها بخادم عادي يشرف على قصر ما.
“الأمر لا بأس به حقًا. ففي هذا القصر، لا يوجد خادم غيري على أي حال.”
اتسعت عينا أوليفيا من الدهشة مرة أخرى.
خادم واحد فقط في هذا القصر الواسع؟ إنه أمر لا يصدق.
فعادةً ما تمتلك القصور الكبيرة ثلاثة أو أربعة خدم على الأقل لضمان سير الأمور بشكل طبيعي.
الآن، بدأت أوليفيا تفهم لماذا تبدو الهالات السوداء تحت عيني جيفري وكأنها وشم محفور.
“حسنًا، يا سيد جيفري.”
أرادت أن تسأله عن سبب عدم وجود خدم آخرين، لكنها ابتلعت كلماتها.
بناءً على خبرتها في العمل في وظائف متنوعة لسداد ديون والدها، علمت أن من الأفضل عدم محاولة إشباع الفضول الذي لا علاقة له بالعمل.
بدا أن حكمها كان صائبًا، فقد ابتسم جيفري برضا وتابع حديثه: “قبل البدء بالدروس بشكل فعلي، سأشرح لكِ تفاصيل العمل. ساعات العمل من الاثنين إلى الجمعة، من العاشرة صباحًا حتى الخامسة مساءً. سبع ساعات يوميًا بما في ذلك ساعة الغداء. بعد ذلك، يمكنكِ استخدام وقتكِ بحرية. لكن، من الأفضل عدم مغادرة القصر كثيرًا؛ لأن إجراءات الدخول والخروج معقدة للغاية.”
“فهمت.”
“المواد التي ستدرّسينها هي لغة بلفاست للمستوى المبتدئ، والأدب الكلاسيكي، ومبادئ الرياضيات والمحاسبة. نأمل أن نصل إلى الرياضيات المتقدمة تحسبًا لاحتمالية عودته للمدرسة مستقبلاً… لكن في الحقيقة، هذه الأمور ليست هي الأهم. هناك شيء آخر أريدكِ يا آنسة هاربر أن تركزي عليه في تدريسكِ.”
“ما هو؟”
نظر كبير الخدم، الذي صفف شعره الرمادي بأناقة، إلى أوليفيا بجدية فجأة. وبدت مشاعره اليائسة واضحة في عينيه السوداوين.
ابتلعت ريقها بتوتر وهي تشعر بجدية الموقف.
“الأخلاق والآداب.”
‘آه’. تنهدت أوليفيا دون قصد.
تسرع جيفري في التوضيح، وكأنه أساء فهم تنهيدتها: “لا نطلب الكثير. كل ما نرجوه هو أن يستخدم الأمير سيباستيان لغة أكثر… تهذيبًا، ولو قليلاً.”
“لغة مهذبة…”
“نعم، وسيكون من الرائع أيضًا لو اكتسب سلوكًا رصينًا يليق بالبروتوكول. سموه ذكي للغاية، وإذا عقد العزم، فسيتعلم بسرعة. على الأرجح…”
انخفض صوته تدريجيًا وكأنه يفتقر للثقة فيما يقوله.
وهذا أمر طبيعي، فالأمير الصغير الذي لم يعقد ذلك العزم لسنوات، هو نفسه من سكب العصير على أوليفيا بالأمس فقط.
“…أفهم ما تقصده. رغم أنني لا أعرف الكثير عن بروتوكول القصر، إلا أنني سأبذل قصارى جهدي.”
على عكس توقعات جيفري، كان رد فعل أوليفيا هادئًا.
رغم أنها كانت تملك الجسد الأصغر والأنحف بين جميع المعلمات اللواتي عملن في قصر فيليتشر، إلا أن رباطة جأشها لم تكن صغيرة أبدًا.
تأثر الخادم المنهك من منتصف العمر بشدة.
“ولكن، لدي بعض الأسئلة…”
“بالتأكيد، اسألي عن أي شيء.”
“ما هو ترتيبي بين المعلمين الذين مروا عليه؟”
اهتزت عينا جيفري اللتان كانتا تلمعان بالأمل فجأة. وبدا واضحًا على وجهه تساؤله عن كيفية معرفتها بذلك.
‘إذا جلست في غرفة الطعام لمدة ساعتين، ستسمع الكثير من الأشياء.’
ابتلعت أوليفيا هذه الكلمات مراعاةً للخادمات الأخريات.
فبينما كانت تأكل ببطء شديد في غرفة الطعام، حصلت على الكثير من المعلومات عن هذا القصر. وكانت حقيقة وجود معلمين سابقين ومغادرتهم لأسباب سيئة إحدى تلك المعلومات.
“من كانوا، ولماذا استقالوا؟”
أمام هذا السؤال الحاد، حرّك جيفري شفتيه الجافتين عدة مرات وهو ينظر إلى أوليفيا.
كان مظهرها وهي تجلس بوقار بفستانها الخالي من أي زخرفة، منتظرة الإجابة بهدوء، ينم عن رصانة وأناقة لا تقل عن أي سيدة مجتمع رفيعة.
لم يستطع جيفري الكذب عليها وهو يراها هكذا.
أغمض عينيه بشدة واعترف بالحقيقة، مما جعل أوليفيا تشعر برغبة في إغماض عينيها هي الأخرى.
“أنتِ الثامنة.”
لقد كانت المعلمة الثامنة.
كان من الغريب أن تتاح فرصة تعليم الأمير لشخص مثلها، ابنة عائلة منهارة وبخبرة محدودة، لكن اتضح أن الجميع قد جربوا حظهم وجاء دورها في النهاية.
“المعلمان الأول والثاني كانا من العلماء المرموقين. استقالا قائلين إنه لا يمكنهما التدريس لأن الأمير لا يشارك في الدروس بشكل صحيح. المعلمة الثالثة كانت شابة، لم تحتمل مقالب الأمير وخرجت باكية، والرابع خرج غاضبًا لسبب مماثل.”
“أي نوع من المقالب كانت؟”
“لم تكن… مقالب قاسية جدًا. اممم، لقد أهدى السيدة الشابة حيوانًا صغيرًا ولطيفًا… يبدو أنه لم يكن يعلم أنها لا تحب ذلك الحيوان.”
“أي حيوان كان؟”
‘هل من الضروري حقًا أن تعرفي؟’، سألها جيفري بعينين بائستين. تظاهرت أوليفيا بعدم الفهم ورمشت بعينيها فقط.
“كان يملك فراءً أبيض ناعمًا جدًا، وأذنين كبيرتين ومستديرتين جميلتين… نعم، كان فأرًا. فأرًا صغيرًا وأنيقًا جدًا.”
كانت محاولته لوصف الفأر بأنه ‘لطيف’ محاولة مثيرة للشفقة.
سعل جيفري لإخفاء إحراجه مما قاله وتابع: “أما الرابع… فكانت المشكلة أن الأمير وضع الخمر في كأسه سرًا.”
“يبدو أنه لم يكن يشرب الخمر.”
“لقد كان رجل دين. وللأسف شربه قبل وقت الصلاة مباشرة.”
“آه.”
تابع جيفري بابتسامة مريرة، وقد بدا عليه الاستسلام.
“المعلم الخامس طُرد بعد اكتشاف أخذه لرشوة من الأمير، والسادس كان شخصًا وصل لمرحلة الحكماء، لكنه لم يستطع كبح غضبه وانفجر شاتمًا الأمير فجأة…”
“هل ذهب للسجن؟”
“بالطبع لا. غادر بعد حصوله على تعويض مالي.”
تنفست أوليفيا الصعداء وهي تتذكر لحظة نقرها لجبهة سيباستيان.
“أما السابعة، فكانت سيدة قضت حياتها في الأعمال الخيرية للأيتام. بقيت لفترة أطول وكانت علاقتها بالأمير جيدة نوعًا ما، لكنها للأسف استقالت وغادرت فجأة دون كلمة منذ مدة قصيرة.”
“لماذا؟”
“لا أحد يعرف السبب. لكن من المؤكد أن الأمير سيباستيان جُرح بسبب ذلك. وتصرفه العنيف تجاهكِ بالأمس كان بسبب ذلك على الأرجح.”
“فهمت.”
“نعم. لكن لا تقلقي كثيرًا. فقد وبخه سمو ولي العهد بشدة، لذا لن يتكرر ما حدث بالأمس اليوم.”
‘على الأرجح’.
تمتم الخادم المنهك من البحث عن معلمين جدد بكل أمل.
ظن جيفري أن أوليفيا قد تعلن استقالتها فور سماع هذا الشرح، لكن مشاعرها كانت مستقرة.
بل إن سماع قصص المعلمين السابقين جعلها تشعر براحة أكبر؛ لأن مستوى المقالب كان أقل مما توقعته بكثير.
تلقي فأر كهدية؟ أو إجبارها على شرب الخمر؟
هذه المقالب لا تقارن بالفقر الذي عانته أوليفيا طوال حياتها.
فمنذ سن الثالثة عشرة وهي تعيل أشقاءها الثلاثة وحدها، مرت بالكثير من الأحزان والصعاب التي جعلتها صلبة.
وهذا هو السبب في أنها شعرت بالارتباك للحظة فقط عندما سُكب عليها العصير ولم تشعر بالإهانة؛ فقد واجهت مواقف أقسى في أماكن أخرى.
كان كل ما يقلقها هو التعرض للعقاب بتهمة إهانة العائلة الملكية أثناء تدريس الأمير، لكن قصة المعلم الخامس طمأنتها.
بالطبع، تولي مسؤولية طفل مشاغب غيّر سبعة معلمين ليس أمرًا مبهجًا تمامًا.
أدرك جيفري مشاعرها تلك، فقدم لها عقد العمل بذكاء، متطرقًا لأكثر ما يهم الباحثين عن عمل.
“تم تحديد الراتب بناءً على خبرتكِ وصعوبة العمل. إذا أردتِ، يمكن دفعه أسبوعيًا، وإذا أظهر الأمير تقدمًا ملحوظًا، فسنرفع الراتب بناءً على الأداء لاحقًا.”
كان الراتب المكتوب في العقد 80 قطعة سنويًا. إنه أكثر بثلاثة أضعاف مما كانت تتقاضاه من عملها في المكتبة ومنزل دروشوار مجتمعين.
مجرد هذا المبلغ كان خياليًا، فكيف وهو قابل للزيادة؟
معظم المخاوف يمكن حلها بالمال الوفير. وهكذا، رُتبت أفكارها المشوشة فجأة وبدقة.
وقعت أوليفيا على العقد دون تردد وقالت بابتسامة ناعمة: “إذًا، سأذهب للبدء بالدرس فورًا.”
لم تكن تستطيع الانتظار لتعليم ذلك الأمير اللّـطيــــف.
وبالتأكيد، لم يكن السبب هو المال.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 5"