على عكس ما توقّعته، انكشفت المناظر غير المرغوبة أسرع مما ظنّت.
فبقدرةٍ عجيبة، تمكّن مايكل من العثور على معلّمه الذي كان يتسكّع في أحد الشوارع المزدحمة، خلال يومٍ واحدٍ فقط.
“تسـك… لم أنهِ لهوي بعد.”
كان الرجل، الذي يحتسي الخمر بكسل، يُسحب جراً على يد طفلٍ لا يتجاوز طوله فخذه.
“مشكلتك أنك مجتهد أكثر من اللازم.”
“وكسلك هو سرّ جاذبيتك يا معلّمي.”
“هذه مجاملة، أليس كذلك؟”
“بالطبع.”
عند رؤية ابتسامة ميكائيل البريئة، حكّ الرجل مؤخرة رأسه بحرج.
لم يكن الطفل يبدو في السادسة من عمره إطلاقاً.
فالعادة أن يفرح التلاميذ إذا اختفى معلّمهم، ولا يبحثوا عنه حتى يموتوا من شدة السعادة.
أما هنا، فالعلاقة معكوسة تماماً.
المعلّم هو من يتوسّل لتلميذه أن يمنحه يوماً من الراحة.
[آيريس: ابغى مثل ذا المعلم باكج تشكيلة لكل المواد]
“هنا.”
توقّف مايكل أمام بابٍ في ممرّ فاخر، وطرقه.
“تفضّلوا بالدخول.”
“لا! لا تدخلوا!”
الصوت الأول كان لإيزيلين، والثاني لروبير، الذي ظلّ متوتراً منذ ظهور ميكائيل.
كان عليه، بأي وسيلة، أن يؤجّل بدء تدريبات السيف قدر الإمكان…
“أوه؟”
“هاه؟”
تجمّد الطفلان حين رأيا رجلاً بالغاً ذا بنيةٍ قوية يدخل خلف مايكل.
“اسمحوا لي أن أعرّفكم به. إنه الموهبة الخفيّة التي هزمت قائد فرسان إغنايت في نزالٍ غير رسمي، وهو معلّم السيف الخاص بي… بل معلّمنا جميعاً الآن.”
ارتسمت على وجه الرجل ابتسامةٌ فخورة، وأرجع رأسه إلى الخلف فتمايل شعره البني الداكن.
تألّقت عيناه الرماديتان اللامعتان بمرحٍ مألوف.
فات الطفلين توقيت التحية من شدة الصدمة.
ابتسم الرجل وهما واقفان كالتمثالين.
“تشرفت بلقائكما. أنا أورين.”
إنه لصّ الأزرار ذاك.
“أيها اللص!”
أشارت إيزيلين إليه بإصبعها، بينما نظر ميكائيل إلى معلّمه بريبة.
ضحك أورين بخفة وهو يحكّ رأسه.
“بيننا معرفة سابقة.”
“معلّمي، ما الذي كنت تفعله بالضبط؟”
بدلاً من الإجابة، نقر بأصابعه.
ارتفع شيءٌ صغير في الهواء، دار ببطء، ثم سقط أمام روبير.
حدّق روبير في الزرّ الذي ارتدّ على الأرض قبل أن يسكن، ثم رفع رأسه بنظرةٍ حادّة.
قال أورين بمكر:
“لماذا لا تلتقطه؟”
“ولِمَ تعيده الآن؟”
“اعتبره… علامة وعد.”
نظر إليه روبير بشكّ، فأضاف أورين موضحاً:
“إذا افترقنا دون موعدٍ محدد للقاء، نترك علامة لنتعرّف بها على بعضنا لاحقاً. كما يفعل العشّاق أو العائلات زمن الحروب.”
كادت إيزيلين تختنق من العبث.
أي حربٍ هذه؟
لقد تأخر لأنه كان يتسكّع فحسب!
وقبل أن يعثر أورين على عذرٍ مناسب، فضحه مايكل بهدوء:
“آه، نسيت أن أذكر. معلّمي كسول قليلاً. يعشق الخمر واللحم بشغف.”
“مهلاً!”
ابتسم ميكائيل ببراءة، بينما تنهد أورين.
ثم تحوّلت نظرة أورين نحو روبير.
كان يُقال إن هذا الصبي، الموصوم بمرض كروك، مظلمٌ وخطير ولا ينبغي الاقتراب منه.
لكن الطفل أمامه بدا عادياً للغاية.
اقترب منه أورين، وانحنى حتى صار بمستوى نظره، ثم وضع الزرّ في كفّه.
“هكذا تبدو اللحظة أكثر تأثيراً، أليس كذلك؟”
تصلّب تعبير روبير.
رجلٌ غريبٌ حقاً.
والأغرب من ذلك… أنه لم يشعر بالنفور منه.
دفع يده بعناد.
“همف.”
ضحك أورين، ثم عبث بشعره الأسود.
“توقّف! ماذا تفعل؟”
“لطيف جداً.”
“لا تفعل!”
“بعد أن تعوّدت على طفلٍ مثل مايكل، من الجميل رؤية طفلٍ يتصرّف كطفل.”
“معلّمي، وما بي أنا؟”
لكن أورين تجاهله، وأمسك بخدّي روبير يمدّهما جانباً.
“اتركني! قلت اتركني!”
ضحك أورين بصوتٍ عالٍ.
عندما فعل الأمر ذاته بمايكل سابقاً، لم يكن ممتعاً؛ إذ ردّ عليه بابتسامةٍ ساحرة وسؤالٍ مراوغ.
أما ردّ فعل روبير هذا… فكان مثالياً.
راقبت إيزيلين المشهد وضحكت.
يبدو أن حول روبير بدأ يتجمّع أشخاصٌ يرونه كإنسان، لا كوصمة.
ربما… كان هذا اقتراباً من السعادة؟
سألت أخيراً:
“متى ستبدأ تدريبات السيف؟”
اعتدل أورين قائلاً:
“سنبدأ اليوم.”
“اليوم؟!”
“لقد تأخرنا كثيراً.”
وبالفعل، بدأ التدريب فوراً.
وعندما همّوا بالمغادرة، لاحظ أورين أن روبير لم يتحرّك.
“ألن تأتي؟”
تردّد روبير.
“هل… يمكنني التعلم أيضاً؟”
“ولِمَ لا؟”
همس روبير:
“لا يمكن…”
“آه، بسبب مرض كروك؟”
ارتجف الصبي.
لم يكن والده يستثمر فيه لأنه “سيموت قريباً”.
لكن أورين قال بلا مبالاة:
“إذاً تعلّم حتى تموت.”
[آيريس: عزيزي القارئ، حبيت أذكرك بمصيبتك وأقولك أنت كمان رح تبقى تتعلم لعند ما تموت وشكراً★انجوي ريدينق]
تجمّد روبير لحظة، ثم اندفع خلفهم.
“انتظروا! سآتي أيضاً!”
ابتسم أورين بخفة.
وهكذا، أُضيف تلميذٌ جديد لم يكن في الحسبان.
★*★*★*★*★*★*
بعد أيامٍ من التدريب الجحيمي…
صرخت إيزيلين وهي تلهث:
“خمس دقائق راحة!”
سقطت أرضاً منهكة.
كانت تركض يومياً حول ساحة التدريب، لكنها بالكاد تتحمّل.
ناولها مايكل قارورة ماء.
“تحسّنتِ كثيراً يا إيزيل.”
ثم جاء روبير بقارورةٍ أخرى.
لم تكن عطشى، لكنها أدركت أنه يغار.
ضحكت.
“أنت لطيف.”
احمرّ وجهه.
“أنا قوي… ولست لطيفاً!”
ضحكت مجدداً، فضغطت على خدّيه.
“أنت لطيف جداً.”
توقّف مايكل عن الصمت وسأل:
“وما رأيك بي؟”
أشار إلى خده ببراءةٍ مصطنعة.
تردّدت.
كان الأمر… خطيراً أكثر من كونه لطيفاً.
“انتهت الراحة.”
قطب أورين حاجبيه.
“أرى أشياءً غريبة هذه الأيام.”
ثم ألقى أمامهم سيوفاً خشبية.
أخيراً!
أمسك الثلاثة سيوفهم.
شرح أورين الوضعية الصحيحة، وأمرهم بالثبات.
مرت دقائق…
بدأت أطراف إيزيلين ترتجف، بينما ظلّ مايكل وروبير كتمثالين.
أضاف أورين أثقالاً إلى سيفيهما.
عضّ روبير شفته، لكنه ركّز، وهدأ ارتجاف سيفه.
انبثقت منه هالةٌ كثيفة لا تليق بطفلٍ في الرابعة.
شعرت إيزيلين بقشعريرة.
وفجأة—
“آه!”
سقط سيفها.
نظر إليها أورين ببرود.
“ركّزي.”
أُجبرت على الجري دورةً إضافية عقاباً لها.
بينما شجّعها مايكل وروبير بنظراتٍ مشفقة.
وهكذا، استمرّت تدريباتهم القاسية…
تحت شمسٍ لا ترحم،
ومعلّمٍ يبتسم بخبث.
انتهى…
ترجمة: آيريس
تذكير: لا تجعل قراءة الرواية تلهيك عن عبادتك٭٭٭!
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 9"