نظرت نيريسا إلى الرجل الذي بجانبها بعد أن سقط منهكًا، ولم يسعها إلا أن تشعر بالذهول.
في رأسها، كان صوت عقلها يصرخ بأن هذا خطأ، خطأ، ولكن جسدها كان صادقًا بشكل محرج.
يكفي قبلة واحدة لتفتح له ذراعيها.
“اسمع، روب…”
ما إن فتحت فمها حتى التف حول خصرها ذراعان قويان كالأفعى.
“همم؟”
“أظن أن هذا ليس الوقت المناسب لمثل هذا الحديث…”.
“إذاً لا تتكلمي.”
“…!”
أغلق شفتيها بشفتيه.
وقبل أن تتفوه بكلمة واحدة، خُرست ثانية.
لكنها لم تستطع أن تتغاضى عن الأمر بهذه السهولة. عقدت نيريسا العزم على معالجة الأمر جيدًا هذه المرة، فشددت قبضتها على عقلها الذي كان يحاول الإفلات منها بينما تلفت برأسها هنا وهناك.
“رُو، روب…! انتظر! نحن… لم نحدد بعد… علاقتنا بالضبط…”
“أحقًا؟ ألا تزالين غير متأكدة حتى ونحن هكذا؟”
اقترب روبرتو بوجهه من وجهها وهو يبتسم ابتسامة خبيثة.
“هذا غير مرضٍ أبدًا.”
“ههيك!”
كان من الصعب عليها أن تحافظ على صوابها وسط ذلك التسلل البطيء. ل
كنها رغم ذلك واصلت الحديث بيأس.
“ولكن… حتى لو، أنا لست واثقة من نفسي…!”
عندها فقط توقفت حركة الرجل تمامًا. سأل بصوت بدا عليه الحيرة الحقيقية.
“ما الذي لست واثقة منه؟ من أن تصبحي زوجتي؟”
“…!”
كادت نيريسا تصاب بالجنون.
كيف قفز الحديث فجأة إلى هذا الحد!
ترددت ضحكة منخفضة أمام وجهها.
“لا داعي للقلق مطلقًا لن يتغير روتينك اليومي كثيرًا، باستثناء أنني سأكون مستلقيًا بجانبك عندما تفتحين عينيك في الصباح.”
“ماذا؟ ولماذا؟”
لم تفهم نيريسا جيدًا.
كان روبرتو ولي عهد الإمبراطورية.
كيف يمكن لزوجة شخص كهذا أن تستمر في التركيز على أبحاثها وتطويرها بهدوء كما تفعل الآن؟
لكن وجه روبرتو كان يبدو واثقًا لسبب ما.
“لدي شيء أريد أن أريك إياه، يا نيل.”
“…؟”
***
بعد قليل، أخذ روبرتو نيريسا بيده وخرجا من مقر إقامتهما، وسارا في طريق هادئ.
“كنت أؤمن بأنه سيأتي يوم أُريك فيه هذا المكان.”
شد على يد حبيبته بيده التي لم تفتُر منها حرارة اللقاء بعد.
تبعته بصمت، ووجهها يبدو مذهولًا بعض الشيء.
وجد روبرتو حتى هذا التعبير جميلًا، فكبَت قلبَه الذي كان يكاد ينفجر شوقًا.
وبعد قليل، ظهر أمامهما مبنى ذو مظهر متواضع.
كان المكان هادئًا وحميميًّا لدرجة جعلت المرء يتساءل إن كان يوجد مثل هذا الركن في القصر الإمبراطوري الفخم.
“أين نحن…؟”
“هذه ورشة مكان يمكنك قضاء الوقت فيها بقدر ما تريدين.”
اتسعت عينا نيريسا دهشة.
“ورشة؟”
ارتسمت ابتسامة رضا على وجه روبرتو وهو يرى وجنتيها تورّتان شيئًا فشيئًا.
“تفرّجي بهدوء، يا نيل. كل هذه المساحة مُعدّة من أجلك.”
“يا للهول…”
تجولت نيريسا في الورشة وهي شاردَة الذهن.
كان هناك منضدة نجارة كبيرة ومتينة مثل التي استخدمتها سابقًا، بالإضافة إلى منضدة أخرى منفصلة مخصصة للرسم وصنع النماذج فقط.
كان هناك أيضًا فضاء واسع لتجربة النماذج الأولية دون إزعاج أحد.
يمكنها استخدامه كفناء الورشة الخلفي الذي جهزه لها دوق فيسبادن، لكن هذا المكان كان أكثر أمنًا بكثير.
وفضلًا عن ذلك، كان هناك ركن مخصص للاستراحة أثناء العمل مفروش بعناية فائقة.
وإطلالته الجميلة كانت مكافأة إضافية.
“كيف وجدته؟ أعجبك؟”
سأل روبرتو وقد بدا عليه التوتر.
أدارت نيريسا رأسها بسرعة ونظرت إليه.
“بالتأكيد! لا يمكن أن يكون هناك مكان أكثر مثالية من هذا.”
حينها فقط شعر بالارتياح.
انبلجت على وجهه ابتسامة مشرقة.
“أبهذا الاقتراح، أتقبلينه؟”
“آه…”
خفضت نيريسا عينيها بمرارة.
“روب، هذا قرار يجب أن نأخذه بحذر هذه الإمبراطورية لا تريد زوجة ولي عهد، أو إمبراطورة، تختفي في ورشتها.”
هز روبرتو رأسه فورًا.
“الإمبراطورة التي تحتاجها هذه البلاد هي، قبل كل شيء، امرأة تحب شعبها. ليست امرأة تهتم بمخالطة النبلاء في الحفلات الاجتماعية.”
“ولكن كيف يمكنني أن أكون عونًا لك وأنا على خلاف مع النبلاء؟”
“بل على العكس، أنت ستدعميني أنا شخصيًا دون أن تتأثري بمصالح الفصائل النبيلة هذا أكثر ما أحتاجه.”
أغمضت نيريسا عينيها وفتحتهما.
“وماذا عن آل فيسبادن؟ أتعتقد أنهم سيتقبلون بسهولة أن أصبح فردًا من العائلة الإمبراطورية؟”
كان روبرتو يعلم جيدًا مدى أهمية هذه المسألة بالنسبة لنيريسا.
لذلك، لم يكن باستطاعته إلا أن يكون جادًا في رده.
“نيل، لا تجعليهم يتحكمون في حياتنا. وتجاهلي الألقاب للحظة، وفكري فقط في روبرتو الإنسان. هل شخصيتي ترضيكِ؟ هذا فقط ما أريدكِ أن تفكري فيه.”
ارتدى ابتسامة متكلفة، مكابحًا قلبه المكظوم.
“أنا فقط… أعتقد أنني سأكون سعيدًا كل يوم بمجرد وجودك بجانبي.”
أخيرًا، أخرجت نيريسا العبء الثقيل الذي كانت تحمله.
“وماذا عن اللورد دوران؟ لقد فقد اللورد دوران حياته بسبب الإطار الذي صنعته في الحقيقة، لقد اعتقدت يومًا أن موت اللورد دوران جاء بسبب تخليي عن دوري كفتاة شريرة مساعدة.”
أجاب روبرتو بعينين أكثر جدية من أي وقت مضى.
“حادثة دوران كانت، بكل بساطة، حادثة. إن كان لا بد من تحمل مسؤولية موته، فهذه المسؤولية تقع عليّ أنا أيضًا، وليس عليك وحدك يجب أن نرد الجميل بأن نتذكره طول حياتنا. ولو كان على قيد الحياة، لكان أرادنا أن نعيش معًا بسعادة.”
نظرت نيريسا إلى عيني روبرتو بصمت.
كان يبتسم بصعوبة، لكن تعابير وجهه كانت كمن يوشك على البكاء.
كيف لها أن تجرؤ على رفضه وهو بهذه الحال؟
ثم أليس هو من انتظرها بصبر لأكثر من عامين؟
حان الوقت لتتخذ نيريسا قرارها.
أن تتجاهل كل الظروف الخارجية، وتفكر فقط في روبرتو الإنسان.
“أتعرف؟ أنت كنت أول شخص في هذا العالم يفهم رؤيتي.”
حدّقت عيناها الدامعتان بهدوء وهي تبتسم.
“شعرت حينها ولأول مرة أن وجودي معترف به. أنت كنت أول من عرفني حقًا في هذا العالم الغريب، حيث كنت وحيدة.”
ربما لن يكون هناك شخص آخر، في أي وقت، يفهمها كما يفهمها روبرتو.
صحيح أنه كان هناك أساتذة الأكاديمية، وجويل، ومارغريف تيودور.
لكن اهتمامهم كان منصبًا أكثر على التقنيات والاختراعات الجديدة الواضحة، وليس على تعاطفهم مع عالمها الذي تحلم به في النهاية.
طوال حياتها في هذا العالم، كان روبرتو هو الوحيد الذي يمكنها أن تطلق عليه حقًا رفيقًا بالمعنى الحقيقي.
إذا كان هذا العالم حقًا واقعًا آخر مختلفًا عن الرواية، عالمًا يمكن للجميع أن يكونوا سعداء فيه حتى لو حطموا النهاية السعيدة المحددة مسبقًا.
ألا يمكنها أن تتحلى بالقليل من الشجاعة، وأن تمضي قدمًا نحو هذه الحياة المجهولة، التي تشبه مغامرة لا يمكن توقعها؟
تأكدت نيريسا مرة أخيرة.
“أنا حقًا جاهلة بالسياسة. المجتمع الراقي لا يحبني. ربما تغضب عائلة فيسبادن هل حقًا لا يهمك كل هذا؟”
وهي تقول هذا، أحنت رأسها.
كانت الصعوبات التي تراها بوضوح كثيرة جدًا لدرجة جعلتها تتردد في الاختيار الذي يعتمد على الحب فقط.
لكن روبرتو أجاب دون تردد للحظة.
“بالطبع لا يهم فأنا لا أعتبر أحدًا غيرك رفيقًا لي.”
احتضن نيريسا التي أحنت رأسها بلطف.
“تزوجيني، يا نيل. أنا أحبك.”
“…أجل.”
دفنت نيريسا وجهها في صدر روبرتو.
امتلأت رئتاهما بعطر الحبيب.
ترددت ضحكة روبرتو الجميلة.
“يجب أن أجهز لمراسم الزواج فور انتهاء حفل منح اللقب غدًا.”
قالت نيريسا بصوت يكاد يختنق بالدموع.
“آسفة لأني جعلتك تنتظر طويلًا. وشكرًا لك.”
مرر روبرتو يده على شعرها.
“أنا من يجب أن يشكرك. لأنك جعلت انتظاري غير عبث.”
رفعت نيريسا رأسها ولفت ذراعيها حول عنق روبرتو. لم يعد هناك حزن في قبلتها هذه المرة.
في الورشة داخل القصر الإمبراطوري، وعد العاشقان بعضهما بالمستقبل.
***
أقيم حفل منح اللقب في قاعة الاحتفالات الكبرى بالإمبراطورية.
كان الحفل يبدأ منذ الصباح الباكر، لذا اضطرت نيريسا للاستيقاظ قبل طلوع الفجر.
“آه…”
في الحقيقة، لم تكن قد نامت تقريبًا.
فبعد أن تفقدت الورشة، عاد روبرتو إلى مكتبه، لكنه عاد لزيارتها في مقر إقامتها ليلًا.
ولم تستطع نيريسا إغماض عينيها إلا في أعماق الليل بعد أن أنهكها روبرتو.
وكأنها شعرت أنها استيقظت، ظهرت وصيفتها المختصة في الوقت المناسب.
“هل استيقظتِ يا آنسة نيريسا؟ يجب أن نبدأ التحضير للحفل قريبًا.”
“نعم…”
أجابت نيريسا بصعوبة وعيناها منتفختان.
أحضرت الوصيفة صندوقًا كبيرًا ووضعته على الأرض.
“لا شك أن لديكِ ثياب الحفل التي أحضرتها معكِ، لكن الأفضل أن ترتدي هذا اليوم.”
ذهلت نيريسا مما رأته داخل الصندوق الذي فتحته الوصيفة.
“يا للهول، ما كل هذا؟”
“صاحب السمو ولي العهد أعدّه خصيصًا من أجلكِ. الفستان، والحُلي، والحذاء، كل شيء موجود.”
التعليقات لهذا الفصل " 143"