****
في اليوم التالي، مرّت نيريسا على أديلايد قبل التوجّه إلى الورشة.
كان موعد اللقاء مع روبرتو بعد الظهر، لكن أديلايد كانت منشغلة منذ الصباح بالاستعداد للخروج.
لم يكن استعدادًا للمظهر الخارجي، بل استعدادًا للنفسية.
هدّأت نيريسا أعصاب أديلايد المتوترة من جديد.
“تصرفي كالمعتادِ فقط عندما تستمتعين بالمهرجان بصدق، ستجدين نفسِكِ قريبًا قد أصبحتِ على ألفةٍ مع سموه.”
“نيل، لم أسبق لي قط أن بادرتُ بهذا القدر من الحماسِ لطلبِ موعدٍ كهذا.”
كانت أديلايد تُعاني من ضغطٍ هائلٍ بأنّ على هذا اللقاء، الذي بادرت به هي، أن يكونَ ممتعًا بالضرورة.
وفهمت نيريسا مشاعرها تمامًا.
“لا حاجةَ لأن تُجبري نفسكِ على فعلِ شيءٍ ما فمكانُ المهرجان بحدّ ذاته سيقودُ الأجواءَ بشكلٍ طبيعي.”
“نعم…”
“ولكنّكِ في الوقت نفسه، لم تكوني لتستطيعي الجلوسَ منتظرةً حتى يبادر سموّ الأمير روبرتو أولاً. كان ذلك ليشُقّ عليكِ أكثر.”
“…….”
ربّتت نيريسا برفق على كتف أديلايد.
“أظهرِي مشاعركِ بثقةٍ أمام سموّه. فأنتِ مختلفةٌ عن الآخرين.”
كانت أديلايد كائنًا استثنائيًا للغاية.
أليستِ بطلةَ هذا العالم ومركزه؟
البطلُ هو للبطلة.
لذا، فحتماً سيعود روبرتو إلى حضن أديلايد.
لكن أديلايد، رغم تشجيع نيريسا لها، هزّت رأسها بتردّدٍ وعدم ثقة.
“لا أدري. هل أنا حقّاً مختلفةٌ عن الآخرين إلى هذا الحد؟”
“أديل، ما تملكينه فطريٌّ واستثنائيٌّ للغاية لقدِ اختبرتِ حتى العودةَ بالزمن.”
لم تصرّح نيريسا بأنّ أديلايد هي بطلة هذه الرواية.
فذلك سيفتح بابًا للكثير من الشرح.
وأكبر مشكلة هي أنّها ستضطرّ للاعتراف بأنّها شخصيًا ليست “نيريسا” الحقيقية.
يبدو أنّ إقناع نيريسا قد نجح، إذ عادَ البريقُ إلى عيني أديلايد.
“العودة بالزمن…!”
“أجل. إنّه أمرٌ لم يختبره في هذا العالم سوانا أنتِ وأنا إنّ كونَكِ من العائدين بالزمن أمرٌ استثنائيٌ حقًا.”
شكرتها أديلايد من كلّ قلبها.
“شكرًا لكِ، نيل إنّكَ تتحمّلين عناءَ تشجيعي عن قصدٍ مرّة أخرى.”
ابتسمت نيريسا ابتسامةً هادئة.
“إذاً، أراكِ لاحقًا في الورشة.”
وبعد أن ربّتت على كتف أديلايد، خرجت من الغرفة.
أثناء مشيها بخُطى وئيدةٍ نحو الورشة، أحسّت نيريسا فجأةً بشعورٍ من التقزُّز من نفسها.
‘يا له من تشجيعٍ حارٍّ أقدِّمه.’
تشجيعٌ لتحقيقِ الوِصالِ مع الرجلِ الذي تعشقهُ هي سرًا.
“هاه…هاها…”
تنهّدت نيريسا ثمّ ضحكتْ ضحكةً فارغة.
لو كانت شخصيةً روائيةً تَهْوَى الحبَّ حتى الموت، لسلكَت بلا شكّ طريقَ الشخصيةِ الثانويةِ الشريرة.
ذلك الشعور التافه بالحبّ من طرفٍ واحد، الذي يقلقها باستمرار، ما عليها سوى تجاهله.
***
اقتربَ وقتُ الموعدِ دون أن تشعر. ظهر
روبرتو عند ورشة نيريسا مرتديًا ملابسَ عامّة الشعبِ وقُبّعةً مُنْخفضةً بعمق.
كان مجيئُه إلى الورشة في وضح النهار، وليس في الليل.
ما جعل روبرتو يشعرُ بغرابةٍ بنوعٍ من التأثّر.
لأنه يستطيعُ مقابلَةَ نيريسا تحت ضوء الشمس الساطع، وليس في ظلام الليل.
لكنّ مزاجَه سرعان ما عادَ للكآبة.
فبعد قليل، سيتوجّبُ عليه التجوّل في ساحة المهرجان مع شخصٍ لا يرغبُ في مرافقته.
دَقَّ النافذةَ كعادته، فانفتح البابُ سريعًا.
وظهرت نيريسا تبتسمُ ببرود.
“جئتَ باكرًا. أديلايد لم تصل بعد.”
“فهمت.”
كان لدى روبرتو ما يفيضُ من الكلماتِ ليقولها، لكنّه كبح جماح نفسه ونظر إلى نيريسا.
لو تحدّثَ بصراحةٍ عن مشاعره في هذه اللحظة، لشبّهها بشعور دخول ضيفٍ ثقيلٍ غير مرحّبٍ به، هو أديلايد، إلى مساحته الحميمة الخاصة به وبنيريسا.
لا ندري إنْ كان قد أدركَ مشاعرَه أم لا، لكنّ نيريسا مَدتْ له فنجانَ شايٍ بوجهٍ مُطمئن.
“إذا انتظرتَ قليلاً، فستأتي أديلايد قريبًا.”
“…….”
أخذ روبرتُو الفنجانَ بصمت.
شعرَ بغضبٍ غير مبرّر.
كيف تتصرّف بهذا الاتّزان رغم علمها جيّدًا بسبب حضوره إلى الورشة؟
لكنّ الإجابةَ كانت معروفةً مسبقًا.
‘لستُ شريكًا رومانسيًا لها لذا فهي باردة المشاعر هكذا.’
كانت نيريسا محايدةً للغاية، وكأنّ وضع مسافة بينها وبين روبرتو هو الأمر الصحيح.
رغم أنّها كانت ذات يوم نيريسا التي حاكَت المؤامراتِ ونشرتِ الإشاعاتِ السيئةَ لسحب أديلايد من منزلتها، كلُّ ذلك بدافع الغيرة منها.
أمّا الآن، فقد وجدَ روبرتو نفسه هو الذي يتطلّعُ إليها.
في غضون بضعة أشهر فقط، تغيّرَ قلبُه كثيرًا.
وضع روبرتو فنجان الشّاي وتطلّعَ حول الورشة.
كان المشهدُ الداخليُّ كما هو.
ثمّ وقعَ نظرُه على شيءٍ ما.
كان جسمٌ خشبيٌّ على شكلٍ غير مألوفٍ موضوعًا في أحد أركان الورشة، وكأنّه نموذجٌ قيد التطوير.
اقتربَ روبرتو من ذلك الشيء ببطء.
“هذا يُشبه رسمَ عربةِ الأطفال.”
“أوه، أتتذكر؟ نعم لكنْ للدقة، إنّها ليست عربة أطفال، بل أداة مساعدة على المشي نضع عليها عجلاتٍ لدفعها إلى الأمام.”
“آه.”
مرّر روبرتو أصابعه على السطح الخشبيّ الخشن، فشعرَ فجأةً بوخزٍ في أطراف أصابعه.
“أُه…”
“آه!”
أسرعت نيريسا نحوه.
“ماذا حصل! يبدو أنّني لم أُنهِ صقلَه جيّدًا!”
أمسكتْ بأصابع روبرتو فجأة.
واتّسعت عيناها السوداوان إلى أقصى حدّ.
“يا إلهي، دخلتْ شوكة.”
أرتبك روبرتو فجأة أنْ أُمسكتْ يده.
“نيل، لا بأس…”
سحبَ إصبعه المسكُوبَ بعجلة.
أكثر من الألم، أربكه الشعورُ بالاختناق والتوتّر الذي انتابه.
نظرت نيريسا إلى روبرتو بنظراتٍ حائرة.
“يجبُ إخراجُ الشوكة فورًا! لا ينبغي أن تنغرسَ في الجلد!”
“سأفعل ذلك بنفسي، اثبتي مكانكِ.”
تمالك روبرتو نفسه بصعوبةٍ، ثمّ انتزع الشوكة بنفسه من طرف إصبعه.
ظهرت قطرة دمٍ صغيرة، لكنّها كانت طفيفةً بما يكفي لتُهمل.
هزّت نيريسا رأسها بحيرة.
“أعتذر. كان عليّ تحذيرك مسبقًا…”
“ليس ذلك خطأكِ بل خطئي أنني لمستُه بلا اكتراث.”
حاول روبرتو تهدئة نيريسا بألطف نبرةٍ يستطيع إصدارها.
بسببه وبسبب تهوره، أحزن نيريسا عبثًا.
“لكن مع ذلك…”
عقدت نيريسا حاجبيها كالمتألّم.
تحرّكت يدُ روبرتو دون وعيٍ منه.
وفي اللحظة التي همّ فيها بالتربيت على كتف نيريسا المنخفض——
“نيل! هل أنتِ بالداخل؟”
جعلهم الصوتُ الذي جاء فجأةً يَقِفون وَجِلين.
“أديل!”
أسرعت نيريسا وفتحت باب الورشة.
وكانت أديلايد واقفةً هناك بوجهٍ مُتأهب، وقد غطّت شعرَها الأشقر الجميلَ بمنديل رأس.
رَحّبت بها نيريسا قائلةً:
“تعالي للداخل. سموّه قد وصل بالفعل.”
“أوه، حقًا؟”
كتمت أديلايد خفقات قلبها المتسارعة وانحنت قليلاً تجاه روبرتو.
“حاولتُ الإسراع، لكنّني جعلتُ سموّك تنتظر رغم ذلك.”
“لا بأس، بل أنا الذي جئتُ مبكّرًا أكثر من اللازم.”
ابتسمت أديلايد مقابل ابتسامة روبرتو.
لقد جاء مبكّرًا وانتظرها، وهذه علامةٌ جيّدةٌ جدًا.
قالت نيريسا بصوتٍ مفعمٍ بالحيوية:
“بما أنّ هذه نزهةٌ سريةٌ في مناسبةٍ نادرة، استمتعوا بعيدًا عن الاهتمام.”
ردّ روبرتو بلا تعابير:
“سنفعل.”
“سنفعل، نيل.”
أجابت أديلايد أيضًا بوجهٍ مُشرق.
همّت أديلايد بالصعود إلى فرسها المُربوط خارج الورشة، فصدّتها نيريسا فورًا.
“الشارعُ مزدحمٌ للغاية بحشود المهرجان سيكون من الصعب إيجاد مكانٍ لربط فرسين معًا ربّما من الأفضلِ أن تركبِي أديل مع سموّه على نفس الفرس؟”
توقفت أديلايد للحظة ونظرت إلى روبرتو.
لكنّ روبرتو هزّ رأسه بوجهٍ باردٍ كالمعتاد.
“من الأفضل أن نركبَ كلٌّ على فرسه، وننزل قبل الدخول إلى ساحة المهرجان حتّى لو مشينا قليلاً، سيكون ذلك أكثر راحة.”
عندما رفض رأيها بشكلٍ قاطع، خفتت نيريسا كأنّ روحها خرجت منها.
اقتربت أديلايد من نيريسا وهمست في أذنها:
“شكرًا نيل. أنا بخير.”
“نعم…”
أدركت أديلايد سببَ تطفّل نيريسا فجأةً واقتراحها ركوب الفرس معًا.
لقد حاولت بكلّ جهدها أن تُقرّبَهما بأيّ طريقة.
رغم أنّ روبرتو رفضَ وفشلَ اقتراحها، إلا أنّ أديلايد استمدّت القوة من تشجيع صديقتها.
“…….”
صعدت أديلايد إلى الفرس ولوّحت بيدها الصغيرة، ثمّ اتّجهت مع روبرتو جنبًا إلى جنبٍ نحو الشارع.
***
أخرجت نيريسا، التي بقيت وحدها، نفسًا عميقًا.
“هاه….”
يا لهذا الروبرتو.
جدارٌ منيعٌ، بكل بساطة.
لقد حاولت مساعدة أديلايد المتوترة طوال هذا الوقت بسبب الموعد قليلاً، لكنّ من كان يظنّ أنه سيرفضُ بكلمةٍ واحدةٍ بهذه القسوة؟
ومع ذلك، فقد كان لطيفًا إلى حدٍّ ما في الورشة قبل قليل، وظننتُ أنّه سيكون أكثر تساهلاً اليوم من المعتاد، لكن يبدو أنّ ذلك كان وهمي أنا فقط.
كانت قلقةً من أن تكون قد سبّبت للإزعاج لأديلايد دون فائدة.
انطلقت زفرة نيريسا من تلقاء نفسها.
“هوو….”
عادت نيريسا إلى داخل الورشة بخُطى ثقيلة.
واقتربت من أداة المساعدة على المشي التي حاول روبرتو لمسها والتي دخلت منه شوكة.
انحنت أمامها وجلست على ركبتيها لتفحص هيكلها بعناية.
لقد ركّبت الهيكلَ تقريبًا حسب نموذج الطين فقط، ويبدو أنّ الصقلَ لم يكتمل بعد.
كان عليها صنفرتُها بمزيدٍ من الدقّة.
لو فعلت ذلك، لما أُصيب روبرتو.
فتحت درج ورشة العمل وأخرجت كميّةً من ورق الصنفرة.
عليها صنفرتُها مرّة أخرى حتى لا تبقى شوكةٌ واحدة.
“…….”
العملُ البدنيّ البسيطُ هو الأنسبُ حقًا لنسيان الهموم.
وسرعان ما فرغت نيريسا رأسها وانهمكت في صنفرة الخشب بخشخشةٍ مستمرّة.
«يتبع في الفصل القادم»
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 52"