بدا صوتُ روبرتو وكأنَّه يرتجف قليلاً.
“نِيل، ما الذي يجبُ عليَّ فعلهُ؟”
كظمت نيريسا غَلَّة قلبها الموجوعة.
أليس روبرتو هو البطلُ الآخر الذي يُحرِّك هذا العالم جنبًا إلى جنب مع البطلة؟ لقد كان حرفيًا محورَ هذا العالم.
ومع ذلك، لم يكتفِ بأن فهم كلمات نيريسا الغريبة، بل تجاوز ذلك ليسأل عن المطلوب منه.
ذاك الذي يملك قوةً تُحرِّك العالم، ها هو يُقدِّم قوته دعمًا لإرادة شخصية ثانوية لا تُذكَر.
ولكن قبل أن تتمكن نيريسا من الإجابة، بدأت العربة تتباطأ تدريجيًا.
لقد أصبحت قريبة من وجهتها.
حاولت نيريسا كتم دموع عينيها التي أخذت تزداد سخونةً، وأجابت على سؤال روبرتو:
“رجاءً، احرصْ على تأمين مصادر المطاط سيصبح مادةً استراتيجية مهمة في المستقبل.”
“حسنًا، فهمتُ.”
لم يسأل روبرتو مرتين.
أخيرًا توقفت العربة تمامًا.
“…….”
نظرت نيريسا إلى روبرتو.
“…….”
ظل روبرتو صامتًا هو الآخر.
لكنه، قبل فتح باب العربة مباشرةً، أمسك بأنامل نيريسا بحذر ورفعها.
قبلةٌ قصيرة على أطراف الأصابع.
وفتح باب العربة على الفور.
“…….”
“…….”
لحظةٌ وجيزة، تبادل عينان زرقاوان وعينان سوداوان نظراتٍ حادة.
سرعان ما استدار روبرتو بسرعة ونزل بخفة من العربة.
ثم مدَّ يده لنيريسا بتعبيرٍ وحركة جسدٍ عاديين للغاية، وكأن شيئًا لم يحدث.
ابتسمت نيريسا ابتسامةً خفيفة.
لقد مضت اللحظة الحارّة والحلوة الخاطفة.
حان الوقت الآن للعودة إلى الواقع المرير قليلاً.
وضعت يدها بخفة فوق يده الممدودة، ووضعت قدميها على الأرض.
وودَّعته نيريسا في الحال:
“أشكرُ سموك بعمق على بطنك اليوم.”
الكثير مما تريد قوله، لكن كل ما يمكنها إخراجه بهذه الكلمات.
أومأ روبرتو برأسه دون أن يتحدث.
وتوقفت عربة آل فسبادن خلف ظهر نيريسا وهي تلقِّي التحية.
“…….”
صعدت نيريسا بهدوء إلى العربة مرة أخرى.
***
عاد روبرتو إلى القصر واتجه بخطواتٍ متثاقلة وعقلٍ شارِد.
اتجهت خطواته كأنها بغريزة نحو غرفة نومه.
كانت الأمور الحكومية التي يتعين عليه معالجتها متراكمة، لكنه لم يكن يرغب في فعل أي شيء على الفور.
“…….”
داخل الغرفة الموحشة الخالية من أي أحد.
مشى روبرتو متمايلًا كأنه على وشك السقوط، وجلس فجأة على السرير.
توجهت عيناه نحو «صائدة الأحلام» ذات الريش الأزرق.
حتى عند رؤيتها مجددًا، كانت قطعة فنية جميلة بشكل مفرط بالنسبة لشيءٍ صُنِعَ فقط لإبعاد الأفكار العابرة.
عندما سألها في العربة عن سبب انشغال ذهنها بتلك الأفكار العابرة، لم تتمكن من الإجابة بسرعة.
فسألها مازحًا في نبرة نصف جادّة: أتفكّرين ربما في رجل؟
“تبًا…”
لن ينسى أبدًا تغيُّر تعبير وجهها في تلك اللحظة.
وجهٌ احمرَّ فجأةً كالطماطم.
تعبيرٌ واضح لكل من رآه أنه أصاب نقطة ضعفها.
على الرغم من أن نيريسا أسرعت في التوضيح، إلا أن روبرتو تذكر في تلك اللحظة مشهدها وهي تتحدث وجهًا لوجه مع رجلٍ ما في حفل عيد ميلاده.
من خلال الجو العام حينها، لم يبدُ أن المحادثة بين نيريسا وذلك الرجل انتهت بشكلٍ ودي.
ولكن من يعلم ماذا حدث بعد ذلك.
يبدو أن روبرتو لن ينسى أبدًا ذلك الشعور بالدوار، كأن قلبه سقط فجأةً في هاوية.
تذكر ما قاله دوق فيسبادن بقلق وهو يتشارك كأسًا مع والده في الحفلة: أن سمعتها في الحضيض، وهل سيجدون لها عريسًا مناسبًا بهذا الحال؟
“…….”
شعر روبرتو كأن أحشاءه تتقلب.
ماذا لو عَجَّلَ دوق فيسبادن بالعثور على عريسٍ لها بحجة الاعتناء بمستقبلها؟
هل يستطيع حقًا أن يرى ذلك بأم عينيه؟
وجد صعوبة حتى في تخيل زواج نيريسا.
فحتى رؤيتها تتبسم وتتحدث مع رجلٍ آخر الآن تزعجه.
“ليتني أنا من أتزوجها بدلًا من ذلك.”
دفعة مفاجئة من الانفعال.
لكنها اصطدمت على الفور بواقع بارد محسوب وانهارت.
كان زواج ولي العهد شأنًا دوليًا جسيمًا.
لم يكن شيئًا يمكن فرضه بمجرد مشاعر روبرتو الشخصية.
علاوةً على ذلك، ما هو الوضع الحالي؟
منذ وقت طويل جدًا، كانت هناك مفاوضات زواج دارت بين العائلة الإمبراطورية وعائلة فيسبادن وهي على وشك أن تؤتي ثمارها الآن.
وكانت أديلايد أيضًا تتوقع ذلك بشكل طبيعي.
في مثل هذه الحالة، ماذا سيحدث إذا أدخل نيريسا فجأة في الصورة؟
حتماً ستُؤذَى نيريسا.
والأهم من ذلك، أنه لم يكن واثقًا حتى من نفسه.
كان طبعه باردًا جدًا ليتخذ قرارًا بتدمير هذا الواقع بجرأة وهو يحلم برومانسية نارية.
إذًا، هل سيتقاعس عند هذه النقطة؟
سأل روبرتو نفسه.
بالطبع كانت الإجابة فورية: مستحيل.
كم كانت متألقة عندما تحدثت عن المطاط الطبيعي.
وخصوصًا إمكانية الإطارات المطاطية التي ذكرتها، كانت مذهلة حقًا.
حركة المواد والبشر بشكل سريع وآمن، وبكميات كبيرة أيضًا.
ربما يكون ذلك تغييرًا هائلاً قادرًا على تحويل بنية المجتمع بأكمله.
بالطبع، لن تحدث كل التغييرات دفعة واحدة بمجرد تغطية العجلات بالمطاط.
لكن الاحتمالات العديدة الناشئة عن ركوب العربة براحة أكبر، كانت خيطًا يقود إلى تحولٍ أكبر بكثير.
“هووو….”
كان صدره ممتلئًا بشيءٍ ما، لدرجة أنه شعر وكأنه على وشك الانفجار.
ماذا أكثر مما هو مختبئ خلف عينيها السوداوين الشبيهتين بالهاوية السوداء؟
إلى أي مدى تستطيع هي توقع مستقبل هذا العالم؟
شخصٌ عادي مثله، في أحسن الأحوال، يستطيع فقط اللحاق بعالمها الشاسع كالكون، وهذا بحد ذاته سيكون أعظم شرفٍ له.
“أنتِ حقًا شخصٌ ثمين. لهذه البلاد، ولي.”
كان صوته الذي يتمتم قد أصبح رطبًا دون أن يدري.
نيريسا السابقة كانت شخصية تافهة تغار وتحسد أديلايد.
لكن نيريسا المتجددة تمامًا كانت تشع بضوءها الخاص.
كيف يمكنه نقل مشاعره الحقيقية بشكل صحيح؟
كيف يمكنه إقناعها دون أن تفزع، وبطريقة تسمح لها بقبوله بما يكفي؟
لم يكن روبرتو متأكدًا إذا كان الوقت الممنوح له كافيًا.
في أسوأ الحالات، من يدري ربما دخل رجلٌ آخر بالفعل إلى مخيلتها.
الشيء الوحيد الجيد هو أنه يبدو أن أهم شيءٍ لديها حاليًا، على الرغم من كل شيء، هو ورشة العمل.
لذلك، حتى لو كانت قد وضعت شخصًا ما في قلبها بالفعل، فمن غير المرجح أنها ستسرع بالزواج طالما أن عمل الورشة أولوية.
كم هي تافهة مسؤولياتها كفتاة نبيلة مقارنةً بالرؤية التي تحملها نيريسا.
كان من الطبيعي للغاية أنها تبتعد عن المجتمع وتكرس نفسها لما هو أهم.
لقد كانت امرأة جميلة حقًا عندما كانت تنشر أفكارًا لا حصر لها في الورشة، أكثر بكثير مما كانت عليه عندما كانت محصورة في المنزل.
ولكن، ماذا لو أصبح أنا، وليس نجل عائلة نبيلة تافهة، الشخص الذي بجانبها؟
أليس الشخص الذي يعرف أحلامها وموهبتها بشكل أفضل هو من يستطيع دعمها أكثر من أي شخص آخر؟
“…….”
لا يجب التسرع.
لأن العقبات التي أمامهما كثيرة جدًا.
بدءًا من وضعه كولي عهد.
إذا عبَّر عن مشاعره بتهور، فإن السهم سيصيبها هي العاجزة.
كان عليه منع ذلك بأي ثمن.
أغمض روبرتو عينيه ببطء.
‘عليَّ أولاً أن أفصل نِيل عن آل فيسبادن.’
كان عليه الانتظار.
حتى تنضج قوتها كفاية لتصبح مستقلة.
وكان مساعدتها في ذلك شيئًا يستطيع فعله على الفور.
“تأمين مصادر المطاط….”
تذكر روبرتو ما طلبته منه نيريسا.
“…….”
فتح عينيه مرة أخرى. ونهض.
حان وقت العمل.
***
في تلك الليلة، استلقت نيريسا أيضًا على السرير بعد أن أنهت جميع مهام يومها.
“هاا….”
حاولت أن تنسى بإبقاء نفسها مشغولة بالقوة، لكنه لم يكن أمرًا سهلًا.
روبيـرتو.
الرجل الذي استولى كليًا على يومها.
الرائع، البارد العقل، الذكي المخلوق ليكون الأكثر جاذبية في رواية الخيال هذه.
طالما أن نيريسا تعيش كشخصية في هذا العالم، كيف يمكنها ألا تحبه؟
كان اليوم بالنسبة لنيريسا يومًا أشبه بالمعجزة.
قال إنه على استعداد لتلبية احتياجاتها، وأن يقدم لها المساعدة التي تريدها.
كان هذا مختلفًا تمامًا عن نية دوق فيسبادن عندما جهز لها ورشة العمل.
لقد فهم روبرتو مُثُلها العليا، ودعمها كليًا دون حبسها في قالب خاص به.
لو لم تحقق دراجتها الثلاثية نجاحًا تجاريًا، هل كان الدوق سيسمح لها بالورشة حتى الآن؟
أجابت نيريسا بالنفي.
إذاً، روبرتو هو الشخص الوحيد الذي فهم بوضوح إلى أين تتجه أفكارها، دون النظر في مصالح كهذه على الإطلاق.
“…….”
انهمرت دموع نيريسا مرة أخرى.
إضافةً إلى رعايته الدافئة، أمسك بأناملها وقدم لها قبلةً وكأنها تحمل عاطفةً حب أيضًا.
لكن هذا لا يعني حقًا أنه يكن لها مشاعر حب رومانسياً.
ربما كان ذلك دلالة على احترامه لها، باعتبارها شخصًا موهوبًا يمكن أن يفيد الإمبراطورية.
لأنه ولي عهد كفؤ، وبطل مقدر له أن يحب البطلة كالقدر.
شدَّت نيريسا من عزمها.
سيكون الأمر فظيعًا إذا سقطت في حب من طرف واحد، وفسرت كل حركة وكل كلمة من روبرتو دون وعي بشكل خاطئ.
إذا حدث ذلك، فستنفجر القنبلة في صدرها وستتجه مباشرة نحو طريق الدمار تمامًا كالشريرة الأصلية.
للرد على إخلاصه، ولكي تتمكن من إنهاء مهمة حياتها الحالية بأمان وتعود إلى حياتها السابقة.
كان جواب نيريسا هو بذل قصارى جهدها في ورشة العمل.
«يتبع في الفصل القادم»
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 64"