(تنويه: تم تغيير اسم البطل إلى”روبير” لأنه روبر صوص اوي)
—
“خوخ جبل سوفلي! تفضّلوا بتذوّقه! لن تجدوا أطيب منه!”
“لحم الضأن بتخفيض! اليوم آخر فرصة!”
“خبز الجاودار الطازج! اقتربوا!”
ضجّت الشوارع بالحيوية والضوضاء.
كانت إيزيلين وروبير، وقد شدّا عباءتيهما فوق رأسيهما، يشقّان طريقهما وسط الحشود كقزمين يسيران بين عمالقة.
“آه!”
“انتبهي يا صغيرتي.”
كم مرّة اصطدمت؟ لم تعد تحصي.
كانت إيزيلين مذهولة تمامًا؛ فهي تزور هذا السوق لأول مرة.
أقدام البالغين السريعة بدت لها كعوائق مخيفة.
“تعالي من هنا.”
لم يحتمل روبير المشهد، فأمسك بطرف عباءتها من الخلف وجذبها نحوه.
“آه!”
قادها بمهارة إلى جانب الطريق، ثم أخذ يتفحّص الشارع المكتظ بعينين متحيرتين.
حين جاء وحده لم يواجه مشكلة قط، فلماذا تتعثّر هذه الصغيرة بكل شيء؟
حقًا، أمرٌ لم يكن في الحسبان.
بهذه الرشاقة المتواضعة، كيف ستتعلم المبارزة يومًا؟
وبينما كان يزفر سرًا، رنّ صوتها قرب أذنه:
“هل يكون المكان مزدحمًا هكذا دائمًا؟”
قال ببرود:
“طبيعي. يأتي الناس من أراضٍ كثيرة.”
“كم هو مدهش.”
“أأنتِ حمقاء؟ ألا تعلمين هذا؟”
“وأنت كيف عرفت؟”
“لأنني جئتُ من قبل.”
اتّسعت عيناها دهشة.
كانت تظن أنه لا يغادر محيط القصر، فإذا به يصل إلى هنا وحده!
طفل في الرابعة يتجوّل بلا خوف؟
لكنها ما لبثت أن تذكّرت كيف وصلا؛ نزلا الطريق الكبير دون أن يضيعا، وتسللا بخفة إلى عربة عابرة.
لم تكن تلك مهارة تُكتسب من محاولة واحدة.
‘في الأصل، ليس طريقًا يمكن لطفلين أن يقطعاه سيرًا.’
عقدت حاجبيها وقالت بصرامة مصطنعة:
“روبير، التجوال وحدك خطر.”
كان القلق يسبق كلماتها.
فالعالم قاسٍ على الأطفال.
لكنه ردّ بوجه عابس:
“لم يحدث لي شيء حتى الآن.”
“وماذا لو صادفتَ شخصًا سيئًا؟”
“لا أحد يهتم بي. حتى الأشرار لا يرونني.”
“…”
بالفعل، كان يتحرك بين الناس بخفة سنجاب.
ربما ليس لأنه غير مرئي، بل لأنه ماهر في المراوغة.
لكن نشأته في بيت الدوق، حيث لم ينل إلا الازدراء، تركت فيه عادة سيئة لا شك.
“لا يجوز أن يتجوّل الطفل وحده.”
“لست وحدي. أنا معك.”
“مع ذلك، لا.”
“وها نحن خرجنا.”
“لن نخرج معًا بعد الآن.”
ارتجف بصره كمن جُرح.
أرخى كتفيه وسأل بصوت خافت:
“ألا تستمتعين بالخروج معي؟”
“ليس هذا المقصود….”
“هل كرهتِني؟”
آه، هذا ظلم!
كادت تضعف أمام لطفه، لكنها تماسكت وقالت بجدية:
“أنا أحبك كثيرًا.”
أشرق وجهه فورًا.
“لكن هذا خطر….”
غررررر….
دوّى صوت جوعٍ واضح في الهواء.
تلاقت أعينهما، وارتجفت عيناها الخضراوان.
“أوه….”
“هل أنتِ جائعة؟”
“لا! لستُ أنا!”
احمرّ وجهها وهي تنكر، لكن روبير كان قد بدأ يلتفت باحثًا.
رائحة طعام شهي وصلت إلى أنفه.
“سأجلب شيئًا نأكله.”
“قلتُ لستُ أنا!”
“انتظري هنا ولا تتحركي.”
“لحظة—”
لكنه اندفع وسط الحشود.
عضّت شفتها خجلًا.
تبا لهذا البطن الذي لا يعرف التوقيت!
في الحقيقة، كانت جائعة منذ وقت.
ومنذ قليل وهو يصرخ مطالبًا بالطعام.
وقفت تراقبه وهو يصل إلى متجر أسياخ الدجاج.
ابتلعت ريقها أمام الرائحة الشهية والصورة المتخيَّلة للحم المشوي.
ثم… اتسعت عيناها فجأة.
رفع روبير يده خلسة، وأخذ سيخين دون أن يدفع ثمنهما.
‘هذه سرقة!’
هل لأنه صغير لم يفهم بعد أن الأشياء تُشترى بالمال؟
هناك الكثير مما يجب تعليمه.
اندفعت نحوه، تصطدم بالناس في طريقها.
“آه!”
“انتبهِي!”
“عذرًا يا صغيرة!”
وأخيرًا وصلت—
لكن صوتًا دوّى قبلها:
“أمسكتُ بفأرٍ صغير!”
أحدهم أمسك بروبير من عباءته وصرخ:
“هذا يسرق أسياخ الدجاج!”
عرفت إيزيلين وجهه فورًا. كان كمرِي.
نظر إليها سريعًا، ثم صاح في وجه صاحب المتجر:
“رأيته بعيني!”
“تجرؤ على السرقة في متجري؟!”
انتزع صاحب المتجر روبير ورماه أرضًا بعنف.
“آه!”
سقط السيخان، وانزاح غطاء رأسه.
أشار كِمري نحوه وقد اتسعت عيناه:
“هذا الفتى هو—”
“كمري!”
صرخت إيزيلين كالصاعقة.
تردد، ثم ابتلع كلماته أمام نظرتها الحادة.
أسرعت فأعادت الغطاء إلى رأس روبير.
ربما يعرفه آخرون.
“المال! أعطِ المال!”
همست له بقلق.
لو دفع الثمن لانتهى الأمر.
“أسرع!”
لكنه همس:
“ليس لدي….”
“ماذا؟!”
ارتفع ظلٌّ فوقهما.
كان صاحب المتجر يحدّق بغضب.
“متسوّلان يلوّثان متجري!”
“آسفة… كنا جائعين جدًا….”
حاولت أن تبدو مثيرة للشفقة.
“من لا يملك مالًا، فليجُع.”
رفع السيخين الملطخين بالتراب ولوّح بهما أمامهما.
“أربعة فيرك.”
مدّ يده.
انتهى الأمر.
فكرت بسرعة، لكن لا خطة.
حينها نزع روبير زرًّا لامعًا من ثوبه وقدّمه.
كان مرصّعًا بجوهرة ثمينة؛ ثمنه يكفي لشراء المتجر بأكمله.
تنحنح الرجل سريعًا وهو يحسب في ذهنه، ثم صاح متصنعًا الكرم:
“حسنًا! سأعفو هذه المرة فقط! لا تسرق مجددًا—!”
بووووم!
ركلةٌ حطّمت باب المتجر تقريبًا.
خرج رجلٌ بشعر بني، نفخ خصلة عن جبينه، وشرب ما تبقى في قدحه دفعة واحدة.
“يا له من ضجيج مقرف.”
ثم أضاف ببرود:
“أفسدتم طعم الشراب.”
تقدّم الرجل بنظرة حادة، يتفحّص موضع الزرّ الممزّق في ثوب روبير، ويد صاحب المتجر المضمومة.
“ما هذه الفوضى؟ ستدفع ثمن الباب إن تلف!”
شخر بازدراء.
بطرفة عين، ضرب معصم الرجل، فطار الزرّ في الهواء، والتقطه بسهولة.
“وسأدفع حتى ثمن العلاج.”
تناثرت عشرات العملات أرضًا.
خمسون فيرك.
كافية لإصلاح الباب ومعصمٍ لو كان مصابًا فعلًا.
“أعده إليّ!”
“قلتَ تريد المال، أليس كذلك؟”
ثم ألقى أربع عملات أخرى.
“ثمن السيخين.”
حدّقت إيزيلين في العملات.
أربعة بالتمام.
احمرّ وجه صاحب المتجر غضبًا، واندفع بقبضته.
تفاداه الرجل، ثم وجّه لكمةً صاعدة.
بووم!
ارتفع الرجل وسقط مغمى عليه أمام الطفلين.
“لا أحب استعمال قبضتي.”
قالها وهو ينفض يده.
“وهذه دفاعٌ عن النفس، فلا علاج بعد الآن.”
ابتلعت إيزيلين ريقها.
ليس شريرًا تمامًا… لكن ليس بطلاً أيضًا.
انحنى روبير وقال:
“شكرًا لك.”
“لا شكر على شيء.”
لوّح الرجل بالزرّ بين أصابعه.
فهمت إيزيلين فورًا.
“هذا ثمين جدًا!”
ابتسم ابتسامةً أقرب لابتسامة لصّ.
“تفهمين في الأسعار، أيتها الصغيرة.”
حدّقت فيه بغيظ.
ساعدهما طمعًا في الجوهرة لا غير.
نظر إلى روبير:
“وأنت… لست طفلًا عاديًا.”
تجهم وجه روبير.
“لستُ طفلًا ساذجًا.”
أضاءت عيناه الحمراوان بخطرٍ خافت.
تراجع الرجل نصف خطوة، ثم ابتسم.
“أرى… مثير للاهتمام.”
شرارةٌ خفية اشتعلت بينهما.
“أنقذتُ صاحب المتجر، فليشكرني.”
ثم عاد يحدّق بروبير.
“أصبحتُ أكثر فضولًا.”
“لا شأن لك.”
حاول روبير قبل قليل أن يسحب الزرّ بخيطٍ من المانا… لكنه فشل.
هذا الرجل ليس عاديًا.
قال بهدوء غامض:
“يبدو أن هناك شائعة لم تُكشف بعد.”
ارتجفت حدقتا روبير.
أهي عن مرضه؟
تصوّر الناس يهربون منه كحشرة… فضاق صدره.
لو لم يكن هذا المرض…
لكن الرجل تمطّى وقال:
“آه، تعبت.”
ثم مضى وكأن شيئًا لم يكن.
حدّقت إيزيلين في ظهره بغيظ.
أسوأ من صاحب المتجر.
كادت تلحق به، لكن يدًا أمسكت كتفها.
كان كمرِي.
“إيزيل، كفى.”
“اتركني.”
رمقته بنظرة باردة.
“كنتَ ستفضحه.”
سكت.
كان قد رآهما صدفة، واشتعلت غيرته.
منذ دخلت إيزيلين قصر أرماتي، لم تعد تقضي وقتًا معه، بينما اقتربت من روبير.
رآه يسرق، فتحرك بدافع الغيظ.
لكن تحت نظرتها، شعر بوخزٍ في قلبه.
“خيّبتَ أملي.”
تركته ومضت.
ولحقها روبير بعد أن رمق كمرِي بنظرة قاتمة.
انطلق الاثنان يركضان قبل أن يختفي الرجل الغامض عن الأنظار.
أما كمري، فوقف وسط الفوضى، يحدّق في ظهريهما البعيدين، وقبضته مشدودة، وعيناه تتلظيان بغيرةٍ طفولية.
انتهى…
[تذكير: لا تجعل قراءة الرواية تلهيك عن عبادتك]
ترجمة: آيريس
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 6"