الفصل 10. مشاركة غريبة للمكان.
استمرت مشاركة المكان المليئة بالارتباك.
كان كيث يظهر فجأة عندما ينتصف النهار وتتوسط الشمس كبد السماء بعد انقضاء ساعات الصباح الباردة.
أحيانًا كان يدخل من الباب بشكل طبيعي، و أحيانًا أخرى يقفز عبر النافذة كما فعل في لقائهما الأول.
وبعد دخوله، كان يغط في نوم عميق دون إلقاء أي تحية أو نبس ببنت شفة، ثم يختفي فجأة كالسراب.
كان يُبدي تجاه أوليفيا تجاهلاً تامًا في الغالب، وكأنه لا يدرك وجودها في المكان نفسه.
بيد أنه كان يستيقظ أحيانًا وينظر إليها باستخفاف، أو يرمقها بنظرة مليئة بالضيق.
وفي بعض الأحيان، كان ينظر بتركيز غريب إلى معصمها الظاهر تحت كُمها القصير، أو إلى الأجزاء المهترئة في فستانها؛ فكانت أوليفيا تكتم خجلها ظنًا منها أنه يراقبها بفضول لأنه لم يرَ شخصًا فقيرًا من قبل.
وبقدر عدم اهتمام كيث بها، لم تكن أوليفيا تكنّ له أي اهتمام أيضًا.
كانت تكتفي أحيانًا بتأمل قطب حاجبيه أثناء نومه، وتدعو في سرها أن يجد لنفسه مكانًا آخر للراحة قريبًا حتى لا يقتحم مساحة تدريسها هي وسيباستيان.
ولكن، للاعتياد سطوة مخيفة.
فبعد تكرار هذا الروتين لمدة أسبوع، بدأت تتأقلم تدريجيًا مع وجود كيث.
أصبح منظر استلقائه على الأريكة بخمول ورموشه البلاتينية الطويلة منسدلة، ووجهه الجميل الذي يبرز من بين خصلات شعره المبعثرة، أمرًا مألوفًا لعينيها.
بالطبع، هذا لا يعني أنها كانت سعيدة بوجود أمير ذي طابع غريب في المكان نفسه.
إلا أن أصوات أنفاسه الخافتة، وحفيف معطفه الفاخر وهو يلامس الأريكة، والرائحة المنعشة التي كانت تداعب أنفها أحيانًا، لم تعد تزعجها كما في السابق.
بفضل ذلك، استطاعت أوليفيا صرف انتباهها عنه تمامًا والتركيز في عملها.
وعملها لم يكن مجرد انتظار سيباستيان، بل إيجاد طريقة تجعله يأتي لتلقي الدروس.
لقد فشلت استراتيجية كسب قلبه بالهدايا.
وبما أنه لم يقل إنه يكره الرسائل، قررت الاستمرار في إرسالها، لكنها توقفت عن إهدائه أشياء لا تناسب ذوقه.
وبما أن الاستراتيجية السابقة فشلت، فقد حان الوقت لاستراتيجية جديدة.
وبما أن الوقت هو الشيء الوحيد الذي تملكه بكثرة، فقد وضعت أوليفيا خططًا عديدة لجذب سيباستيان للدرس.
وقد حان الوقت الآن لاختبارها واحدة تلو الأخرى.
الاستراتيجية الأولى كانت <الملاحقة النشطة>.
يقولون إن كثرة اللقاءات تولد الألفة حتى مع الشخص الذي نكرهه. لم تكن تعلم مدى صحة هذا القول، لكنها قررت المحاولة.
كان هدفها هو رؤية وجهه كثيرًا للتقرب منه ولو قليلاً.
لكن كانت هناك مشكلة واحدة، وهي أنها لا تستطيع دخول غرفة استقبال سيباستيان.
‘إذًا، سأنتظره أمامها’.
وهكذا، بدأت أوليفيا تقف أمام غرفة الأمير الصغير منذ الصباح الباكر، منتظرة خروجه.
حاولت إحدى الخادمات التابعات للسيدة ويلو طردها، لكنها لم تجد حجة لمنعها من الوقوف في الرواق، فعادت وهي تعض على شفتيها من الغيظ.
لم يخرج سيباستيان من غرفته ويلاحظ وجودها إلا عند اقتراب الساعة الحادية عشرة صباحًا.
بشعره المبعثر الذي غطى جبينه، وقميصه وصدريته اللذين ارتداهما بتقليد الكبار ومعطفه الثقيل الذي ألقاه فوقهما بإهمال، جفل الصبي وارتجف كتفاه بمجرد رؤية أوليفيا.
“سمو الأمير، صباح الخير.”
“أنتِ… لماذا أنتِ هنا؟”
“لأنني أردتُ رؤية وجهك يا سمو الأمير.”
عندما أجابت بصدق، تلون وجه سيباستيان بمزيج من الغضب والارتباك.
وجاء رد فعله كما هو متوقع.
تجاهلها سيباستيان، وعندما بدأت تتبعه وتحدثه، انفجر غضبًا في وجهها.
لكن أوليفيا لم تتراجع.
في اليوم التالي، والذي يليه، استمرت في ملاحقته دون استسلام.
بدأ سيباستيان يشعر بالاشمئزاز وهو يراها تتبعه كظله مهما حاول إبعادها.
“يا لكِ من علقة…!”
بعد ذلك، بدأ سيباستيان يهرب منها.
ورغم أنه في الحادية عشرة من عمره فقط، إلا أنه كان سريعًا جدًا ويملك طاقة بدنية هائلة، فكانت أوليفيا تفقده بسرعة.
في الأصل، كان من المستحيل على شخص لا يأكل سوى قطعتي خبز في اليوم أن يواكب طاقة سيباستيان، لكنها لم تستسلم وانتظرت الفرصة التالية.
كانت تعزي نفسها بأن رؤيته يوميًا وتبادل كلمة معه يعد نتيجة جيدة.
في أحد الأيام وبينما كان الروتين يتكرر، حدث متغير لم يكن في الحسبان.
في ذلك اليوم أيضًا، كانت أوليفيا تركض خلف سيباستيان.
“انتظر لحظة يا سمو الأمير! لنتحدث قليلاً!”
بالطبع، لم يتوقف سيباستيان واكتفى بتمتمة كلمات قاسية.
كان الموظفون والفرسان يراقبون بفضول مشهد المطاردة بين الأمير الصغير ومعلمته. البعض صفق تشجيعًا، والبعض الآخر رمق أوليفيا بنظرات استياء. أما الاثنان، فقد واصلا الركض دون الانتباه لتلك النظرات.
انتهت مطاردة الصباح أسرع مما كان متوقعًا.
فبينما كانت أوليفيا تنزل السلالم مسرعة، قام شخص ما بدفعها من خلفها.
ونتيجة لذلك، تدحرجت على السلالم في منظر مأساوي.
“آخ!”
انتقل ألم الصدمة من كفيها ومعصميها ليسري في جسدها كله. أغمضت أوليفيا عينيها بقوة وأطلقت أنينًا بوجه عابس.
“أوليفيا!”
ركض ريجان نحوها بسرعة ليتفقد حالتها.
لحسن الحظ، لم تكن هناك درجات كثيرة متبقية قبل الوصول للبسطة، لذا لم تكن إصابتها خطيرة، لكن كفيها سُحلا وخرجا منهما الدم، وكانت ركبتاها تؤلمانها بشدة.
قطبت أوليفيا حاجبيها ونظرت للأعلى.
‘متأكدة أن أحدهم قد دفعني’.
لكنها لم تجد فوق الدرج سوى الأشخاص الذين تجمهروا لسماع الصوت، ولم يظهر بينهم من يبدو كالجاني.
وبما أن المكان الذي دُفعت فيه كان في زاوية عمياء، فقد ظن الجميع، بمن فيهم ريجان، أنها تعثرت وسقطت ببساطة.
بوجه كئيب، أعادت أوليفيا نظرها نحو المكان الذي كان فيه سيباستيان.
ظنت أن سيباستيان، السريع كالسنجاب، قد اختفى منذ زمن بعيد.
لكن لسبب ما، كان سيباستيان لا يزال واقفًا هناك. بل إن المسافة بينهما كانت أقرب مما كانت عليه عندما رأته لآخر مرة.
الصبي لم يسخر من سقطتها المهينة، بل كان ينظر إليها بتعابير مليئة بالارتباك الشديد. بل إن يده التي كانت ممدودة للأمام قليلاً بدت وكأنها تحاول مساعدتها على النهوض.
“…سمو الأمير سيباستيان؟”
لم تصدق أوليفيا قرب المسافة، فأغمضت عينيها وفتحتهما عدة مرات، ثم نادت اسمه ببطء، فاستفاق سيباستيان من ذهوله وحدق بها.
بالطبع، لم يقترب ليساعدها على النهوض. بل كما يفعل دائمًا، جعد وجهه بغضب واستدار مغادرًا بسرعة.
لكن أوليفيا رأت ذلك؛ رأت تعبيره المتردد الذي لم يعرف كيف يتصرف.
‘لقد كان قلقًا عليّ بالتأكيد!’
كان وجهه المختلف عن المعتاد مؤثرًا جدًا لدرجة جعلتها تنسى ألمها، بل وحتى فكرة الإمساك بالجاني.
حاول ريجان أخذها للطبيب، لكن أوليفيا هزت رأسها بالرفض.
وبعد أن عالجت جروح كفيها بشكل سطحي، توجهت نحو الجناح الغربي بوجه حالِم.
حتى عندما وصلت للغرفة النائية وجلست على الأريكة، وعندما دخل كيث بصمت واستلقى بجانبها، كانت روحها محلقة في السماء.
كان قلبها ينبض بأمل في أنها قد تبدأ التدريس غدًا، أو ربما في الأسبوع القادم.
وفي تلك اللحظة، فتح كيث، الذي كان يكتفي بالنوم والرحيل في صمت، فمه فجأة.
“أهو من فعل ذلك؟”
الرجل الذي ظنت أنه نائم، كان يجلس بوضعية مائلة ويحدق في أوليفيا. ولسبب ما، كان وجهه وهو ينظر إليها يحمل بريقًا غير معتاد.
لم تفهم أوليفيا كلامه في البداية واكتفت برمش عينيها.
“أنا أسأل. هل ذلك الطفل المزعج يضرب معلمته أيضًا؟”
عندما أدركت أن نظراته متجهة نحو كفيها المجروحين، وفهمت أن الطفل المزعج الذي يقصده هو سيباستيان، جفلت بذعر.
“مستحيل. لقد جرحتُ نفسي بنفسي. لقد تعثرتُ على الدرج.”
في الحقيقة، لقد دفعها أحدهم، لكن لم يكن هناك داعٍ لقول شيء لا تستطيع إثباته.
“سمو الأمير سيباستيان ليس له علاقة بالأمر. بل على العكس…”
تذكرت أوليفيا وجه سيباستيان القلق مرة أخرى.
ربما لأن هذا لم يحدث أبدًا عندما كانت تعلّم ابن البارون دروشوار، شعرت بتأثر يغمر قلبها كلما فكرت في الأمر.
من ناحية أخرى، وبمجرد سماع كيث أنها جرحت نفسها، صرف نظره عنها واستلقى على الأريكة مغمض العينين مجددًا، وكأن اهتمامه قبل قليل كان مجرد وهم.
لكن، الكلمات التي تمتمت بها أوليفيا لنفسها دون قصد جعلت كيث يفتح عينيه ب ذهول.
“ربما يكون ألطف مما تظنون…”
“لطيف؟”
سأل كيث بتعجب شديد وكأنه لا يصدق ما سمعه.
“من؟ ذلك الصبي الذي يشبه الشيطان؟”
لقد كان الأمر غير معقول لدرجة أن كيث، الذي لا يملك ذرة رغبة في الحديث معها، وجد نفسه مضطرًا لفتح فمه.
أن تصف ذلك الطباع الذي يجمع الجميع على سوئه باللطف؟ هل جُن جنونها من الانتظار؟
نظر إليها وهو يشك في قواها العقلية، لكن إجابة أوليفيا كانت مشرقة تمامًا.
“نعم. سمو الأمير سيباستيان، يبدو أنه يملك جانبًا لطيفًا في الخفاء.”
بينما كانت تقول ذلك، كانت عيناها الفضيتان تلمعان بصفاء وبراءة، لكن تركيزها كان يبدو بعيدًا بعض الشيء.
تخلّى كيث عن متابعة الحديث.
فمن المعروف أنه لا يجب مجادلة المجانين أبدًا.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 10"