“نيريسا. ينتابني شوقٌ كبير لمعرفة عملك القادم. أيمكنك أن تلقين إليّ لمحةً عنه؟”
توردت وجنتا نيريسا قليلاً عند سؤال الإمبراطور.
“أطور عربة أطفال يمكن بها الخروج للتنزه مع الطفل.”
“أوه، هذا مثير للاهتمام أيضاً.”
ابتسم روبرتو بهدوء بجانب الإمبراطور الذي بدا مسروراً.
“لقد رأيتُ تلك الرسومات بالفعل، جلالة الإمبراطور.”
“أوه، حقاً؟”
“ستكون أداة مفيدة جداً للنبلاء والعوام على حد سواء.”
تحدث روبرتو بصوتٍ يفيض بالثقة.
عندها فتحت الإمبراطورة فمها فجأة، هي التي ظلت طوال الوقت بلا تعبير.
“التبجُّح المتسرِّع خطرٌ يا ولي العهد. يجب الحذر في كل الأمور.”
“نعم، جلالة الإمبراطورة الأم.”
أجاب روبرتو فوراً، لكن قلبه غاص في برودة.
فقد أدرك أن الإمبراطورة تكره نيريسا بشكلٍ صريح.
فالإمبراطورة ذات الشخصية الأرستقراطية المتشددة لم تكن تنظر بعين الرضا لنيريسا ذات السمعة السيئة في الأوساط الاجتماعية.
إذ كانت الموهبة الأبرز في نظر الإمبراطورة هي بلا شك أديلايد.
قد تكون داخل عائلة فيسبادن فتاة نبيلة متهوِّرة تعمل برأيها، لكن داخل الأوساط الاجتماعية، كانت هي الزهرة المتعالية التي تتباهى بجمالها وأسلوبها الفريدين وبأرفع مكانة.
كانت الإمبراطورة تقول دائماً إنه لا توجد غير أديلايد صاحبة المواصفات المثالية من تحمل مؤهلات أن تكون إمبراطورة.
لسوء حظ روبرتو، وعلى عكس الإمبراطورة، لم يشعر بأي جاذبية في أديلايد تتجاوز جاذبية الفتاة النبيلة العادية.
فمجرد أن والديه من الجانبين قربا بينهما منذ الصغر، لذلك يتعامل معها بودٍّ عادي فحسب، وليس هناك شيء خاص فيها يفتنه أكثر من غيرها من النساء.
‘ذوق والدتي متحجِّرٌ إلى أقصى حد.’
وزيادة على ذلك، أن توبخه علانية أمام نيريسا التي أحضرت الدراجة ثلاثية العجلات.
حار روبرتو في كيفية حل ضيق صدر الإمبراطورة المعقَّد.
انحنى دوق فيسبادن بانسيابية.
“لن نخيِّب آمال جلالتكم في شركتنا. سننسحب الآن بإذنكم.”
“كما تشاء، دوق فيسبادن. سأدعوك ونيريسا مجدداً في المرة القادمة.”
“نعم، جلالتك.”
“نشعر بالامتنان، جلالتك.”
غادر الدوق ونيريسا المكان بعد أن أديّا التحية بأدب.
“……”
أدرك روبرتو أنهما لاحظا شعور الإمبراطورة غير المريح وابتعدا بسرعة.
بالطبع كان ذلك قراراً حكيماً، فلو بقيا لوقت أطول لربما تأذت نيريسا بنيران غضبها.
قلق من أن تكون نيريسا تأذت من رد فعل الإمبراطورة البارد.
ربما كان من الأفضل أن يلتقي بها منفرداً ويعتذر نيابة عن الإمبراطورة.
لذلك قرر أن يخرج متخفياً بعد غروب الشمس.
***
في ذلك المساء، بقيت نيريسا وحدها تحرس الورشة بعد أن انصرف جويل أيضاً.
“هاه…”
ما زال رد فعل الإمبراطورة الذي رأته أثناء لقاء العائلة الإمبراطورية نهاراً يؤرقها.
وسط الجميع مبتسمين مبتهجين، كانت هي الوحيدة ذات الوجه المتصلِّد والفم المطبق.
‘أهي تكرهني إلى هذا الحد؟’
في النص الأصلي، لم تكن الإمبراطورة شخصية ثانوية ذات دور كبير.
كان وصف مشهد استدعائها لأديلايد بين الحين والآخر لاحتساء الشاي هو كل شيء، أثناء تعمُّق حب روبرتو وأديلايد.
كان دور الإمبراطورة في الرواية مجرد أداة تحافظ بها أديلايد على هيبتها في الأوساط الاجتماعية.
لكن الإمبراطورة التي واجهتها مباشرة في الحياة التي انتقلت إليها كانت مرهقة جداً لنيريسا.
كما شعرت عند عرض الدراجة ثلاثية العجلات لأول مرة، فمن المؤكد أن الإمبراطورة لا تنظر بعين الرضا لنيريسا.
خصوصاً عندما يبدي روبرتو اهتماماً كبيراً بالدراجة ثلاثية العجلات، كانت هي تتدخل حتماً لتصبَّ الماء البارد على الحماس.
حتى عند عرض الدراجة ثلاثية العجلات لأول مرة أمام الإمبراطور، تفاعلت الإمبراطورة بحدة شديدة عندما علمت أن روبرتو سيخوض التجربة بنفسه.
وكان الأمر نفسه في اللقاء نهاراً.
لولا أن دوق فيسبادن انسحب في التوقيت المناسب، لَما عرفت نيريسا ماذا تفعل أمام ذلك العداء الصريح الموجه ضدها.
لو كانت أديلايد هي التي وقفت أمام الإمبراطورة لَسال العسل من عينيها.
فجميع نبلاء العاصمة يعلمون بحب الإمبراطورة لأديلايد.
ولهذا شعرت نيريسا بثقل أكبر.
فالإمبراطورة تكره بشدة أن يكون ابنها روبرتو وأديلايد التي تحبها على علاقة وثيقة بنيريسا الأقل منهما شأناً.
“هاه…”
أطلقت نيريسا تنهيدة عميقة ثانية.
‘يالحظ أديلايد إنها مقدرة أن تتّحد بالبطل الرئيسي.’
لم تكن تتخيل أنها ستحسد وضع بطلة الرواية التي تملك كل شيء.
شعرت نيريسا من جديد بتعاطف مع مشاعر الشريرة في النص الأصلي.
ولكن معرفة المشاعر لا تعني أنها يمكن أن تتخذ نفس خيارات الشريرة.
فبما أن نيريسا قررت أن تسلك طريقاً مختلفاً تماماً عن شريرة النص الأصلي، فهي مصممة على ألا تطمع جشعاً فيما لا يمكن أن يصبح ملكها.
إن كان هناك قاسم مشترك بين شريرة النص الأصلي ونيريسا الحالية، فهو حقيقة أن الصديق الحقيقي الوحيد، سابقاً وحالياً، هو أديلايد وحدها.
لكن شريرة النص الأصلي خانت تلك الصديقة الوحيدة من أجل طمعها.
ولم تكن نيرسا تنوي أن تسلك نفس هذا الطريق أبداً.
ومع ذلك، اعتقدت نيرسا أنها محظوظة جداً.
فأن تنتقل إلى جسد حرفياً ليس شخصاً عادياً، بل مُكفولة من عائلة فيسبادن، أمرٌ ليس بالهيّن.
فعلياً، هذا أيضاً مكانة رفيعة من وجهة نظر الناس العاديين.
فأخيراً، أليس دوق فيسبادن هو الذي يحل مشكلة لقمة العيش؟
بما أنها لا تحتاج للقلق على المأكل والملبس والمسكن، أليس هذا هو ما يمكنها من تحقيق حلمها بهذه السهولة؟
عدم الحاجة للقلق على لقمة العيش هو امتياز هائل في أي عالم.
شعرت نيريسا بالامتنان لهذه الحقيقة.
‘لذلك لا داعي لأن أكتئب لأنني لن أحصل على روبرتو.’
فبما أنها لم تضطر لتحمل دور الشريرة، كانت هذه الرواية تتجه نحو نهاية سعيدة من تلقاء نفسها.
لا يوجد سبب يدعوها لأن تتحمل دور الشريرة بحجة محاولة جمع الاثنين معاً قسراً، ولا حاجة لأن تكون جسراً بينهما بدورها.
وبالتالي، يجب أن يبقى الحسد مجرد حسد.
فلها رسالة أخرى أهم من روبرتو.
وبينما كانت غارقة في أفكارها، في تلك اللحظة بالذات…
“…!”
صوت طرق خفيف على النافذة.
وكما توقعت، كان هناك رجل يرتدي رداءً أسود وقلنسوة عميقة يلمس النافذة بأطراف أصابعه.
شعرت نيريسا فجأة بالضيق.
أتأتي للقائي ليلاً بعد أن التقيت بك نهاراً؟ وأنا أصلاً قلقة لدرجة أنني لم أتناول العشاء.
مع ذلك، استقبلت روبرتو بوجه هادئ متكلف.
“أهلاً.”
“تبقين في الورشة لوقت متأخر جداً اليوم.”
“لأنني قابلت جلالته نهاراً، تبقى لدي أعمال كثيرة.”
بذلت نيريسا جهداً كبيراً لتتظاهر بعدم المبالاة.
سار روبرتو ببطء داخل الورشة وهو لا يزال مرتدياً الرداء.
بدا وكأن لديه شيء يقوله، لكنه يتأكد كيف يبدأ.
لاحظت نيريسا ذلك وألقت طُعماً خفيفاً:
“ألم تكن مشغولاً اليوم، سيد روب؟”
كانت هذه طريقة أكثر لطفاً بكثير من السؤال المباشر عما يريده.
فبمجرد استمرار المحادثة بشكل طبيعي، سيخرج ذلك الأمر الذي يستصعبه روبرتو بسهولة أكبر.
استدار روبرتو فوراً ونظر إلى نيريسا.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفية، ثم حول نظره بعيداً مرة أخرى.
“حتى لو كنت مشغولاً، يجب أن أخلق وقتاً للراحة. وإلا قد أُصاب بالإرهاق وأُنهار، نيل.”
عندما سمعت نيريسا لقب “نيل”، أدركت أخيراً ما تعنيه ابتسامة روبرتو.
سماعه مباشرةً أمر مُحرج للغاية.
لهذا كان يبتسم هكذا.
من الذي اقترح وضع اسم شفرة لا داعي له أصلاً؟
لإخفاء وجهها المتوهج حمرةً، سارعت نيريسا لسكب القهوة في فنجان.
“لقد نفد الشاي من الورشة بالصدفة. هذه القهوة في الوقت الحالي.”
“آه، لا بأس. سأشربها بكل سرور.”
قبل روبرتو الفنجان دون تذمر وبكل سلاسة.
تعمدت نيريسا إثارة موضوع آخر بدلاً من الحديث عن القصر الإمبراطوري.
“لقد وصلت الدراجة ثلاثية العجلات ذات العربة القابلة للفصل تقريباً لمرحلة الإنتاج. الآن سيتمكن الأطفال أيضاً من ركوب الدراجة ثلاثية العجلات للذهاب إلى السوق والعودة.”
“نعم حتى الأطفال الذين يصعب عليهم ركوب الخيل.”
التقط روبرتو الحديث وهو يبتسم.
“بالمناسبة، ألم تكونِي أنتِ أيضاً لا تجيدين ركوب الخيل؟”
“نعم، هذا صحيح. في الماضي، كنت أتظاهر بعدم الخوف من الخيل.”
شعرت نيريسا من جديد أنها اتخذت القرار الصحيح عندما اتفقت مسبقاً مع أديلايد.
فأديلايد، التي تعاملت بارتجال مع روبرتو المشكك في نيريسا أثناء مسابقة الصيد، قد أتت لنيريسا وأخبرتها بهذا الأمر.
“ألا تنوين إخفاء ذلك بعد الآن؟”
“كلا. لن أركب على ظهر حصان مرة أخرى أبداً.”
فركت نيريسا ذراعيها اللتين اقشعرتا دون أن تشعر.
حتى عند استرجاع الذكرى، ما زالت تشعر بعدم الثقة.
ذلك الإحساس بعضلات تتحرك بشدة تحت الأرداف والفخذين!
ضحك روبرتو بصوت خافت عندما رأى ذلك.
ولكن في تلك اللحظة…
“…؟”
تجمد فجأة تعبير وجه روبرتو وتوقف عن الحركة.
مع تغير جوّه في لمح البصر، انغمس قلب نيريسا في برودة.
“لماذا، ما الخطب…؟”
“شش!”
اقشعرَّ جسد روبرتو في لحظة.
بحس الفارس الحاد الذي يمسك بالسيف، حاول أن يحبس أنفاسه ليتعرف على طبيعة تلك الطاقة.
أهي نية قتل؟ لا، بتعبير أدق، إنها نيّة خبيثة.
طاقة شريرة يطلقها شخص ما تجاه هذه الورشة.
رفع يبه بهدوء ليمنع نيريسا.
“لا تتحركي. هناك أحد ما.”
تجمدت نيريسا في مكانها وهي تحمل فنجان القهوة.
أمسك روبرتو بذراع نيريسا برفق وجذبها ليجلسها على الكرسي.
“سأخرج لأتأكد. هذا خطر، فلا تخرجي أبداً. ابتعدي عن النافذة قدر الإمكان.”
هزَّت نيريسا رأسها بلهفة بعيون مليئة بالخوف دون كلام.
التعليقات لهذا الفصل " 45"