1 - الطَّلاق.
00. الطلاق
“نُعلن اكتمال تشييد مبنى المجلس الملكي!”
انزلقت القطعة القماشية البيضاء الناصعة التي كانت تغطّي نصبًا حجريًا ضخمًا.
وما إن انكشف النصب التذكاري لمبنى المجلس الملكي، حتى دوّى في المكان صوتُ هتافٍ متحمّس.
في تلك اللحظة، انفجرت هتافات الناس من كل الجهات، كما لو أنّ الألعاب النارية قد أُطلقت.
مرّ عامان منذ أن سُلبت المملكة حكمَها الذاتي على يد الإمبراطورية. وها هي اليوم، أخيرًا، تستعيد سيادتها.
والشخصية التي أدّت الدور الحاسم في استقلال المملكة…
الأميرة إسميرالدا هيسبيا.
“فلتعِش سموّ الأميرة!”
“فلتعِش كونتيسة فريزر!”
“إنها الملكة الحقيقية للمملكة!”
أخرجت امرأةٌ مسنّة غلبتها المشاعر منديلًا ومسحت دموعها، بينما راح طفلٌ ينثر بتلات الزهور وهو يمدحها.
إسميرالدا، لا، كيكُونيا، التي كانت تقف على المنصّة، جالت بنظرها اللامبالي على أولئك الناس.
“فلتعِش سموّ الأميرة! فلتعِش!”
هل يدرك هؤلاء، وهم يهتفون بوجوهٍ محتدمة،
أنّ المرأة الواقفة هنا ليست سوى أميرةٍ زائفة، وأن حقيقتها مجرّد عبدةٍ وضيعة؟
‘بالطبع، من المستحيل أن يعرفوا.’
فـ”هو” قد دبّر كل شيء بإحكام.
رفعت كيكُونيا نظرها عن الناس.
ثم أدارت رأسها ببطء، وحدّقت في “هو” الواقف أسفل المنصّة.
تلاقت نظراتهما.
لونٌ رمادي.
سطحٌ جامد لا يُظهر أيّ شعور، كضبابٍ باهت لا يشي بشيء.
عينان رماديتان بلا دفء، كأنّ من يتأمّلهما سيغرق إلى ما لا نهاية.
ملامح منحوتة بسلاسة، بلا عيبٍ يُذكر، جمالٌ يليق بأن يُقال عنه—كما يفعل الرسّامون—إنه وجهٌ صاغه الإله.
لكن كيكُونيا كانت تعلم.
تعلم أنّ تحت ذلك الجمال، لا يوجد شيءٌ دافئ.
كانت قد ظنّت يومًا أنّه يملك حرارة البشر.
لكنها كانت مخطئة.
كان رجلًا كالسيف في ساحة حربٍ مضرّجٍ بالدم.
يتظاهر بالدفء عبر الدم العالق بسطحه، بينما حقيقته نصلٌ بارد، قاسٍ، لا رحمة فيه.
ليدِم فريزر.
زوجي.
من أنقذني.
ومن…
ألقى بي في الجحيم.
مدّت كيكُونيا يدها تتحسّس بطنها المسطّح. فراغٌ خلا من الحياة التي غادرته. خواءٌ يبعث على العبث المطلق.
“يا كونتيسة، حان وقت إلقاء خطابك.”
عند كلمات المذيع، أدارت كيكُونيا رأسها. سحبت نظرها عنه، وتقدّمت نحو منتصف المنصّة.
كان قلبها يخفق ببطء.
المشاعر المتجمّدة في أعماق صدرها، كالماء البارد الراكد، بدأت أخيرًا تنساب إلى طرف شفتيها قطرةً قطرة.
فتحت فمها ببطء.
“……أنا.”
رفعت كيكُونيا عينيها.
خلف أشعّة الشمس المؤذية للبصر، كان يقف هناك.
كما هو دائمًا، هادئًا. وكما هو دائمًا، بوجهٍ قاسٍ.
أنتَ الذي تطمح أن تكون ملكًا، لا بدّ أنك تظنّ أن هذا اليوم هو أكثر أيام حياتك إرضاءً.
لذلك ترتسم على شفتيك تلك الابتسامة النادرة.
الابتسامة التي لم تُرِني منها يومًا شيئًا، ولو بقدر قبضة يد.
شعرتُ بالارتياح.
لأنني سأحطّم تلك الابتسامة تحطيمًا.
“أتقدّم بطلب الطلاق من كونت فريزر، لِيدِم فريزر.”
بانفصالي عنك، سأتحرّر.
الفصل الأوّل: القَسَم
“كوني أنتِ تلك الأميرة.”
قالها الرجل، وهو يدوس كيكُونيا بحذائه العسكري الثقيل.
كان ضوء القمر الخافت المتسرّب من نافذةٍ كبيرة يغطّي كتفيه العريضتين وخطوطه الحادّة كالنصل.
حتى في الظلام، كانت عيناه تلمعان ببريقٍ قاسٍ لا يعرف الرحمة.
نظرت إليه كيكُونيا بصمت.
نظرت إلى الرجل، ثم إلى الجثث الملقاة خلفه، ثم إلى الغرفة الغارقة بالدماء—دماء أولئك الذين عذّبوها بلا انقطاع طوال سبع سنوات.
لم يبدُ أيّ شيءٍ في الغرفة حقيقيًا.
كيف انتهى الأمر إلى هذا؟
بدأت كيكُونيا تسترجع الماضي.
كيكُونيا.
كانت فتاةً استثنائية.
أدركوا ذلك بعد نحو مئة يوم من ولادتها.
حين انفجرت غددها الدمعية المسدودة، وانسابت الدموع على وجنتيها البيضاء.
حينها، اكتشفت أمّها الحقيقة.
أنّ دموع كيكُونيا تتحوّل إلى جواهر.
في ذلك اليوم، فزعت الأمّ فزعًا شديدًا، فاستدعت جميع أطباء المدينة لفحص ابنتها. قال الأطباء إنهم “لا يعرفون السبب”، وغادروا.
لكن لم تمضِ فترةٌ طويلة حتى تسلّلوا ليلًا، محاولين اختطاف كيكُونيا.
السبب كان بسيطًا.
تحوّل الدموع إلى جواهر يعني أنّها ابنةُ حوريّة بحر.
حين أدركت الأمّ أنّ زوجها الذي رحل منذ زمنٍ بعيد كان حوريّ بحر، حملت كيكُونيا وفرّت هاربة.
وبنت كوخًا متهالكًا في عمق الغابة، وقطعت كل صلةٍ لها بالناس.
لأنها رأت أنّ هذه هي الطريقة الوحيدة لحماية كيكُونيا من الطامعين بها.
وكان حكمها صائبًا.
إلى أن بلغت كيكُونيا الثانية عشرة من عمرها.
كان السهم الذي اخترق باب المنزل سهمًا ملكيًا.
وقبل أن تستوعب ما يحدث، كان الفرسان قد طوّقوا الكوخ. وكان من يتقدّمهم أميرُ هيسبيا.
أمسكوا بأمّها من تلابيبها أمام عيني كيكُونيا، ثم غرسوا سيفًا في بطنها. تبخّرت حياة الأم مع الدم المتفجّر، وصار وجودها عبثًا أجوف، كبياض حدقتيها الفارغتين. ترى، ألم تلعن نفسها في لحظة موتها لأنها استدعت الأطباء في ذلك اليوم؟
ثم أمسكوا بكيكُونيا.
“هي هذه، وجدناها أخيرًا.”
قالوا كلامًا لا يُفهم، وهم يشدّون شعرها بعنف.
“ابكي.”
صرخ الأمير بذلك وهو يقبض عليها. كانت عيناه تلمعان بجشع مجنون يحلم بثروةٍ سريعة.
شدّت كيكُونيا على أسنانها بعناد، وقاومت بكل ما أوتيت من قوة. لم تكن تريد أن تمنح قطرةَ جوهرٍ واحدة لهؤلاء الذين لا يرقون حتى لمستوى الوحوش.
“اقتلني إذًا! أتظنّ أنني سأبكي لأجلك؟ أمام أمثالك لن أذرف قطرة واحدة!”
أثار استفزازها الأمير، فرفع يده وصفعها.
صفعة، ثم ثانية، ثم ثالثة……
وحين تمزّق خدّها وسال الدم بغزارة، توقّف أخيرًا عن اللكم.
آه، نعم. في تلك اللحظة…… أدركت حقيقة لم تكن تعلمها هي نفسها.
أنّ الدم أيضًا يتحوّل إلى جواهر.
أما ما تلا ذلك، أفلا يمكن لأيّ أحدٍ أن يتوقّعه؟
اقتيدت كيكُونيا إلى القصر، وسُجنت في أعمق أعماق الزنزانة تحت الأرض، وكانت تُساق كل يوم إلى الملك لتُضرَب حتى ينفجر الدم من جسدها.
طوال 2,555 يومًا.
سبع سنواتٍ طويلة، قاسية، لا تنتهي.
ولهذا، كان هذا اليوم بالنسبة لكيكُونيا يومًا عاديًا لا يختلف عن غيره.
حين حلّ الليل، استُدعيت إلى الملك.
ظنّت أنّها ستُضرَب كالمعتاد، وستكون موضع سخرية الأمير والأميرة، وستنزف دمًا وجواهر بلا حساب، ثم تعود إلى غرفتها المنهكة.
لكن هذا اليوم كان مختلفًا.
ما إن فُتح الباب حتى استقبلتها رائحة الدم الكريهة.
الجندي الذي كان يجرّها أشهر سيفه فورًا، لكنه لم يتمكّن من ضربه. لأنّ رأسه قد قُطع.
وقد تناثرت عليها دماء شخصٍ آخر كنافورة، فيما حدّقت كيكُونيا بذهول في الرجل الذي قتل الجندي.
لا، بل في أولئك الساقطين خلفه.
الملك، والأمير، والأميرة. وجوهٌ مألوفة، لكن بحالٍ غير مألوفة.
كانوا جميعًا موتى.
وكان هناك شخصٌ يتقدّم غير مبالٍ، يدوس الجثث بقدميه.
هو نفسه الذي قتل الجندي قبل لحظة، ولا شكّ أنّه هو من قتل الملك ووليّ عهده والأميرة.
كان رجلًا يرتدي درعًا أسود حالكًا، يزيح شعره الأسود المبتلّ بالعرق، ويحمل سيفًا نُقش عليه شعار إمبراطورية إليماند.
وما إن رأت ذلك، حتى أدركت كيكُونيا الأمر.
لقد سقطت مملكة هيسبيا.
واحتلّتها إمبراطورية إليماند.
لم تشعر بأيّ حزنٍ على وطنٍ مُحي من الخريطة في لحظة.
كلّ ما أرادته… أن تطلق صرخة فرح.
شيءٌ لا يُعرف أهو ضحك أم صراخ اندفع من أعماق حلقها. لكنها لم تملك وقتًا لإطلاقه.
جسدها كان أسرع من عقلها. ركعت فورًا، وألصقت جبهتها بالأرض.
لا بدّ أن هناك سببًا جعله يقتل الجندي ويُبقيها حيّة.
والآن وقد تحرّرت من شياطين العائلة الملكية الهيسبية، فإنّ أفضل طريقة للحفاظ على هذا النفس الواهن هي أن تنبطح بلا كرامة.
وفي تلك اللحظة، لامست قدمُ الرجل رأسَها المنحني بخفّة.
“أنتِ.”
شعرت بانحناء الجزء العلوي من جسده. ومع ذلك، لم ترفع كيكُونيا جبهتها عن الأرض.
“ما أنتِ؟”
لم تستطع الإجابة. ففمها كان مكمّمًا.
وحين تأكّد الرجل من ذلك، فكّ اللجام عن فمها. وفي اللحظة نفسها، تماسكت كيكُونيا، وجمعت أنفاسها المرتجفة.
ما أنتِ؟
كان عليها أن تجيب جيّدًا.
فالإجابة التي ستنطق بها الآن ستحدّد شكل الدقائق القليلة القادمة.
“هل… هل يُسمح لي أن أرفع رأسي؟”
“كما تشائين.”
التقطت كيكُونيا أنفاسها، ونهضت ببطء. ثم نظرت إلى الدم الأحمر الذي غطّى المكان من كل جهة.
أعيد القول: إنهم الآن موتى.
الذين عذّبوها… ماتوا.
وهذا يعني أنّه لا يوجد هنا من يعرف أنّها تحمل دم الحوريّات.
ربما.
ربما حقًا.
رفع أملٌ كان مختبئًا رأسه.
أملٌ خرج إلى النور بعد زمنٍ طويل، وراح يهمس في أعماق قلب كيكُونيا الهشّ.
اكذبي.
إن فعلتِ، ستعودين إلى حياتكِ الأصلية.
♡ ֪ ࣪ ─┄── ♡ ֪ ࣪ ─┄── ♡ ֪ ࣪ ─┄── ♡ ֪ ࣪
حسابي على الإنستا:@empressamy_1213
حسابي على الواتباد: @Toro1316
ترجمة: ✧𝐀𝐌𝐘✧
Chapters
Comments
- 1 - الطَّلاق. منذ 5 ساعات
التعليقات لهذا الفصل " 1"