الفصل 4. اليرقة تأكُل أيّ شيء بشهيّة.
نهضت أوليفيا مذهولة قبل أن تستقر في جلستها على الأريكة، ولوّحت بيديها نافيةً ب ارتباك.
“أنا بخير تمامًا، لذا لا داعي لأن يعتذر سموّك…”
“لا يمكن أن تكوني بخير. لا يزال شحوب وجهكِ باديًا، وأعتقد أنكِ ذُعرتِ كثيرًا.”
“لون وجهي هكذا في الأصل. كما أنني معتادة على مقالب الأطفال، لذا لم أُذعر حقًا.”
رمقتها نظرة فاحصة ببطء، وكأنها تستكشف ملامح وجهها.
أضافت أوليفيا دون أن تدرك أنها عاملت للتو أصغر أمراء فالوريس وكأنه مجرد طفل عادي من أطفال الحي: “كل ما في الأمر أن شعري أصبح حلو المذاق قليلًا، ولم تكن معضلة كبيرة. لذا لا تقلق، وأرجوك ارفع رأسك.”
“…إن كنتِ تقولين ذلك، فحسنًا”
رسمت زوايا فم ناثانيل قوسًا بطيئًا وكأنه وجد شيئًا ممتعًا.
“أشكركِ على تجاوز الأمر بسعة صدر.”
شعرت أوليفيا بوخزة ضمير وهي تستمع إليه؛ فقد تذكرت ضربها لجبهة سيباستيان بإصبعها.
‘لا، لقد كنتُ أحاول اصطياد بعوضة فحسب’.
أضافت أوليفيا بسرعة صورة بعوضة إلى ذاكرتها. ولم يطمئن قلبها إلا بعد أن تخيلت بعوضة وهمية تهدد جبهة الأمير الصغير الناصعة بشراسة.
“لا داعي لمخاطبتي برسمية يا سمو الأمير. عائلتي ليست سوى عائلة بارون متواضعة.”
“لا يمكنني فعل ذلك. فمعلمة شقيقي هي بمثابة معلمة لي أيضًا.”
حرّكت أوليفيا شفتيها دون أن تستطيع إخفاء دهشتها.
بناءً على موقف الممتحن الذي وقف في صفها وتصرفات ولي العهد الآن، بدا وبشكل مربك حقًا أنهم ينوون توظيفها كمعلمة لسيباستيان.
‘بناءً على ماذا؟’
كل ما فعلته منذ وصولها للقصر هو الشعور كفأر ريفي تحت الثريات، ثم الغرق في عصير عنب فاخر، ثم… نقر جبهة الأمير الصغير المتغطرس… لا، نقر البعوضة التي حطت على جبهته.
لماذا بحق الخالق يودون توظيف شخص لا يملك ميزة واحدة مثلها؟
لو كان والدها المتفائل مكانها لرحب بالأمر، لكن أوليفيا التي تملك ذرة من المنطق بدأت تشعر بالقلق.
‘هل هرب جميع المرشحين الآخرين؟’
قشعريرة سرت في جسدها بمجرد ورود الفكرة ببالها.
‘يجب أن أرفض’.
هكذا حذرها حدسها.
“…لقد كانت هذه المرة الأولى منذ زمن طويل التي أرى فيها سيباستيان مرتبكًا بهذا القدر.”
لكن ماذا تفعل؟ كلما تخيلت أشقاءها وهم يرتادون المدرسة، غلبها الطمع.
كما أنها لم تستطع النطق بالرفض وهي تقف أمام هذا الرجل الذي ينظر إليها بابتسامة رصينة.
بعيدًا عن وسامته، كان ينبعث منه جوّ لا يمكن المساس به.
لم يكن يتصرف بعدوانية أو تهديد، لكنه كان أصعب في التعامل من أي شخص غليظ.
لقد طغى عليها شعور بالهيبة نابع من مثاليته المفرطة.
وزاد الأمر سوءًا حين مدّ ناثانيل يده الكبيرة نحوها وهي متوترة للغاية.
“شقيقي ينقصه الكثير، لكنني أرجو أن تعتني به جيدًا من الآن فصاعدًا.”
شعرت أنها ستندم يومًا ما إن لم ترفض الآن…
“آنسة-.”
لكنها لم تستطع الرفض.
أغمضت أوليفيا عينيها بشدة وابتلعت تنهيدتها، ثم وضعت يدها بحذر فوق يده.
“أنا أوليفيا هاربر.”
“آنسة هاربر.”
ابتسم ناثانيل بخفة وقبل أطراف أصابعها بلمسة خاطفة.
في تلك اللحظة القصيرة، تشابكت نظراتهما بقوة.
كانت عينا ناثانيل اللتان تحدقان بها دون اهتزاز جميلتين مثل تلألؤ الماء تحت أشعة الشمس.
لكن لسبب ما، لم تستطع أوليفيا التخلص من شعور بأن هناك شيئًا ما يتربص تحت ذلك السطح الأزرق، شيء لا تعرفه.
وهكذا، تورطت أوليفيا مجددًا، وهي ثملة بقوة مجهولة.
وعلى الأقل هذه المرة، كان العزاء الوحيد هو أنها تورطت في عمل يدرّ مالًا وفيرًا.
لم تستعد أوليفيا وعيها الكامل إلا بعد مرور ثلاثين دقيقة تقريبًا.
في ذلك الوقت، كان الاتفاق الشفهي قد تم بالفعل؛ ستقيم في قصر فيليتشر لمدة ثلاثة أشهر على الأقل لتعليم الأمير سيباستيان.
“سأعود للمنزل اليوم أولًا. عليّ ترتيب بعض الأشياء لإحضارها…”
“لا يمكنني السماح للآنسة هاربر بالخروج في هذا الوقت المتأخر. إن كان هناك ما تودين إحضاره، فأخبري ذلك الخادم. سأحرص على أن يصل إليكِ بحلول الصباح. أو يمكننا شراء أغراض جديدة لكِ بالكامل.”
“ماذا؟ لا، لا داعي لذلك. لستُ بحاجة لأشياء جديدة، أغراضي القديمة تكفي.”
بينما كانت تحاول تجنب الهدايا التي تشكل عبئًا عليها، وجدت نفسها تقيم في القصر ابتداءً من اليوم وبشكل طبيعي.
قيل لها إن رسالة ستصل لعائلتها لذا لا داعي للقلق، لكنها شعرت بضيق في صدرها وكأنها تدخل عرين الأسد بقدميها.
ومع ذلك، كان من المحرج الآن أن تقول إنها ستعود للمنزل؛ لأن فارسًا من القصر الملكي كان يرافقها إلى غرفتها.
نظرت أوليفيا للأعلى خلسة نحو الفارس الذي يسير بجانبها.
وجهه الوسيم وتعبيراته المليئة بالمرح بدت مألوفة.
كانت مشيته خفيفة للغاية بالنسبة لفارس ملكي، وهو نفسه الشخص الذي وقف في صفها في غرفة الأمير سيباستيان قبل قليل.
‘ماذا كان اسمه؟’
“هذه هي الغرفة.”
تلاقت نظراتها مع الفارس ذو الشعر الأحمر في لحظة تفكيرها.
ابتسمت أوليفيا بشكل طبيعي وكأنها لم تكن تسترقه النظر.
“نعم، شكرًا لك على إرشادي.”
“لا شكر على واجب.”
ظنت أنه سيرحل فور انتهاء مهمته، لكن الفارس بقي مكانه ينظر إليها.
نظرت أوليفيا إلى عينيه الخضراوين بتساؤل.
حينها مالت عينا الفارس بمرح وتابع بصوت أكثر ودية: “أنا ريجان فريزر. الابن الثاني لعائلة الكونت فريزر، وأعمل حاليًا كحارس شخصي للأمير سيباستيان.”
“آه. أنا أوليفيا هاربر، الابنة الكبرى لعائلة البارون هاربر.”
‘رغم أنها عائلة منهارة’، ابتلعت أوليفيا كلماتها بحذر.
“سنلتقي كثيرًا من الآن فصاعدًا. أرجو أن ننسجم جيدًا.”
“نعم، وأنا أيضًا يا سير ريجان.”
أجابت ببرود قليل بسبب ثقل الواقع الذي يواجهها، فابتسم ريجان باتساع وكأنه وجد رد فعلها ممتعًا، ثم اختفى بخطواته النشطة المعهودة.
التفتت أوليفيا ووجهها مليء بالقلق، غير آبهة برحيله.
لكن بمجرد أن فتحت الباب ورأت الغرفة المخصصة لها، تغير رأيها تمامًا.
‘واسعة!’
أوسع من غرفتي التي لم يكن فيها مكان لموضع قدم!
‘نظيفة!’
أنظف بكثير من بيتنا الذي لم تذهب عنه الأوساخ مهما نظفناه!
‘دافئة!’
لا يمكن مقارنتها بغرفتي التي يتسلل إليها البرد من خلال النوافذ الرقيقة!
كانت الغرفة التي تفوح منها الحرارة الدافئة هي البيئة المثالية التي تحلم بها أوليفيا.
السرير بدا جديدًا، وخزانة الملابس كانت كبيرة، والطاولة بدت أمتن من تلك الموجودة في منزلها.
جلست بحذر على السرير الناعم، فغمرتها ليونة لم تعهدها من قبل.
بناءً على ما سمعته سابقًا، الطعام مجاني والتنظيف سيقوم به غيرها. ورغم أنها لم تسمع عن الراتب بدقة بعد، إلا أن الأجواء توحي بأنه لن يكون قليلًا أبدًا.
‘رغم قلقي على أشقائي، إلا أن ثيودور كان يتولى مسؤولية التوأم منذ فترة، فلا داعي للقلق الكبير…’
بينما كانت أفكارها تتوالى، اختفت الظلال السوداء عن وجه أوليفيا تدريجيًا وحلت محلها ابتسامة مشرقة كشمس الربيع.
‘حسنًا، سأجرب الأمر أولًا’.
لن تموت اليرقة إذا أكلت أوراقًا ذهبيّة بدلًا من أوراق الصنوبر ليوم واحد.
وإذا شعرت بوعكة في معدتها، فستتوقف عن الأكل حينها.
وهكذا تراجعت أوليفيا عن أفكارها السابقة بسهولة وقررت: ‘بما أن الأمور آلت إلى هذا، سأبذل جهدي في التعليم’.
مهما كان الطفل مثيرًا للمشاكل، يظل في النهاية طفلًا. إذا علّمته بصدق وإخلاص، فلا بد أن يفتح قلبه.
بالإضافة إلى أن تعليم الأطفال ورعايتهم هو مجال تخصصها، لذا لا داعي للخوف.
“…على الأرجح” … تمتمت أوليفيا بصوت خافت.
***
استيقظت مبكرًا في الصباح ونظرت خارجًا، فوجدت صندوقًا فاخرًا موضوعًا أمام الباب.
كان الصندوق يوحي بأنه يحتوي على فستان ثمين، لكنه كان مليئًا بأغراض متواضعة لا تناسب شكله. كانت أشياء مألوفة جدًا لأوليفيا.
وشاح سميك، سترة قصيرة، قبعة ولفحة ذات شكل أنيق، ثلاثة فساتين للاستخدام اليومي وزوجان من الأحذية، وقمصان نوم بسيطة دون زخارف…
كانت أغراضًا استخدمتها لفترة طويلة، لكن بفضل عنايتها بها لم تبدُ بالية.
وبما أنها بدت أكثر لمعانًا وترتيبًا مما كانت عليه بالأمس، بدا أن ثيودور قد تعب في تنظيفها وكيّها ليرسلها لشقيقته حتى لا تشعر بالإحباط.
بين طيات الوشاح المطوي بعناية، كانت هناك رسالة من أشقائها. قرأت فيها أن شقيقتهم أهم بكثير من المال، وأن بإمكانها العودة في أي وقت؛ مما جعلها تشعر بالقوة.
ارتدت أوليفيا ثيابها المتواضعة تمامًا كما دخلت القصر، وفردت ظهرها.
‘من أجل أقساط مدرسة ثيو وجوني وإيان’.
قبضت يدها بعزم وخطت خطواتها بثقة خارج الغرفة.
من الأساسيات عند الاستقرار في مكان ما هو فهم الأجواء المحيطة أولًا.
وخاصة مراقبة تصرفات الخدم، فهي تكشف الكثير من الأمور مسبقًا.
لحسن الحظ، كانت غرفتها تقع في الطابق الأول من الجناح الجنوبي، حيث تتركز سكنات الخدم. كانت بعيدة عن الجناح الشرقي حيث تقيم العائلة الملكية، مما جعلها تشعر بضغط أقل.
سارت أوليفيا في الرواق بخطوات هادئة تكاد لا تُسمع. وبعد تجاوزها لكنيسة صغيرة، ظهرت غرفة طعام الخدم على مقربة منها.
كانت ترسل ابتسامة خفيفة وإيماءة بالعين لكل من تلتقي عيناها بعينيه أثناء السير.
وكما كان متوقعًا، بدأت الخادمات الفضوليات بالحديث معها.
“أوه، هل أنتِ وجه جديد؟ في أي قسم تعملين؟”
“لم أسمع بقدوم موظفة جديدة. أهلاً بكِ!”
حتى الحارس الذي يحمي القصر اقترب وسألها: “أراكِ للمرة الأولى. هل ضللتِ الطريق؟”
بسبب ثيابها البسيطة الخالية من الزخارف، بدا أن الجميع ظنّها خادمة جديدة.
على أي حال، كانت ردود الفعل إيجابية وليست سيئة.
على الأقل، كان هذا قبل أن تفصح أوليفيا عن هويتها وانتمائها.
“مرحبًا، أنا أوليفيا هاربر. سأبدأ العمل ابتداءً من اليوم كمعلمة منزلية للأمير سيباستيان.”
ولكن بعد أن قالت ذلك، كانت ردود أفعالهم، للأسف، سيئة بشكل واضح.
“آه… أنتِ هي…”
“يا للأسف…”
“…كوني قوية.”
كانت نظرات مألوفة؛ نظرة تُوجه لشخص في وضع بائس للغاية، أو نظرة لامبالاة تجاه شخص سيختفي قريبًا.
تجاهلت أوليفيا القلق الذي بدأ يتصاعد في داخلها وسارت في أروقة الجناح الجنوبي، وعندما تعبت قدماها، جلست في زاوية غرفة الطعام وبدأت تأكل ببطء شديد.
وبينما كانت تأكل، بدأ خدم قصر فيليتشر يتهامسون سرًا: “يا لها من مسكينة، تُرى كم ستصمد هذه المرة؟”
“قيل إن العصير سُكب عليها منذ اليوم الأول. تُرى هل ستتحمل شهرًا واحدًا؟ تؤ تؤ.”
“من يدري، ربما تصمد هذه المرة لأن لديها غرضًا آخر.”
حتى إن البعض راهن بالمال على ما إذا كانت ستصمد لأكثر من شهر أم لا.
تُرى أي طرف سيربح المال؟ لا أحد يعرف ذلك بعد.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 4"