أخذ روبرتو كأس النبيذ برفق من يدها.
“أعتزم أن أطالب بالثمن اليوم، هل هذا مقبول؟”
“…..”
لم تتمكن نيريسا من الإجابة على الفور.
ظلّت ليلة الاقتراح العابر الذي عرضه عليها روبرتو يومًا بتلك البساطة تدور في رأسها.
وكأنه قرأ أفكارها، ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة.
“بماذا تفكرين، نيل؟ لماذا أنتِ متحجّرة هكذا؟”
كانت نيريسا في حيرة شديدة.
إذا لم يكن ما يطلبه هو “ذلك الشيء” الذي تتخيله، فماذا إذاً؟
فتح روبرتو عينيه الزرقاوين برقة.
“بالتأكيد، أنا أيضًا فكّرت في “ذلك” الذي خطر ببالك الآن. لكنني مع ذلك أحترمك.”
“……”
“كنت سأمازحك أكثر، لكنّ قلقك الشديد جعلني أتراجع.”
ضحك روبرتو ضحكة خفيفة.
“هل يمكنك تخصيص بعض الوقت لي بعد انتهاء الحفلة؟ لطالما رغبت في التمشية معك في الخارج ولو لمرة.”
شعرت نيريسا وكأن الطاقة تترك جسدها فجأة.
واستسلمت للضحك بينما استبدل بها الإرهاق.
“هذا ليس صعبًا بالطبع.”
لقد توقعت أن يكون الثمن باهظًا، فإذا به مجرد نزهة.
شعرت بارتياح كبير، لكن في الوقت نفسه غمرها إحساس غريب بالفراغ.
ترى، ماذا كانت تتوقع؟ كان هذا وقاحة لا تضاهى.
سخرت نيريسا من نفسها بسبب هذه الازدواجية المروعة.
أأنتِ حقًا صديقة أديلايد؟ كيف تحملين مثل هذه المشاعر تجاه صديقتك؟
بهذا، أي فرق يبقى بينها وبين الشريرة الأصلية في القصة؟ اجتاحتها موجة قوية من الشك.
“نيل؟”
عندما سمعت صوته فجأة، حاولت نيريسا أن تطرد الأفكار من رأسها بقوة.
“آه، لا شيء. لقد تذكرت فجأة أنه في العاصمة الإمبراطورية، لم يسبق لي أن تبادلت حديثًا عابرًا مع سموّك خارج الورشة.”
“ليس تمامًا. لقد حدث ذلك أيضًا في العربة المتجهة إلى الأكاديمية…”
حدقت نيريسا في روبرتو.
اللحظات التي لم تتذكرها حتى هي نفسها، كيف له أن يتذكرها بهذه الدقة؟
ظلّ روبرتو مبتسمًا.
“ولكن ذلك كان في النهاية داخل العربة. لم أتمشَ معك حقًا في الهواء الطلق.”
سألته نيريسا دون أن تدري:
“لمَ تريد التمشية معي؟”
كان سؤالًا بسيطًا، لكنه احتوى على أسئلة أخرى عديدة متخفيةً داخله:
لمَ تريد المشي معي؟ لمَ تبدي اهتمامًا غير ضروري؟ لمَ تعاملني بلطفٍ إلى هذا الحد؟ ما حقيقتك؟ لماذا لا تفعل هذا مع أديلايد الحقيقية؟
عندما سمع روبرتو سؤال نيريسا، هدأت ملامحه قليلاً وأصبحت أكثر جدية.
وأجاب بهدوء:
“لأنني أريد أن أصبح أقرب إليك.”
“نحن قريبان بما يكفي بالفعل.”
خرج منها هذا الرد غير المرهف، ربما بسبب تأثير النبيذ الذي شربت منه بضع رشفات.
شعرت بمرارة غريبة.
لمَ تريد أن تصبح أقرب أكثر؟ وما الفائدة من أن تصبح أقرب إليك أكثر من المرأة التي ستتزوجها؟
ومع ذلك، أجاب روبرتو بجدية:
“لا، أريد أن أصبح قريبًا بما يكفي لأسمع قصتك الحقيقية.”
كانت نبرة صوته جادة لدرجة لا تسمح بأخذها على محمل المزاح.
“… حسنًا.”
أطرقت نيريسا رأسها.
***
عندما بلغ الحفل ذروة حماسه، اختلس روبرتو النظر ليتفحص الأجواء، ثم قاد نيريسا بحذر.
“لنخرج بهدوء.”
“نعم…”
كانت قد تناولت عدة كؤوس من النبيذ على التوالي منذ قليل، ربما بسبب التوتر.
هزّ روبرتو رأسه.
إذا كانت ترتعد هكذا لمجرد حديث عادي، فماذا ستفعل لو عرفت ما يدور في خلده؟ لربما أُصيبت بالإغماء.
نهض أولاً من مكانه.
بعد أن مشى بضع خطوات، التفت قليلاً ليتأكد من أن نيريسا تتبعه.
“……؟”
لكنها بدت مضطربة بطريقة ما.
للوهلة الأولى بدت طبيعية، لكن خطواتها كانت تميل قليلاً إلى الجانب بطريقة غريبة.
“هل أنتِ بخير؟”
“نعم، بالتأكيد.”
كان جوابها سريعًا.
ومع ذلك، راقبها روبرتو باهتمام.
كانت تجيب ببراءة ولا يتغير لون وجهها، لكنها لم تستطع المشي بشكل مستقيم واستمرت في السير بشكل مائل ومنحرف.
لم يتمالك روبرتو نفسه فضحك.
من الواضح أنها ثملة.
كانت تتظاهر بأنها ليست كذلك، لكنها في الحقيقة كانت ثملة بالتأكيد.
تمكنا بنجاح، رغم المشية المترنحة، من الخروج من قاعة الحفل.
نظر روبرتو حوله بنظرة عابرة.
لحسن الحظ، لم يكن هناك أي دليل على أن أحدًا يتبعهما.
“نيل.”
“نعممم.”
كان ردها ممدودًا قليلاً.
مشى روبرتو بجانب نيريسا متوافقًا مع خطواتها.
لكنها استمرت في الابتعاد عنه بمشيتها.
كانت لا تزال غير قادرة على المشي بشكل مستقيم.
“هاه…”
تمالك روبرتو ضحكته ومدّ ذراعه.
ثم أمسك بها بقوة بذراع واحدة وجذبها نحوه، وهي التي كانت تسير مائلة.
فقط عندها اتجهت خطواتهما معًا في نفس الاتجاه.
“همم…؟”
حدقت نيريسا في اليد الموضوعة على كتفها.
أجاب روبرتو بتظاهر بالغضب:
“أنتِ تستمرين في الذهاب إلى الجانب.”
“لم أذهب إلى الجانب…”
“حسنًا، حسنًا. فهمت.”
أجاب هكذا، لكن روبرتو لم يكن لديه أي نية لسحب ذراعه.
برزت فجأة رغبة قاتمة في داخله.
ماذا لو ذهبنا إلى مكان منعزل؟ لا أحد سيعلم.
لكن لا يمكنه إهدار هذه الفرصة الذهبية في مجرد إشباع رغبة.
حالتها الحالية تحت تأثير الكحول كانت فرصة مثالية للحصول على شيء ثمين أكثر بكثير:
حقيقتها.
قصتها العميقة الحقيقية التي لن تبوح بها أبدًا وهي في كامل وعيها.
لم تكن نيريسا الآن فاقدة للوعي تمامًا، لكنها أيضًا لم تكن في حالة ذهنية صافية تسمح لها بإخفاء شيء أو تلفيقه بدقة.
كانت هذه بالتأكيد الحالة المثالية لسؤالها عما يريد معرفته.
ابتسم روبرتو.
“هل استمتعتِ بهذه الرحلة؟”
“الرحلة… كلا، العربة كانت مرهقة جدًا…”
هزت نيريسا رأسها ببطء بوجه ممتعض.
“في المرة القادمة، سأجهّز عربة كبيرة تسمح لك بالاستلقاء.”
“أهاها، تقول “المرة القادمة”… أي مرة قادمة ستكون هناك…”
بدا ضحك نيريسا أجوفًا بطريقة ما.
تغيرت تعابير روبرتو بجدية.
“لمَ لا تكون هناك مرة قادمة؟ يمكننا دائمًا خلق فرص أخرى.”
“هذا غير ممكن… الجميع سيقولون إنني ألاحقه ويسيئون إلي…”
“من يسيء إليكِ؟ إذا سمعتُ مثل هذا الكلام، فلن أسامحه.”
شعر روبرتو بألم في صدره.
يبدو أنها كانت تتظاهر باللامبالاة تجاه ثرثرة المجتمع، لكنها في الواقع كانت تتألم سرًا طوال هذا الوقت.
بسبب كسرها لتقاليد المجتمع الراقي، تلقت نيريسا الكثير من الانتقادات الظالمة.
في البداية، استغرب روبرتو أيضًا هو الآخر.
لأنه كان مهتمًا بأفكار نيريسا فحسب، ولم يكن لديه أي مشاعر رومانسية تجاهها.
لكن انتقادات المجتمع تلك لم تكن كلها بلا أساس.
ففي النهاية، ألم يقع روبرتو في حب نيريسا التي اقتربت منه باستخدام هذه “الخدعة”؟
ابتسم ابتسامة مريرة.
“لا تهتمي بكلام الناس، نيل.”
“كيف لا أهتم؟ حتى أديلايد أصبحت تشكّ فيني…”
احتجز روبرتو أنفاسه.
أخيرًا ظهر ذلك الاسم.
أديلايد، السبب الذي جعل نيريسا تتردد في قضاء ليلة معه.
ضحكت نيريسا ضحكة أشبه بالنشيج.
“أهاها، أديل… تبدو متعجرفة، لكنها في الحاقع رومانسية جدًا.”
“كفى، نيل. توقفي.”
حاول روبرتو إيقاف نيريسا وهو يشعر بمشاعر متعثرة.
لكن الكلمات التي انفجرت بالفعل لم تتوقف.
تحول كلام نيريسا إلى شكوى متواصلة:
“أتعرف كم تشعر أديل بالألم؟ يجب ألا تفعل هذا حقًا، سموّك…”
“أنا، ماذا أفعل؟”
رد روبرتو وكأنه يعترض.
وكأنها لم تسمع سؤاله، خفضت نيريسا رأسها وتمتمت:
“لن أخون أبدًا… لقد وعدت أديل أيضًا، ووعدتك أنت أيضًا، سموّك…”
“……”
“وعدت ألا أطمع… وعدت ألا أخون…”
تنهد روبرتو في داخله.
لم يكن هذا هو الاعتراف الذي أراده.
القصة الحقيقية لنيريسا التي كان يريدها لم تكن كهذه.
“وعدتِ، إذاً لماذا؟”
ومع ذلك، تابع روبرتو سؤالها عما ستقوله بعد ذلك.
كبح رغبته في الصراخ.
إذاً أجيبي، نيريسا.
وعدتِ، فماذا في ذلك؟ هل تريدين كسر الوعد الآن؟
لكن خلافًا لتوقعاته، قالت نيريسا بتعبير يشبه التوبيخ:
“كن لطيفًا مع أديلايد قليلاً… إنها تشكّ فيّ. تستمر في القول إنني مخطئة…”
“أنتِ، ماذا تعنين بأنكِ مخطئة؟”
“أقصد… أنا لست مخطئة…”
لم تفهم نيريسا، التي كانت غارقة في تأثير الكحول، سؤاله بشكل صحيح.
شدّ روبرتو ذراعه الذي كان يمسك بها.
“نيل، لن أتزوج من أديلايد.”
“همم؟ هذا مستحيل. لقد تم الاتفاق عليه بالفعل.”
ردت نيريسا وهي تضحك بخبث.
شعر روبرتو بغضب لا يمكن تفسيره.
“لم أقل أبدًا أنني سأتزوج.”
“لكنك لم تقل أيضًا أنك لن تتزوج…”
“……!”
شعر روبرتو وكأن ماءً باردًا سُكِب عليه.
كانت نيريسا محقة.
لم يعلن بعد للعالم أنه لن يتزوج من فيسبادن.
تحت ذريعة تقليل سهام النقد الموجهة نحو نيريسا، وذريعة الحذر لكي لا تتأذى، كان يماطل طوال الوقت.
ولكن حتى مع تجمد قلبه هكذا من البرودة الآن، لا يمكنه ببساطة العودة إلى العاصمة الإمبراطورية والإعلان فجأة: “لن أتزوج من فيسبادن.”
كان هناك مبرر رسمي وهو زيارة عمل، لكنه في النهاية اصطحب نيريسا خارج العاصمة الإمبراطورية.
إذا ألغى خطبة الزواج في هذه اللحظة بالذات، فمن سيبحث العالم عن السبب؟
“نيل.”
أمسك روبرتو بنيريسا بشدة وأوقفها.
قبل إقناع العالم، كان عليه أولاً أن يوضح الأمر لنيريسا بشكل قاطع.
“اسمعي جيدًا، نيل. لن أتزوج من فيسبادن.”
“……”
حدقت نيريسا فيه بتعبير وجه فارغ.
صكّ روبرتو أسنانه وقال مرة أخرى:
“لدي شخص أحبه.”
«يتبع في الفصل القادم»
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 81"