[ملاحظة//البطل قال للبطلة اسم غير اسمه وهو روبرت رح يتم تعديل الفصول القادمة بناءً على ذلك]
—
عادةً، إذا اختفى أحد أبناء العائلات النبيلة ذات الاسم الرفيع، ينقلب البيت رأسًا على عقب، بل وتضطرب الإقطاعية بأسرها.
لكن سوبلي ظلّت هادئة كعادتها، رغم اختفاء الابن الوحيد لدوقية أرْماتي الكبرى.
طفلٌ مصاب بمرض، حتى والداه أعرضا عنه.
ذلك الواقع أسقط مكانة روبر داخل القصر إلى الحضيض.
باستثناء مونيكا، نادرًا ما كان أحدٌ يدخل غرفته، ولهذا لم يُكتشف اختفاؤه بعد.
ولعلّ هذا الإهمال هو ما أتاح له التسلل أحيانًا عبر الفتحة الخلفية في السور دون أن يُفتضح أمره.
أغمضت إيزيلين عينيها، لكن النوم لم يأتِ.
ومنذ أن تجسّدت في جسد طفلةٍ في الرابعة، لم يحدث أن استعصى عليها النوم هكذا. كانت ما إن تضع رأسها حتى تغرق في الأحلام خلال ثوانٍ.
أما الآن، فقد ازدحم عقلها بالأفكار، وكلّها تدور حول الطفل المستلقي إلى جوارها.
فتحت عينيها في هدوء الفجر، وتأملت وجه روبر الجانبي.
بشرةٌ بيضاء يكسوها وهجٌ أزرق تحت ضوء القمر، خدّان ممتلئان ببراءة الطفولة، ونظرةٌ يغشاها حزنٌ لا يليق بعمره.
“بمَ تفكر؟”
سألته فجأة.
أدار رأسه نحوها ببطء.
“ألم تنامي؟”
“استيقظتُ للتو.”
كذبت بخفة؛ فهي لم تنم أصلًا.
حدّق فيها قليلًا، ثم رفع بصره إلى السقف.
كانت عيناه الحمراوان تحت ضوء القمر أكثر صفاءً من المعتاد، وكأنه يحفر مشهد الغرفة في ذاكرته.
لماذا بدا وكأن هذا الطفل، المحاط بقصرٍ فاخر، يعتزّ بهذه الكوخ البسيط أكثر؟
شعرت بشيءٍ يضغط على صدرها.
“سألتك، بمَ تفكر؟”
“لا شيء… فقط.”
كان ساكنًا كدمية، لكن الحزن تسرّب إلى عينيه.
“أفكر… أنني أحسدك.”
مدّت يدها بلا وعي ووضعتها فوق صدره. ارتجف ونظر إليها بدهشة، وكاد يبعد يدها—
لكنها بدأت تربّت برفق.
“نم… نم…”
“أنتِ…”
“نم… نم… نومةً هانئة…”
سكنت حركته تحت لمستها الناعمة. ارتجفت عيناه قليلًا.
هل تدرك هذه الطفلة أين تضع يدها؟
تحت ثيابه الرقيقة تختبئ بشرةٌ مشوهة بمرضه… لا يريد لأحدٍ أن يراها.
عضّ شفته بخفة، ثم تردد قبل أن يتكلم.
قيل له إن الصديق الحق يشارك الحزن كما الفرح.
هل ستقبله كما هو؟
“أنتِ…”
خرج صوته خشنًا رغم تردده.
“همم؟”
ابتلعت ريقها توتره.
“هل… نحن صديقان؟”
توقفت يدها لحظة.
نظر بعيدًا متظاهرًا باللامبالاة، لكنها ابتسمت ابتسامةً دافئة دون أن تشعر.
أهذا حقًا من سيغدو الشرير الأعظم؟
مستحيل.
لو عاش طفولةً سعيدة… أكان كل شيء سيتغير؟
تفتحت في قلبها رغبةٌ بأن تمنحه شيئًا من السعادة.
ابتسمت بعينين مقوّستين.
“بالطبع.”
لم يجب.
لكن وجنتيه احمرّتا بلونٍ وردي لطيف.
فعادت تربّت على صدره، وفجأة أمسك يدها بقوة.
اتسعت عيناها.
كانت كفه رطبة من التوتر.
“ما بك؟”
تردّد.
هل يجرؤ أن يريها قبح مرضه ليرى إن كانت ستبقى؟
لكنه خاف…
خاف أن يخسر صديقته الوحيدة في يومٍ واحد.
ابتسمت له ببساطة، فاستمدّ شجاعةً لحظة.
“إيزيلين.”
“نعم، روبرت.”
تجمّد.
اسمٌ حقيقي لم يخبرها به.
أعطاها اسمًا مزيفًا، فكيف يطلب منها مشاركة ألمه؟
تدافعت في ذهنه نظرات الاشمئزاز… نظرة أبيه، برود أمه، احتقار الخدم.
تخيّل ابتسامتها تتشوّه كأنها تنظر إلى حشرة.
أغلق شفتيه.
“لماذا ناديتني ثم صمتّ؟”
“نسيتُ ما أردت قوله.”
“ماذا؟ هل أنت سمكة؟”
رمش، ثم أطلق ضحكة قصيرة.
“هذه أول مرة أُهان فيها هكذا.”
“حقًا؟”
انفجرت ضاحكة.
كان ينبغي أن يغضب… لكنه ابتسم دون وعي.
وإن كان سمكة، فليكن.
ما دامت تضحك هكذا.
“روبرت.”
نادته مجددًا.
“تعالَ كثيرًا. ولننم معًا هكذا دائمًا.”
خفق قلبه بقوة.
“لماذا لا تجيب؟”
“…”
“ألا تريد؟”
“لا… إذا كنتِ تصرّين فلا بأس.”
ابتسمت بانتصار.
“شكرًا.”
★*★*★*★*★[تذكير: لا تجعل قراءة الرواية تلهيك عن عبادتك٭]
طلع الصباح.
فتحت مونيكا الباب كعادتها لتلقي نظرة على ابنتها قبل الذهاب إلى العمل.
كانتا أنفاسًا هادئة… لكن المشهد لم يكن عاديًا.
روبر مستلقٍ عرضيًا، وإيزيلين مستديرة عكسه تمامًا، وقد وضعت ساقها فوق بطنه.
تأوه في نومه.
“يا إلهي…”
أنزلت ساقها عنه، فتحسّن وجهه.
لكنها لم تنم طوال الليل.
كيف خرج من القصر دون أن يراه أحد؟
لو أُعيد الآن قد تقع كارثة، خصوصًا بوجود الدوق.
وإن علموا أنه بات هنا، فلن يُعاقب هو وحده… بل هي أيضًا.
تنهدت.
لا سبيل لإعادته سرًا الآن.
لعل يومًا واحدًا لن يُكشف.
خرجت، وقد راهنت على الحظ.
★*★*★*★*★
دويّ طرقٍ عنيف على الباب أيقظ إيزيلين.
جلست، فرأت روبر مستيقظًا يحتضن ركبتيه بصمت.
“ما هذا الصوت؟”
“منذ قليل…”
كان خائفًا.
لو انكشف أمر هروبه قد يُعاقب بشدة.
“إيزيلين!”
جاء الصوت من النافذة.
“ما الأمر يا كِمري؟!”
تنفّس الصعداء.
“أقلقتِني! لماذا لم تظهري؟”
“كنت نائمة.”
“افتحي الباب.”
نزلت مسرعة، ثم التفتت إلى روبر.
“إنه جاري كيملي. لا تقلق.”
هز رأسه مرتاحًا.
فتحَت الباب، فحدّق بها كيملي بتعبٍ ظاهر.
“أقلقتِنا أمس أيضًا.”
“ذهبتُ لأرى أمي.”
هز رأسه.
“لنذهب.”
“سأبقى اليوم في البيت.”
تغيّر تعبيره قليلًا.
“البقاء وحدك خطر.”
“لستُ وحدي.”
وفي تلك اللحظة نزل روبر.
توقّف كِمري قليلًا.
“لديكِ ضيف إذًا.”
ابتسم بلطف، لكن روبر حدّق فيه بعدائية واضحة.
“أنا كِمري.”
لم يُجبه.
وفجأة، رفع كِمري إيزيلين بين ذراعيه.
“ما رأيك أن تأتي أنت أيضًا معنا؟”
★*★*★*★*★
كانت إيزيلين في حيرة.
المشكلة لم تكن في ظهور روبر؛ فقلة من الناس يعرفون وجهه.
المشكلة أن كِمري كان يحملها، وروبر يمشي بجوارهما عابسًا.
نظرت إليه.
‘هل يريد أن يُحمل أيضًا؟’
لم تفهم.
أما كِمري فلاحظ غيرته، ابتسم بسخرية وقال لها:
“اشتقتُ لحملك هكذا، أليس كذلك؟”
“أستطيع المشي وحدي.”
“أعلم، لكن من باب المزاح.”
اشتدّ عبوس روبر.
“هل أنتِ قردة؟”
“ماذا؟”
“لا تستطيعين المشي وحدك.”
“أستطيع!”
“أرينا إذًا.”
“أنزلني!”
أنزلها أخيرًا.
سارت بخطواتٍ ثابتة حتى وصلت السور، ثم التفتت بفخر.
“أرأيت؟”
“همم…”
تمتم روبر، لكنه بدا مرتاحًا على نحوٍ غريب.
أما كمري، فنظر إليه بنظرةٍ غير راضية.
انتهى…
ترجمة: آيريس
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 3"