كيييك.
على صوتِ انفتاح الباب الخشبي استيقظتُ من نومي.
وحين رفعتُ جفنيّ، انكشفت عينان صافيتان بلون الزمرد، وتدلّت فوق الوسادة خصلاتٌ بنية فاتحة لامعة، مبعثرة كيفما اتفق.
حدّقتُ في السقف الخشبي الداكن، وقد اختلط في صدري شعورُ العبث بالذهول.
“كيف يحدث هذا…….”
مددتُ كفّي نحو السقف، فارتسم في بصري كفٌّ صغير ممتلئ لطفلٍ لا يتجاوز الرابعة من عمره.
“لا بدّ أنه حلم.”
حركةُ لساني المتعثّرة، وجسدي القصير الضئيل…
كلّ شيءٍ كان يشي بذلك.
نزلتُ من السرير، وبدأتُ أمشي بخطواتٍ متهادية داخل المنزل.
يبدو أنّه كوخٌ صغير من طابقين.
“أين أنا بالضبط؟”
لم يكن بيتًا مهجورًا؛ بل تفوح منه رائحة سكنٍ دافئ.
ألم أستيقظ قبل قليلٍ على صوت فتح الباب؟
“إيزِلين!”
جاءني الصوت من خارج النافذة، فاتّسعت عيناي الزمرديتان دهشةً.
‘هل ينادونني؟ اسمي إيزِلين؟’
تردّدتُ لحظة، ثم صعدتُ إلى السرير وأطللتُ برأسي من نافذة الطابق الثاني، فرأيتُ صبيًّا في نحو التاسعة يلوّح بيده بحماسة.
“إيزِلين!”
“نعم!”
أجبتُه على الفور.
يبدو أن اسم هذا الجسد هو إيزِلين.
لا أفهم ما الذي يحدث، غير أنّ قدرة الإنسان على التأقلم عجيبة؛ فقد وجدتُ نفسي أساير الموقف كأنني أمثّل دورًا أُتقنه منذ زمن.
سألني الفتى:
“خالة مونيكا ذهبت إلى قصر أرمايتي، أليس كذلك؟”
“نـ، نعم. أظنّ ذلك……؟”
تسرّب العرق إلى جبيني.
‘أرمايتي؟’
اسمٌ مألوفٌ إلى حدٍّ مخيف.
أول ما خطر ببالي كان: لا تقل لي إن…
هل اندمجتُ في الرواية التي كنت أقرأها حتى رأيتُ حلمًا بهذه الواقعية؟
“انزلي بسرعة! خالة مونيكا أوصتني أن أعتني بكِ اليوم أيضًا!”
“حـ، حاضر. سأَنزل الآن.”
تحرّكتُ على الفور.
هبطتُ السلالم الخشبية بخطواتٍ قصيرة.
كيييك.
صريرُ الباب القديم دوّى في أذني حين فتحته.
ابتسم الفتى بمكرٍ طفولي وقال:
“ما رأيكِ أن نلعب الغميضة في الغابة اليوم؟”
تأمّلتُه لحظة ثم أومأت.
“حسنًا.”
ما دام حلمًا، فلن يحدث شيء إن تبعتُ شخصًا غريبًا، أليس كذلك؟ ثم يبدو أننا نعرف بعضنا.
لكن… أهو حلمٌ واعٍ؟ هل أستطيع الاستيقاظ متى شئت؟
انشغلتُ بهذه الأفكار وأنا أتبعُه بخطواتٍ سريعة.
نظر خلفه قليلًا، ثم خفّف سرعته ليُسايرني.
“لقد أصبحتِ تمشين جيدًا منذ بلغتِ الرابعة.”
إذًا أنا في الرابعة فعلًا.
ابتسمتُ، فضغط على صدره بيديه وقال متأوّهًا:
“يا لكِ من لطيفة.”
هل هذا الجسد لطيفٌ إلى هذا الحد؟
من نظراته التي تكاد تتطاير منها القلوب، بدا أنه يُدلّلني كثيرًا.
“قبل أن نذهب إلى الغابة، هل نأكل حساءً وخبزًا؟ حساء الذرة الذي تعدّه أمي رائع.”
“نعم. أنا جائعة.”
ضحك وقال:
“كما توقعت! بقية الأطفال بدأوا بالأكل. هيا بسرعة.”
وصلنا إلى بيته، فوجدتُ الأطفال يملؤون الساحة ضجيجًا.
“كِمري! أحضر بعض الخبز!”
صوت امرأة—لا بد أنها جوليا، والدته—ارتفع من الداخل.
شعرتُ ببعض الارتياح حين عرفتُ اسمه أخيرًا.
“إيزِل، وصلتِ؟ كلي كثيرًا.”
“نعم.”
تناولتُ الحساء بكلتا يديّ بأدب، ثم جاء كِمري بخبزٍ عطِر ووضعه في وعائي.
“كلي معي.”
“حسنًا.”
جلستُ في زاويةٍ هادئة.
كان الحلم واقعيًا إلى درجة أن بطني قرقر فعلًا.
غمستُ الخبز في الحساء وأكلتُ بنهم، ثم نظرتُ حولي.
‘قريةٌ ريفية خالصة.’
حقولٌ وبساتين تمتدّ في سهولٍ خضراء.
وإن كان هذا هو عالم الرواية التي قرأتها……
ومع ذكر قصر أرمايتي……
لا احتمالَ إلا واحدًا.
هذا لا بد أنه إقطاع “سوبلي” الريفي، حيث كان روبر فون أرمايتي—الشرير الخفي في الرواية—يقضي طفولته بحجّة “النقاهة”.
وذلك القصر الفخم على التل… هو ملحق دوق أرمايتي.
هل غرقتُ في الرواية إلى هذا الحد؟
أتذكّر أن ضوءًا ساطعًا أحاط بي فجأة، وشعورًا غريبًا كأنني أُسحب إلى داخل الكتاب… أو هو الذي يبتلعني.
ثم فتحتُ عينيّ هنا.
لو كان حلمًا، فهناك أمورٌ مريبة.
لكن إن لم يكن حلمًا… فماذا يكون؟
“بدأت الغميضة!”
نهض أحد الأطفال فجأة، وانطلقوا جميعًا.
ارتبكتُ.
“مـ، ماذا؟!”
“آخر من يصل يكون هو الباحث!”
ماذا؟!
كان ينبغي إخباري مسبقًا!
ركضتُ بكل ما أملك من قوة، لكنني كنتُ الأصغر، والأبطأ.
“هذا غير عادل!”
خفّف كِمري سرعته قليلًا مراعاةً لي، ثم اختفى سريعًا بين الأشجار.
الأمرُ أشدّ إغاظةً حين يتظاهرون بالشفقة!
لهثتُ، واضعةً يديّ على ركبتيّ.
‘سأمسك بكم جميعًا!’
دخلتُ الغابة بعزم.
لكن كلما اقتربتُ من ظلٍّ ظننته أحدهم، فرّ هاربًا.
الغابة واسعة في عيون الأطفال، لكنها صغيرة للكبار.
ومع ذلك، كانت بالنسبة إليّ ساحة معركة.
وأخيرًا—
“أوه؟ وجدتك!”
رأيتُ خصلة شعرٍ سوداء خلف جذعٍ سميك، فانطلقتُ نحوه.
“هيّا!”
ضربتُه بقبضتي الصغيرة على رأسه.
“هـ… هاه……”
تجمّدتُ.
لم يهرب، بل جلس يبكي بصوتٍ مكتوم.
اتّسعت عيناي.
“آسفة… هل تألمتَ كثيرًا؟”
لم أظن أنني ضربته بقوة… لكننا في العمر نفسه.
جلستُ أمامه، وربّتُّ على الموضع الذي أصبته.
“كنتُ أمزح.”
رفع عينيه الحمراوين نحوي.
عينان بلونٍ قانٍ… مألوفٍ بطريقةٍ مخيفة.
“من أنتِ؟”
“أنا الباحثة. والآن دورك.”
لم يجب.
مسح دموعه بظهر يده، ثم نهض بعبوس وغادر الغابة.
تأفّفتُ.
أيغضب إلى هذا الحدّ لأنه خسر؟
لكن… لم أرَ هذا الوجه في بيت كِمري.
‘وجهٌ غريب.’
هززتُ رأسي وطردتُ الفكرة.
عدتُ أركض في الغابة بحماسة.
— •[تذكير: لا تجعل قراءة الرواية تلهيك عن عبادتك]
مرّت ساعاتٌ قبل أن “يُقبَض” على كِمري تمثيلًا.
عدتُ إلى البيت عند الغروب، واستقبلتني أمي—مونيكا.
نمتُ فورًا من شدة التعب.
وفي الصباح التالي—
استيقظتُ.
استيقظتُ… مجددًا؟
كان هذا سيئًا.
مرّ شهرٌ كامل، وأنا أعيش هنا: أتنفّس، آكل، يلعب معي كِمري…
وقفتُ أمام المرآة، أحدّق في جسدي الصغير.
“هذا جنون.”
لم يكن حلمًا واعيًا.
حتى أكثر الناس بلادةً سيدرك أن ثمة خطبًا ما.
“هل… دخلتُ حقًا إلى داخل الكتاب……؟”
قد أتمنّى أحيانًا أن أعيش في عالم الرواية، لكن من يظن أن ذلك ممكن فعلًا؟
“يا له من جنون.”
والمصيبة أنني لستُ بطلة، بل شخصيةٌ ثانوية بلا شأن!
فتحتُ الباب مسرعةً، ونزلتُ إلى الخارج.
وقفتُ في الفناء أحدّق في القصر على التل.
ملحق دوق أرمايتي.
حيث يُفترض أن الصبي روبر فون أرمايتي يقيم الآن.
ومكان عمل أمي مونيكا.
“إن ارتبطنا بذلك المكان… فسنُهلك.”
روبر—الذي سيغدو سيد العالم السفلي—سيختطف في المستقبل البطلة ليبني، حبيبة ولي العهد، ويعذّبها.
تذكّرتُ مشهدًا من الرواية:
<حدّق روبر بعينيه الحمراوين، كأنهما تفوحان برائحة الدم، نحو ليبني. ثم قبض على ذقنها بخشونة.
“ليت ولي العهد يرى هذا الوجه المذعور. يا للأسف.”
“آه…….”
كان صوته هادئًا على نحوٍ مرعب، وتحت ملامحه الباردة كانت لمعةُ جنونٍ ساكنة.>
وفي النهاية، يقطع ولي العهد رأسه بحدّ سيفه.
ولا يكتفي بذلك، بل يُصفّي كل من حوله.
أي أن الاقتراب من ذلك القصر… يعني الموت يومًا ما.
“أمي……”
ثم خطر لي: في أي نقطةٍ من الرواية نحن الآن؟
هل روبر طفلٌ حقًا في القصر؟ أم أنه كبر وغادر إلى العاصمة؟
“يجب أن أذهب وأتأكد بنفسي.”
شدَدتُ قبضتي، وبدأتُ أتجه بخطواتٍ صغيرةٍ حازمة نحو التل.
انتهى…
ترجمة[آيريس]
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 1"