كانت نيريسا، في حقيقة أمرها، تشعر بقلق بالغ إزاء ردّة فعل أديلايد.
إذ لم يكن بمقدورها إنكار أنها انتزعت خِطِّيب أديلايد، الذي أوشك الزواجُ به أن يتم.
لكن أديلايد، التي برعت طويلاً في إتقان تعابير وجهها، عصت على نيريسا اقتحامَ أعماقها دفعةً واحدة.
غير أن لمحةَ عينٍ تبادلتاها، عابرةً كلمح البصر، لم تكن حادّة البتة.
وهذا وحده كان كافيًا ليُريحَ قلب نيريسا قليلًا.
ألقت أديلايد نظرةً خاطفة حولها، ثم ارتسمت على محيّاها ابتسامةٌ تنبعثُرُ فيها نسماتُ الودّ.
“أرى أنكِ بخير، يا نيل. هذا يسعدني. ومباركٌ لكِ نيلُ اللقب.”
نظرت نيريسا بدورها حولها بارتباك. ولم تخطئ ظنّها؛ فأنظار الحاضرين كانت جميعها شاخصةً نحوهما.
خطر ببالها فجأةً أن لطفَ أديلايد المفرط هذا قد لا يكون سوى قناعٍ تتزيّن به.
أحسّت بوخزةِ حزن، غير أنها أدركت وجوب الحفاظ على هذا الهدوء الهشّ الذي تبذل أديلايد جهدها لتستبقيه.
“شكرًا لكِ، يا أديلايد.”
ردّت نيريسا باختصار، ثم وجّهت تحيّتها إلى الدوق أيضًا.
“أرجو أن تكون بخيرٍ وعافية يا صاحب السمو. إني لآسفة لتقصيري في السؤال عنك.”
تنحنح الدوق بارتباك، وأجاب بجفاف:
“أليس في الصمتِ بلاغ؟ المهم، تهانينا.”
“أشكرك.”
كانت إعادة اللقاء بأسرة فيسبادن، التي طالما أقلقتها، قد تمّت في أجواء ودّية نسبيًا.
سرعان ما أنهت أديلايد والدوق التحية وانصرفا نحو النبلاء الآخرين الذين ينتظرونهما.
***
ظلت نيريسا صامتة إلى جانب روبرتو بينما كان يتعامل مع النبلاء.
عندها، اقتربت منها أديلايد بهدوء وقالت:
“نيل، هل لي بكلمة؟”
خفق قلب نيريسا بشدة، لكنها أومأت برأسها طواعية:
“بالطبع.”
استدارت أديلايد ومشت في المقدّمة.
فانسلّت نيريسا في صمت مطبق من جانب روبرتو وتبعتها.
***
تقابلت المرأتان على الشرفة.
“نيل، يسعدني لقياكِ مجددًا.”
حدّقت نيريسا في أديلايد، في وجهها النقيّ الذي لا يشوبه شائب، ثم فتحت فمها:
“لستُ بارعةً في خِداع التعابير على هذا النحو في المحافل الاجتماعية. لذا أرجو… أرجو أن تكوني صريحةً معي.”
ابتسمت أديلايد بمرارة:
“إذاً أنتِ لا تصدّقين أني مسرورة بلقياك.”
“وكيف لي أن أصدق؟ لا سبب يدعو لذلك. فأنا…”
تردّدت نيريسا هنيهة ثم أطرقت برأسها بأسى:
“أنا من أخفيتُ عنكِ علاقتي بصاحب السموّ ولي العهد، وأنا من نكثتُ الوعدَ بعدم العودة أبدًا.”
نظرت أديلايد إلى صديقتها القديمة بجدّية.
“…حسنًا، إذاً. سأحذو حذوكِ في الصراحة، وسأقول ما في نفسي بلا مواربة.”
تخلّت أديلايد عن ابتسامتها، واعتدل صوتها خاليًا من الزخارف:
“لأكن صريحةً معكِ: لم أكن واثقةً أني سأستطيع مجرد التبسّم في وجهك اليوم قبل مجيئي إلى القصر لكن الحقدَ واللومَ أيضًا أمرٌ مرهق ومتعِب.”
صمتت نيريسا تنتظر تكملة الكلام.
زفرت أديلايد زفيرًا خفيفًا:
“بعد رحيلكِ، أصيب صاحب السمو ولي العهد بمرض شديد ورفض حتى أن يتلقى العلاج من أطباء القصر”
“….!”
لم تكن نيريسا تعلم بهذا الأمر قط، فانتابتها دهشة عارمة.
“أتدرين ما قاله لي يومها؟ قال إنه لا يبالي إن مات. وسألني إن كنتُ أعلم، إن كنتُ مثله سأعود بالزمن إلى الوراء.”
“ماذا…؟”
نظرت أديلايد إلى ملامح نيريسا المذهولة، وارتفعت على شفتيها ابتسامة مرة:
“لذا، لم أجد بدًا من أن أقول له في الحال إنني أتخلى عن الزواج فقد خشيتُ حقًا أن يموت إن لم أفعل.”
ثم مدت يدها إلى نيريسا:
“لا حيلة لي عليَّ أن أتقبل أنني لستُ بطلة هذه القصة.”
حدّقت نيريسا في اليد الممدودة إليها، ثم شبكتها بيدها بتردد.
“أجل… أنا أيضًا أعترف بذلك الآن. هذا العالم ليس سوى عالم يشبه الرواية التي قرأتها، لكنه يختلف عنها كل الاختلاف. ولم يعد بإمكاني إنكار ما يثبته ولي العهد بكل كيانه.”
“هه…”.
ضحكة أديلايد كانت حزينة.
تردّدت نيريسا لحظات، ثم فتحت قلبها أخيرًا:
“لا بد أن أخبركِ شيئًا في الحقيقة… هو تقدّم لي. وأنا قبلت.”
“آه…!”
نهض في صدر أديلايد شيء ما.
شعور معقد، لا تدرى أهو حزن أم فرح.
“مبارك لكِ، يا نيل بعد قليلٍ سأناديكِ بصاحبة السمو وليّة العهد.”
“شكرًا لكِ. و… أنا آسفة. كل ما في الأمر من ناحيتكِ أنا آسفة عليه.”
اعتذرت نيريسا مجددًا، من أعماق قلبها.
هزّت أديلايد رأسها بخفة:
“لا مزيد من الاعتذار. فسموّه لم يكن ليكن لي منذ البداية.”
تنفّست الصعداء، وعلى ثغرها ابتسامة رضا:
“قد يكون أبي قد عاملَكِ بقسوة نوعًا ما مراعاةً لمشاعري. ولكني سأحاول منعه قدر استطاعتي. فأنا أيضًا لا أرغب في قطيعة كاملة مع وليّة العهد الجديدة.”
“يا اديل…”
تأثرت نيريسا.
فكلمات أديلايد عن رغبتها في إنهاء الخلاف رفعت عن كاهلها قدرًا كبيرًا من الذنب الذي طالما أثقلها.
ابتسمت أديلايد بهدوء:
“أتمنى أن نتوقف نحن الاثنتان عن إتعاب أنفسنا. لا أريد أن أخسر صديقتي الوحيدة التي تتشارك معي كل الأسرار.”
اغرورقت عينا نيريسا، وخنقتها العبرة.
بفضل أديلايد، بطلة الرواية الطيبة التي لم تستطع أن تكون شريرة، تخلّصت نيريسا، شريرة الرواية، أخيرًا من ثقلها النفسي.
طأطأت رأسها:
“ربما أنتِ على حق، ربما هذا العالم هو رواية. قصة كبرى اسمها الحياة، كلٌّ فيها بطل قصته.”
رفعت أديلايد رأسها مجددًا، ووجهها أكثر ارتياحًا مما كان عليه قبل قليل.
“هيا، ألا نعود إلى الحفل؟ لا بد أن ولي العهد ينتظركِ.”
“…أجل، فلنعد.”
كتمت نيريسا أنفاسها لتخمد نوبة البكاء التي كادت تفلت من صدرها.
أرغمت شفتيها على ابتسامة ثقيلة، وعيناها تلمعان بالدموع.
علاقةٌ كانت على غير ما يرام، عادت إلى مجراها.
***
وصل الإمبراطور والإمبراطورة.
ما إن وقع بصر نيريسا على الإمبراطورة حتى انكمش جسدها غريزيًا.
لقد تصالحت مع أديلايد، ولكن لا يزال أمامها عقبة كؤود.
تسلل الخوف إلى قلبها.
أتعيش تحت سقف واحد مع الإمبراطورة عندما تتزوج روبرتو؟ وهل ستسعد حقًا؟
شبّكت نيريسا أصابعها التي أخذت تبرد وتتجمد. أيقينٌ هذا الذي تشعر به؟ لا يزال قلبها غير مطمئن.
جلس الإمبراطور والإمبراطورة وولي العهد على كراسيهم.
بدأ الحفل رسميًا.
تقدم الحاجب بأمر الإمبراطور، وبدأ بصوت رخيم يسرد أسباب منح نيريسا لقب النبالة: ابتكاراتها الثورية منذ أيام الدراجة، تطويرها لمادة المطاط، ثم اكتشافها التقنيةَ الجديدة لصهر معدن جديد من خام البوكسيت العادي.
وكان الفيصل في كل ذلك تصميمها للعربة المطوّرة التي جمعت كل هذه الأفكار في قالب واحد.
لقد قدّر الإمبراطور بشدة ما ستوفره هذه العربة من خفض في تكاليف النقل، وما سيتبع ذلك من قيمة تطويرية هائلة.
التعليقات لهذا الفصل " 145"