ظلت نيريسا طوال النهار خارج الورشة وكأنها لم تستيقظ من حلمها، عقلها غائب طوال الوقت.
كل ما حدث في تلك المساحة الليلة الماضية، بدا لها كأنه وَهْم.
في اليوم الذي قررت فيه التوقف عن مقابلة روبرتو في الورشة، انتهى بهما الأمر إلى الاعتراف بمشاعرهما لبعضهما.
كان ذلك حقاً بمثابة معجزة. أو ربما كارثة.
“هاه……”
العالم الخارجي ظل يسير في مساره الاعتيادي جداً اليوم.
شيء واحد فقط هو الذي تغيَّر: أن روبرتو عانقها وقبَّلها.
لكن مجرد هذه الحقيقة الوحيدة، قلبت عالمها رأساً على عقب بين عشية وضحاها.
“……”
كانت نيريسا تحضن وعاءً مليئاً بمطاط سائل بينما كانت تدرس فكرةً ما، ثم غاصت مرة أخرى في أفكارها بغباء.
لم يتحمل جويل رؤيتها هكذا، فنبهها:
“آنسة نيريسا، يبدو أنك قلقة بشدة اليوم.”
“آه، أنا آسفة لقد شرد ذهني مرة أخرى، أليس كذلك؟”
أسرعت نيريسا بإمالة رأسها.
يبدو أنها كانت تضع يدها في الوعاء المملوء بالمطاط السائل، ثم انغمسَتْ في أحلام اليقظة.
هزَّ جويل رأسه يميناً ويساراً.
“على أي حال، يبدو من الصعب عليكِ القيام بأي عمل في هذه الحالة أخشى أن تؤذي نفسك، قلقي ليس هيّناً.”
ابتسمت نيريسا باحراج.
“أنا آسفة. سأركز جيداً.”
انتهى بها الأمر إلى أن تُوَجَّه إليها كلامٌ من مساعدها.
أخرجت نيريسا زفيراً طويلاً “هوو”، وحاولت أن تجمع أفكارها.
لكن جويل تذمَّر وأوقفها.
“كلا، يبدو من المستحيل التركيز اليوم على الإطلاق. في مثل هذه الأيام، حتى النجارون المهرة لا يعملون ويُريحون رؤوسهم، في رأيي، من الأفضل أن تعودي إلى المنزل وتستريحي قليلاً.”
نظرت نيريسا بحيرة حول ورشة العمل.
بالإضافة إلى المطاط السائل، كانت هناك أدوات خطيرة متناثرة هنا وهناك في مكان العمل.
كما قال جويل، في حالة عدم القدرة على التركيز، كان من السهل جداً التعرض لإصابة.
“أممم … ربما من الأفضل حقاً أن أستريح …”
“لا أعرف ما سبب قلقك الشديد، ولكن مهما كان، استريحي جيداً اليوم. اتركي تنظيف الورشة لي.”
نظراً لأن نبرة صوت جويل كانت جادة للغاية، لم تجادل نيريسا دون داعٍ وقبلت عرضه بسلاسة.
“شكراً لك، جويل. اليوم حقاً لا أستطيع التركيز في العمل.”
قررت نيريسا، دون أن يشعرها ذلك بالخجل، أن تغادر العمل في ذلك اليوم قبل جويل.
****
“أنا حقاً فقدتُ صوابي تماماً…”
همست نيريسا بلا قوة بينما كانت تدوس على دواسات الدراجة الثلاثية ببطء.
كان شعوراً بالذنب يراودها لأنها عادت إلى المنزل في وضح النهار.
انفجرت ضاحكة.
إذا عرف أحد أنها تشعر بالذنب لأنها غادرت العمل مبكراً، لظن أنها مدمنة عمل.
مرَّت نيريسا بالأطفال الذين كانوا يلعبون في الشارع، ووصلت أخيراً إلى المنزل.
فتحت السياج، وأدخلت الدراجة الثلاثية، ثم وضعت عليها قطعة قماش مقاومة للماء وثبتتها بحجر في الزاوية حتى لا تطير.
كان المشهد خارج منزلها متواضعاً جداً، لدرجة أنه لا يمكن تصديق أن مطوِّرة “فيسبادن كرافت” تعيش فيه.
“هوو…”
خلعت نيريسا معطفها الخارجي وعلقته بعشوائية على الأريكة.
ثم سكبت القهوة التي صنعتها في الصباح ولم تشربها كلها في كوب.
عادت عادات حياتها السابقة بشكل طبيعي.
لو كانت الجعة بدلاً من القهوة لكان الأمر مثالياً أكثر.
أشعلت النار في المدفأة، وحدقت بذهول في ألسنة اللهب المتأرجحة وهي تحمل فنجان القهوة.
“……”
كان الحد الفاصل بين الواقع في عالمها والرواية يختلط.
بالطبع، كانت نيريسا نفسها السبب الأكبر في ذلك.
لو التزمت بالنص الأصلي بإخلاص منذ أن انتقلت روحها إلى هذا الجسد، لربما ظل هذا العالم مجرد رواية كما هو.
لكن لأنها تخلَّت عن حياة الشريرة الأصلية، لم يعد هذا العالم قادراً على أن يكون مجرد رواية.
من الآن فصاعداً، كل ما سيحدث هنا سيكون حقيقة واقعة لنيريسا أيضاً.
تماماً مثل أديلايد وروبرتو وجميع الآخرين الذين وُلدوا وترعرعوا هنا أصلاً.
لذلك، على افتراض أن العالم من حولها كله واقع، كان على نيريسا أن تُعيد التفكير في مهمة إحياء حياتها السابقة، والتي كانت هدف حياتها، من الصفر.
“ها، حقاً… كيف أحقِّق النهاية السعيدة…؟”
أرادت نيريسا أن تنفجر في البكاء.
لا ينبغي لها أن تفكر في معنى النهاية السعيدة فقط كخاتمة الرواية الأصلية.
إذاً، في الواقع، ما الذي تعنيه حقاً النهاية السعيدة الحقيقية؟
بل، بشكل أكثر جذرية.
هل يمكنها، كشخصية تُدعى ‘نيريسا’، أن تكون سعيدة في النهاية؟
بصراحة، لم تكن واثقة.
كانت تمثل دوراً فحسب.
كانت تبذل قصارى جهدها كشخصية مساعدة جيدة كجزء من مهمة استعادة حياتها السابقة بسلام.
لم تحلم قط بحياة سعيدة في نهاية المطاف هنا.
لقد فتحت الورشة فقط لأنها أرادت، باستخدام معرفتها كشخص معاصر، أن تتراكم لديها أعمال صالحة بدلاً من سوء الحظ الذي يلحق بالشريرة، وأن تراقب الثنائي الرئيسي بسعادة في نهاية القصة بدلاً من التراجع عن طريق الانتحار.
ثم جاء روبرتو في خضم كل هذا.
“هاه…”
استلقت نيريسا على الأريكة.
كانت بحاجة إلى تقييم الموقف ببرودة أكثر من أي وقت مضى.
لكن يبدو أن اليوم لم يكن يوماً مناسباً لذلك.
لم تتمكن من تهدئة رأسها البتة.
حالما أغمضت عينيها قليلاً، عادت أحاسيس جسدها بأكمله: القوة العضلية القوية التي أحكمت احتضانها، اللسان والشفتان الحارتان اللتان التهمتاها بعنف، صوت النفس المتسارع.
بدأ قلبها ينبض بلا سيطرة، وتَسارَعَتْ أنفاسها هي أيضاً.
“سأجن، أوووه…”
نهضت نيريسا فجأة من الأريكة.
توجهت مباشرة إلى الحمام.
ملأت حوض الاستحمام بماء بارد لدرجة أن يديها تخدِّرَان من البرد.
عندما يكون العقل مضطرباً، يعد الماء البارد الحل الأمثل.
رغم ارتجافها، وضعت نيريسا جسدها في الماء البارد وهي تطحن أسنانها.
“……”
هدأ ضجيج رأسها قليلاً أخيراً.
***
حاولت نيريسا، بعد خروجها من الحمام، إحياء جمر النار الذي كان قد خمد باستخدام وتد النار.
ربما لأنها لم تكن معتادة على ذلك، تطاير الرماد الأسود في كل مكان.
“إيه!”
صاحت نيريسا وهي تحرك المروحة اليدوية بحماس.
كان المكان مظلماً بالفعل.
يبدو أنها بقيت في الحمام لفترة طويلة دون أن تدرك.
“إذا لم أشعل النار بسرعة، سأصاب بنزلة برد.”
تذمرت نيريسا وهي تتحدث لنفسها.
في تلك اللحظة، سمعت صوت شيء يرتطم بنافذتها. تجاهلت نيريسا الأمر باعتباره شيئاً غير مهم.
لكن، مرة أخرى، طَقّ.
“……؟”
من المعتاد أن تقفز حصاة صغيرة عندما تمر عربة. لكن، لا يُسمع الآن صوت عربة؟
قطبت نيريسا حاجبيها وتوقفت عن الحركة وانتظرت.
وبالفعل، مرة أخرى، ارتطمت قطعة حجر أخرى بصوت طَقّ.
نهضت وهي تحمل وتد النار.
إذا كان هناك أشرار، وهم يعلمون أن امرأة تعيش بمفردها هنا، يلعبون مقلباً سيئاً!
أمسكت نيريسا بوتد النار كما لو كان هراوة، وفتحت النافذة الخشبية قليلاً جداً.
وفعلاً.
“……!”
كان هناك ظل لشكل مألوف جداً يلوح بيده الصغيرة من خارج السياج.
“روبرتو…”
همست نيريسا دون وعي منها.
انزلق وتد النار الذي كانت تمسكه وسقط على الأرض.
أشار الظل باتجاه المدخل، ثم اختفى من وراء النافذة.
التفتت نيريسا برأسها بسرعة ونظرت نحو الباب.
كان قلبها ينبض بشدة لدرجة أنها كانت تكاد لا تتنفس.
وكأن أطرافها قد تصلبت، لم تستطع الحركة.
بعد لحظة، جاء صوت منادي بخفوت:
“نيل.”
“……!”
ارتجفت كتفي نيريسا بقوة.
تقدمت نحو المدخل متعثرة وكأن شيطاناً قد سيطر عليها.
فككت المزلاج بأطراف أصابعها المرتعشة.
تشنّغ، اصطدم الصوت المعدني وتردد صداه.
بينما كانت نيريسا تتردد في مد يدها، دفع روبرتو الموجود في الخارج الباب بنفسه وفتحه ودخل.
“هوو، من الجيد أنكِ تنبهتِ بسرعة. كنت أحاول ألا أطرق الباب.”
ابتسم بلطف.
“أغلقت الورشة مبكراً كنت قلقاً من أن تكوني مريضة.”
قام روبرتو بإغلاق باب المدخل بشكل طبيعي.
ثم، كما لو كان يقول إنه يمكنها أن تشعر بالأمان الآن، فتح ذراعيه على اتساعهما وضم نيريسا بحزم إلى حضنه.
“……”
أغلقت نيريسا عينيها بصمت.
لم تشعر بأن كل ما كان يحدث في اليومين الماضيين واقعياً على الإطلاق.
أكان كل ذلك مجرد حلماً مليئاً بالإثارة؟
حلماً مرعباً في وضوحه، لدرجة أنها تستطيع أن تشعر حتى برائحة العطر الخشبية والدفء.
“جسمك بارد، نيل.”
سُمع صوت ضحكة منخفض من فوق رأس نيريسا.
تمتمت معتذرة:
“لم أشعل النار بعد…”
“سأفعل ذلك أنا.”
قبَّل روبرتو جبهتها بخفة، ثم نظر حوله بحثاً عن الأداة.
سرعان ما وجدها ساقطة بجوار النافذة.
“انتظري قليلاً.”
أطلقها من حضنه، وسار بخطوات واسعة لالتقاط وتد النار وجلس أمام المدفأة.
بعد بضع حركات ماهرة في تحريك الحطب، سرعان ما بدأت لهبة صغيرة في الارتفاع تدريجياً.
أصبحت نار المدفأة دافئة بسرعة.
مشت نيريسا ببطء ونظرت إلى النار ثم جلست على الأريكة الموضوعة.
ألقى روبرتو أيضاً بعض قطع الحطب الصغيرة، ثم نفض يديه وجلس بجانب نيريسا.
لم تعرف نيريسا ما الذي يجب أن تقوله.
لم تستطع أن تبتسم ببهجة، ولا أن تعبس.
“يبدو أنكِ كنتِ تفكرين كثيراً طوال اليوم.”
“……”
ردت نيريسا بإيجاب صامت على كلام روبرتو.
امتدت ذراع قوية لتطوق كتفها وتسحبها بقوة.
“في الواقع، كنتُ أنا أيضاً كذلك. نيل.”
صوته مُخلوطٌ بتنهد.
أدارت نيريسا رأسها المبعثر ونظرت إلى وجه روبرتو الجانبي.
كانت ظلال نار المدفأة تتراقص في عينيه.
“إذا قلتُ إنني كنت أرتعش خوفاً طوال اليوم، فهل ستصدقينني حقاً؟”
أدركت نيريسا في لحظة ما أن روبرتو لم يعد يُخاطبها بـ ‘سيدتي’.
“كان جلالتك خائفاً…؟”
“نيل.”
قال بتعبير يبدو أنه مليء بالانفعال لسبب ما:
“أرجوكِ، ناديني ‘روب’ فحسب. لا أستطيع تحمل ذلك اللقب على الإطلاق.”
ترددت نيريسا.
إذا نادته باسمه حقاً، شعرت وكأنها ستعبر نهراً لا يمكنها العودة منه.
التعليقات لهذا الفصل " 98"