لم ترَ نيريسا ورشة العمل طوال اليوم إلا للحظة عندما مرّت لتخبر جويل عن المهمة المطلوبة له.
أديلايد كانت مندهشة بعض الشيء عندما رأت نيريسا تقضي اليوم بأكمله في المكتبة.
“ما الفكرة التي خطرت لها هذه المرة؟”
قررت عدم إزعاجها على أي حال.
عندما اجتمع أفراد الأسرة في وقت المساء، سألت أديلايد نيريسا بخفة:
“هل وجدتِ ما كنتِ تبحثين عنه، نيل؟”
“آه…”
نظرت نيريسا للحظة نحو دوق فيسبادن ثم هزت رأسها موافقة.
“أعتقد أنني وجدت كل ما أحتاجه تقريبًا.”
عندها رفع الدوق رأسه.
“هل هناك فكرة جديدة مرة أخرى، نيريسا؟”
“آه، لا يزال الأمر مجرد مرحلة تفكير…”
بدت نيريسا محرجة لسبب ما وبدأت تتهرب من الحديث.
ابتسم الدوق مبتسامة راضية.
“لا تقلقي بشأن المستقبل، تحدثي فورًا إذا خطرت لك فكرة مشروع جيدة سأكون دائمًا مستعدًا لمساعدتك.”
“نعم…”
عقدت أديلايد حاجبيها قليلاً.
“أبـي، المشاريع جيدة، لكن إذا استمرت نيريسا في العمل هكذا، فلن تجد شريكًا مناسبًا أبدًا.”
“بل سيكون من الأفضل لو حظيت نيريسا بعطف جلالة الإمبراطور وضعها الحالي هو ما يجعل المجتمع الراقي يثرثر.”
بينما كانت الحوارات تدور بين الوالد وابنته، ظلت نيريسا صامتة منشغلة تمامًا بطعامها.
“…”.
بينما كانت تراقب نيريسا، شعرت أديلايد بغضب لا تعرف سببه.
كانت تعلم أن سبب ابتعاد نيريسا عن المجتمع الراقي هو ندمها على الماضي.
لقد كانت تترجم وعودها بعدم المساس بما يخص أديلايد إلى فعل.
لكن حدث ما لم يكن في الحسبان.
حظيت نيريسا باهتمام الإمبراطور وولي العهد أكثر مما كانت عليه عندما كانت في المجتمع الراقي.
يمكن وصفه بالغيرة.
بصراحة، كانت تشعر بالحسد أيضًا.
كانت أديلايد تشعر برغبة في البكاء فقط لأن نيريسا ذهبت إلى الأكاديمية مع روبرتو بمفردهما بسبب مشروع واحد.
ألم يكن الاجتماع بروبرتو بمفردها هو الامتياز الذي تمتلكه هي فقط كابنة نبيلة؟!
على الرغم من أنها تتظاهر بالهدوء أمام نيريسا، إلا أنها كانت تحترق من الداخل.
بغض النظر عن اعتراضات نيريسا، لم تعد أديلايد قادرة على تصديق ذلك “المستقبل” الذي كانت نيريسا تؤكد عليه في أعماقها.
قالت نيريسا إنها تغيرت أشياء صغيرة فقط.
ولكن عندما تتراكم هذه الأشياء الصغيرة، ألن تتحول دون أن تدري إلى تيار جارف يمكنه تشويه حتى المستقبل المُقرر سلفًا؟
لماذا لا تفهم نيريسا ذلك؟
لم تستطع أديلايد إلا أن تبتسم ابتسامة ساخرة.
***
في نفس الوقت تقريبًا، كان روبرتو يتحرك أيضًا بطريقته.
“صاحب الجلالة، لدي أمر مهم أريد مناقشته معك.”
“هاه؟”
جلس روبرتو مقابل الإمبراطور الذي كان يشرب بمفرده.
مدّ الإمبراطور كأسًا له بشكل طبيعي.
“هذا أمر غير معتاد في مثل هذه الساعة المتأخرة. هل هو أمر مهم؟”
“إنه يتعلق بشركة فيسبادن كرافت التي ذكرتها من قبل، صاحب الجلالة.”
بدأ روبرتو حديثه بجرأة.
“أجل. لمَ تسأل عنها فجأة؟”
“إذا كنتم ترغب حقًا في أن تصبح تلك الشركة مملوكة للتاج، ألن يكون من الجيد القيام بجولة تفقدية لها مرة على الأقل؟”
ضحك الإمبراطور ضحكة مكتومة.
“هاها، صديقي القديم يديرها دون شك بكفاءة وأناقة.”
“صاحب الجلالة، ألم تقل إن الدوق لا يرغب في التخلي عن الشركة؟ إذا كنت تبحث عن عيب للاستيلاء عليها، فلن يكون الأمر سهلاً بمجرد الاستماع لكلام الدوق فقط.”
“همم…”
أغمض الإمبراطور عينيه قليلاً ونظر إلى ابنه.
“صحيح، لقد كنت مهتمًا جدًا بالدراجة ثلاثية العجلات.”
“أنا لا أريد شركة فيسبادن كرافت نفسها حقًا. لكني أعترف، مخترع الدراجة ثلاثية العجلات يثير إعجابي.”
على الرغم من أنها كانت نية خفية، إلا أن الإمبراطور تجاهلها بلا اكتراث.
“تقصد إبنة دوق فيسبادن بالتبني. إنها بالفعل ذراع مفيدة.”
ملأ الإمبراطور كأسه مرة أخرى ببطء.
“أريد أن أسمع رأيك، روبرتو.”
“ليس لدي خطة محددة بعد. لكن إذا كنت تأمل في امتلاكها، فأيًا كان الأمر، ألا يجب رؤية الموقع على أرض الواقع؟ علاوة على ذلك، يمكننا إظهار مدى قوة رغبتك للدوق.”
“همم.”
تابع روبرتو بهدوء.
“من طبيعة الدوق المعتادة، لن يتمرد على العائلة الإمبراطورية للتمسك بشركة واحدة. يجب أن تعبر عن رغبتك بجدية، وليس مجرد أمنية عابرة.”
واجه الإمبراطور ابنه أيضًا بابتسامة غامضة.
“صحيح، كلامك معقول. إذا أردت، فعندما تتزوج الدوقة من العائلة الإمبراطورية، قد نطلب فيسبادن كرافت كجزء من جهازها. فهي الوارثة على أي حال.”
أصيب روبرتو فجأة بصداع.
هذه الدوقة.
هذا الزواج.
ولكن إذا جادل هنا، فقد ينحرف هدف المحادثة.
قرر روبرتو تأجيل الحديث عن زواجه الخاص لوقت لاحق.
“على أي حال، يبدو من الجيد أن تزور المصنع قريبًا. سأرافقك أيضًا.”
“حسنًا. دعنا نحدد موعدًا في غضون أيام قليلة.”
نجح روبرتو بسلاسة في إقناع الإمبراطور.
***
بعد أيام قليلة من ذلك، استدعى دوق فيسبادن نيريسا.
بمجرد عودتها من الورشة، غيرت ملابسها الخارجية بسرعة وتوجهت مباشرة إلى المكتبة.
‘يبدو أن روبرتو حدد موعد زيارة المصنع!’
كل ما يمكنها التفكير فيه كسبب لاستدعاء الدوق لها هو ذلك.
طرقت نيريسا الباب بخشوع.
“إنها نيريسا.”
“ادخلي.”
كان صوت الدوق هادئًا.
عندما دخلت نيريسا، لم يضيع الدوق وقتًا وشرح الأمر على الفور.
“يريد صاحب الجلالة الإمبراطور وسمو ولي العهد القيام بجولة في مصنع الدراجة ثلاثية العجلات.”
“حقًا؟”
شعرت نيريسا بقلبها يخفق بسرعة.
لقد قام روبرتو بدوره بشكل ممتاز حقًا.
والآن دورها.
“هل تم تحديد الموعد؟”
“جاء اتصال بأنهم سيأتون بعد غد. طلبوا عدم إخبار النجارين للحفاظ على السرية.”
“إذاً، نحن فقط من يعرف بزيارتهما من جانبنا؟”
“من جانبنا، هذا صحيح. آه، وسكريتيري أيضًا.”
كان سكرتير دوق فيسبادن بالطبع شخصًا يعمل معه كجسد واحد.
لكن ظهرت على وجه الدوق ابتسامة غامضة لسبب ما.
“هل تعرفين لماذا يغادر جلالته القصر فجأة بنفسه، نيريسا؟”
عرفت نيريسا بالفعل الإجابة جيدًا، لكنها قالت شيئًا آخر متصنعة.
“ربما لأنه معجب بنمو شركة فيسبادن كرافت؟”
“هاها، لو كان الأمر بهذه البساطة لكان أفضل بكثير.”
التوى فم الدوق قليلاً.
“عرفت عندما قابلت جلالته منذ وقت ليس ببعيد. إنه يرغب في فيسبادن كرافت بشدة.”
“…”
“لقد ظللت صامتًا لأنها قد تكون مجرد تعليق عابر، ولكن من خلال زيارته الشخصية، يبدو أن رغبته أقوى مما توقعت.”
سألت نيريسا بجدية:
“إذا رغب جلالته بنشاط، فهل سيتعين علينا تسليم الشركة للتاج؟”
“بغض النظر عن كونه الإمبراطور، فالقوانين صارمة، لذا لن يمد يده على الفور، لكنني أرغب في التعبير عن رفضي بطريقة غير مباشرة على الأقل.”
فكر الدوق وهو يداعب ذقنه.
شعرت نيريسا أن الوقت قد حان وفتحت فمها بحذر.
“لا بد أن هناك سببًا محددًا لرغبة جلالته في الشركة، أليس كذلك؟”
“… نعم. هناك.”
نظر الدوق إلى نيريسا للحظة ثم أقر بعد تأخر بسيط.
شعرت نيريسا بالضيق في داخلها.
تلك النظرة تعني أن الدوق كان يقرأ أفكارها أيضًا.
بمعنى آخر، كان يشعر بأنها لا ترغب في تصنيع الأسلحة.
لكن الدوق صمت في النهاية عن السبب المحدد لرغبة الإمبراطور.
“لكن لا تقلقي. لن يحاول جلالته استغلال سلطته لانتزاع فيسبادن كرافت بالقوة رغمًا عني.”
“لماذا؟”
“على أي حال، بعد وفاتي، سترثها أديلايد بالكامل، لذا لماذا يخلق مشكلة غير ضرورية بينما سيصبح الأمر ملكًا للتاج بشكل طبيعي مع الوقت؟”
“نعم…”
حكمت نيريسا أنه سيكون من الصعب تلميح ما تريد قوله للدوق مقدمًا.
لا يجب أن يظهر أنها تعرف بالفعل عن التصنيع العسكري.
وإلا فقد ينكشف تحالفها السري مع روبرتو.
لا مفر من ذلك. يجب التعامل مع الأمر في الموقع.
“عندما يقوم جلالته بالزيارة، هل يمكنني التواجد أيضًا؟ قد أكون مفيدة لكم، سيدي الدوق.”
“افعلِ ذلك. سأشعر بالاطمئنان بوجودك.”
وافق الدوق بترحاب.
***
عادت نيريسا إلى غرفتها وجلست مباشرة أمام مكتبها.
‘سأتعامل مع الأمر كأنه مقابلة عمل.’
تخيلت المشهد في ذهنها.
الإمبراطور وروبرتو يراقبان النجارين وهم يعملون بجد.
الدوق ونيريسا بجوارهما.
عندما يتجادل الإمبراطور والدوق حول فيسبادن كرافت، تستغل الفجوة التي يصنعها روبرتو لبدء الحديث.
الموضوع: “ما هو سلاح القوة العظمى الحقيقية؟” هدف الإقناع: إعطاء انطباع عميق للإمبراطور بأن قوة الدولة يجب أن تكون شيئًا أقوى بكثير من القوة العسكرية.
“هوو…”
أمنت نيريسا على الأقل أن تهدأ أطماع ذوي السلطة حتى تحصل على استقلاليتها.
إذا لم تستطع منع تحول فيسبادن كرافت إلى صناعة عسكرية بمفردها حتى النهاية، فعليها على الأقل الهروب من الشركة قبل ذلك.
في عالم نيريسا الأصلي أيضًا، في أي عصر، كانت التقنيات المبتكرة تُستخدم حتمًا لأغراض عسكرية.
بل إن التقنيات التي تم تطويرها أولاً للاستخدام العسكري غالبًا ما وجدت تطبيقات مدنية لاحقًا.
لكن على الأقل طوال مدة وجودها في هذا الرواية.
راجعت نيريسا المعلومات التي جمعتها في المكتبة في ذهنها مرة أخرى.
لحسن الحظ، كان هناك أمثلة لما تبحث عنه في تاريخ هذا العالم الذي لم يتم سرده بالكامل في الرواية.
لم تتوقع حتى أن يتحمس الإمبراطور والدوق لكلامها.
يكفي أن يساعدها الدوق لمنع انتزاع الشركة، وأن يقتنع الإمبراطور بأنه لن يتمكن من الحصول عليها بسهولة.
التعليقات لهذا الفصل " 70"