لقد لاح النهار. أسرع رفاقُه بالرحيل. كان عليهم الوصول في أسرع وقتٍ ممكن إلى الإقطاعية التي تحوي غابة أشجار المطاط.
لم تتمكن نيريسا من الحصول على قسطٍ كافٍ من النوم في ذلك اليوم أيضًا، كما فعلت في اليوم السابق.
كان سبب ذلك جزئيًا أنها أمضت اليوم السابق كله نائمةً في العربة بسبب دوار الحركة، ولكن أيضًا لأن أفكارًا متسارعةً لم تتوقف عن اجتياحها حالَما تُغمض عينيها، فحالت دون نومها تمامًا.
شعرت بثقلٍ في رأسها.
“آه…”
بينما كانت تقف أمام العربة وتضغط على صدغيها بأصابعها، جاء صوتٌ مألوف من جانبها مباشرةً.
“هل تعانين من صداعٍ ما؟”
“آه…”
نظرت نيريسا إلى الرجل الذي خاطبها.
نظر إليها روبرتو بنظرةٍ عابرة وهادئة، كما لو لم يحدث شيءٌ في اليوم السابق على الإطلاق.
ولما تأخرت في الرد، حوّل نظره إلى الخادمة.
فأجابت الأخرى بسرعة:
“لم تتمكن سيدتي من النوم جيدًا الليلة الماضية، ربما بسبب دواء دوار الحركة الذي تناولته أمس.”
“فهمت.”
ابتسمت نيريسا ابتسامةً خفيفة.
“لذا سأحاول اليوم أن أتحمّل بأي شكلٍ دون الدواء.”
“همم…”
عبس روبرتو قليلاً.
كان البروفيسور روبين قد انتهى أيضًا من استعداداته وخرج.
كان الجميع مستعدين، من ركاب العربة إلى الحراس الذين يمتطون الخيول.
“لننطلق.”
أعطى الفارس دوران الإشارة.
وانطلق الركاب في الطريق مرة أخرى.
***
أرسل كلٌ من روبرتو وروبين نظراتٍ قلقة.
حافظت نيريسا على ابتسامةٍ متكلفة بوجهٍ شاحب منهك.
“أنا بخير. إنها مسألة تحمّل قليلٍ فقط.”
قال روبين بجدية:
“إذا استمر الأمر هكذا لبضعة أيام أخرى، فستكون كارثة حقيقية.”
وافق روبرتو.
بدا أنه يجب اتخاذ إجراءٍ استثنائي لأجل نيريسا.
“سأضع الفارس دوران كحارسٍ لكِ. من الأفضل أن تأتي أنتِ وخادمتك ببطءٍ منفصلين.”
“كلا، لا يمكنني ذلك، سموّك.”
هزت نيريسا رأسها بحزم.
“المجيء ببطءٍ لن يخفف دوار الحركة. سيكون من الأفضل لي أن أتناول الدواء وأغرق في النوم.”
“همم…”
“…”
لم يجد روبرتو أيضًا حلاً بارعًا.
ويبدو أن روبين كان في نفس المأزق.
أغلقت نيريسا عينيها بإحكام.
نظر روبرتو إليها وهي تغمض عينيها بمشاعرَ مضطربة.
بشرتها الشاحبة البيضاء كالورق، وشفتيها المطبقتين بإحكام لمقاومة الألم.
تمنى روبرتو لو أنه هو الذي يعاني هذا الألم بدلاً منها.
***
أخيرًا، انتهت رحلة العربة الطويلة التي استمرت قرابة خمسة أيام.
لقد وصلوا تمامًا إلى وجهتهم.
نزلت نيريسا إلى الأرض وهي بالكاد تقف على قدميها منهوكة القوى.
“أوه…”
لقد كان بقاؤها على قيد الحياة بمثابة معجزة.
كان الوقت الآن قبل الظهيرة، وكانت زيارة غابة أشجار المطاط مقررةً بعد الغداء.
لذلك، كان أمامهم ساعتان تقريبًا للراحة قبل ذلك.
منح الإقطاعي مقر إقامته المتواضع لولي العهد بسخاء.
ومع ذلك، وبسبب صغر حجم الإقطاعية، لم تكن المرافق فسيحة، فاضطرت نيريسا مرة أخرى لمشاركة الغرفة مع خادمتها.
اقتربت نيريسا من روبرتو لتعتذر:
“سموّك. سأستريح في غرفتي بدلاً من تناول الطعام. لا أعتقد أنني قادرة على تناول أي شيء الآن.”
سمح روبرتو على الفور دون أن يبدو منزعجًا:
“حسنًا استريحي دون قلق. سأخبر خادم القصر بإحضار دواءٍ يساعد على استعادة الطاقة.”
“شكرًا لك.”
همّت نيريسا بالمغادرة، لكن روبرتو أوقفها:
“نيل. أعلم أن الجدول ضيق وأنه أمرٌ مرهق، لكن لم يكن أمامي خيارٌ سوى إحضاركِ معنا إلى الغابة أنا آسف”
“آه، ليس الأمر كذلك. أنا أيضًا أريد أن أرى غابة المطاط بأم عيني.”
أطلق روبرتو تنهيدة:
“في الحقيقة، لم أكن أعلم أبدًا أن رحلة العربة ستكون صعبةً إلى هذا الحد عليكِ. إنه تقصير مني.”
ابتسمت نيريسا قليلاً:
“سموّك، لماذا تعتذر؟ أنت تبالغ في رعايتي واهتمامك بي بل أنا من يجب أن يشعر بالأسف.”
كان من الخطأ —إن كان ثمة خطأ— ألا تتكيف بشكل صحيح مع وسيلة النقل الاعتيادية هذه هنا، وهي العربة.
لقد مرت شهور، وليس يومًا أو يومين، منذ استيلاء الروح عليها.
ابتسم روبرتو ابتسامةً مريرة:
“إذًا، أتمنى أن تتوقفي عن القول بأنكِ تسببين لي إزعاجًا أو أنكِ آسفة.”
أدركت نيريسا أخيرًا أن شكرها واعتذارها المستمرين كانا يزعجان روبرتو.
بدا أن الأفضل، لكي يكملوا جدول الجولة بسهولة، هو أن تفعل كما قال.
“حسنًا، سأفعل.”
لما أجابت بهدوء، ارتاحت ملامح روبرتو أيضًا.
“استريحي في غرفتك حتى آتي لأستدعيكِ. سأرسل لكِ وجبةً خفيفة.”
استقرت يده بلطف على رأس نيريسا.
انتشر دفءٌ لطيف من نقطة اللمس تلك إلى جميع أنحاء جسدها.
وكأنها بسحرٍ ما، بدأ التعب الثقيل الذي كان يثقل كاهل نيريسا يتلاشى ببطء.
“…”
رفع روبرتو يده ببطء واتجه نحو غرفته.
حدقت نيريسا للحظة في ظله وهي في حالة ذهول.
على الرغم من أنها جاءت هنا بوضوحٍ من أجل مهمة عمل رسمية، إلا أنها شعرت كما لو أنها قد خرجت في نزهة بعيدة مع شخصٍ تحبه.
لو أن رحلات العمل كانت دائمًا بهذا الشعور، لكان ذلك رائعًا.
لربما تطوعت للذهاب كل يوم.
“هاه…”
كانت هذه أيضًا فكرةً تافهة.
صحت نيريسا سريعًا.
***
بعد قليل، تناول روبرتو والبروفيسور روبين غداءً استضافه الإقطاعي.
“المسافة من مقر الإقطاعية إلى الغابة تستغرق حوالي ساعة بالخيول فقط، سمو ولي العهد.”
“أفهم. بالمناسبة، كيف خطرت لكَ فكرة إنشاء غابة أشجار مطاط؟”
كان البروفيسور روبين مهتمًا هو الآخر. أجاب الإقطاعي وكأنه يشعر بالحرج:
“كما سترون عند تجولكم في الإقطاعية، فإن الاعتماد على الزراعة وحدها بالكاد كان يوفر لنا قوت عامنا لذا درست إقطاعيات أخرى أكثر ثراءً، ولاحظت أنه يجب التجارة بشيءٍ ما للحصول على دخلٍ إضافي”
أومأ روبرتو برأسه تلقائيًا عند سماع ذلك.
كان الاعتماد على الزراعة وحدها كمصدر دخل للإقطاعية أمرًا محفوفًا بالمخاطر أحيانًا.
فإذا ما حلّ جفافٌ أو فيضان، سيتعين عليهم الجوع حتمًا دون حيلة.
“بحثتُ عما يمكن أن يكون منتجًا خاصًا بإقطاعيتنا، ولحسن الحظ، كانت أشجار المطاط تنمو بشكلٍ جيد هنا. لذا قررت إنشاء غابةٍ منها.”
“لكن حتى مع ذلك، أليس من الصعب أن تزرعوا بهذا الاهتمام منتجًا يبدو عديم الفائدة إلى هذا الحد؟”
“في الحقيقة، أجد صعوبةً حتى في وصف الأمر بأنه ‘باهتمام’. إنها ليست مزرعةً كبيرة، بالإضافة إلى أننا بدأنا هذا المشروع منذ بضع سنواتٍ فقط.”
لم يستطع روبرتو إلا أن يعتبر ذلك محض حظٍ سعيد.
لم يزرعوا المطاط عمدًا لاستخدامه، ومع ذلك ظهر فجأةً في الوقت المناسب تمامًا.
فكر للحظةٍ وجيزة جدًا: ربما تحظى نيريسا بحماية إلهية؟
لكن في اللحظة التي كان فيها يفكر في نيريسا، سأل الإقطاعي عنها أيضًا:
“بالمناسبة، هل تلك السيدة التي معكم مساعدة للبروفيسور؟”
نظرًا أن السؤال توجه إلى روبين، هزّ الأخر رأسه بشدة حتى تمايل شعره الأبيض القصير.
“آه، الآنسة نيريسا؟ كلا. بل هي على العكس…”
أشار برأسه خفيةً نحو روبرتو.
أطلق روبرتو تنهيدة خفيفة وتحدث:
“هي مستشارتي وهي أول من فكر في استخدام المطاط كمادة.”
“أوه، حقًا؟”
“نيريسا ليست مجرد مساعدة جاءت معنا. إنها الشخص ذو الدور الأهم في جولة التفقد هذه لذا احرص على عدم معاملتها باستخفاف، حتى عن طريق الخطأ.”
كانت نبرة روبرتو حازمة للغاية.
انحنى الإقطاعي باضطراب:
“نعم، سأحرص على ذلك.”
سأل روبرتو الخادم الواقف خلفه:
“هل نيريسا ما تزال في غرفتها الآن؟”
“نعم، قالت الخادمة إنها تناولت كوبًا من عصير الفاكهة منذ قليل.”
اطمأن روبرتو.
كان شرب العصير أفضل بكثير من الامتناع التام عن الطعام.
قال روبين بقلق:
“علينا أن نستغرق ساعة أخرى بالخيول للوصول إلى المزرعة، هل ستكون بخير؟”
ابتسم روبرتو ابتسامةً ذات مغزى:
“توقعت ذلك، لذا أحضرت الدراجة ثلاثية العجلات. إنها في حجرة أمتعة العربة.”
“أوه!”
بينما كان روبين يبدي سعادته الغامرة، بدا الإقطاعي في حيرة.
“دراجة ثلاثية العجلات؟”
“إنها آلة يُركَبها البعض في العاصمة بدلاً من الخيول هذه الأيام. من تصميم الآنسة نيريسا.”
أجاب روبين نيابةً عن روبرتو.
ولما رأى الإقطاعي أنه ما زال لا يفهم، قال روبرتو متباهيًا:
“ستعرف عندما تراها لاحقًا. إنها بمثابة منقذٍ لمن لا يجيدون ركوب الخيل.”
“هه… حقًا؟”
عندها فقط أبدى الإقطاعي اهتمامه.
****
حان وقت الذهاب للتفتيش.
ظهرت نيريسا وهي تبدو أكثر نشاطًا بكثير مما كانت عليه عند الوصول، على الرغم من أنها لم تتناول سوى كوبٍ من العصير.
فوجئت كثيرًا عندما خرجت من مقر الإقطاعية:
“يا إلهي!”
“لقد أحضرتها تحسبًا، والحمد لله.”
ابتسم روبرتو مبتسمًا راضياً، كما لو كان قد توقع رد فعلها.
التفتت نيريسا نحو روبرتو بسرعة:
“لم أعلم أبدًا أنك أحضرت الدراجة ثلاثية العجلات!”
“هاها، يسعدني أنكِ سعيدة بها.”
“كلا، إنها أكثر من مجرد سعادة…”
اغرقت عينا نيريسا بالدموع.
بعد كل المعاناة التي عاشتها بسبب الخيل والعربات، كانت هذه الدراجة ثلاثية العجلات بمثابة حبل نجاةٍ لها حقًا.
“حجرة الأمتعة كانت صغيرة، لذا لم أستطع إحضار سوى واحدة. يمكنكِ أن تركبيها.”
“حقًا… لا أعرف كيف أشكرك…”
عندها قال روبرتو بتذمر خفيف:
“ألم تعدي وعدًا بالتوقف عن ذلك الشكر؟”
“آه، هذا صحيح. لكن مع ذلك…”
صعد كل من روبين والإقطاعي على خيولهما.
ووثب روبرتو على جواده المفضل.
“هل يمكننا الانطلاق الآن، نيريسا؟”
“نعم!”
جلست نيريسا على الدراجة ثلاثية العجلات ووضعت قدميها على الدواسات.
التعليقات لهذا الفصل " 79"