“لكنّني لم أتوقع أبدًا أن تمنحوا نيريسا رتبة نبالة. فحسب علمي، المواد المستخدمة في العربات المطوّرة كانت بالأساس محلّ بحثٍ دؤوب من قِبَل الأكاديمية الإمبراطورية، أليس كذلك؟”
“همم، إن نظرنا إلى الأمر من هذه الزاوية، فهو كذلك بالفعل…”
ألقى الإمبراطور نظرةً خاطفة نحو روبرتو ونيريسا، ثم تابع:
“ألم تزودني بمعلومات استخباراتية مثيرة للقلق؟ بأن المملكة تحرّك خيوطها؟”
لم يملك تيودور إلا أن يبتسم.
“أكان ذلك هو السبب إذاً؟”
“لا يمكنني أن أبقى مكتوف الأيدي بينما تُسرق مني المواهب وأنا أرى بعينيّ.”
تنهّد تنهيدة خفيفة، وأشار بذقنه نحو روبرتو.
كان الجو الجامد الذي ساد بداية اللقاء قد لانَ بعض الشيء.
“ولو حدث ذلك، لما سكتَ ولي العهد.”
“هاها….”
تبادل الدوق وقرينته النظرات، وكأنهما أدركا الأمر.
ورغم ذلك، ردّ روبرتو بلهجة شديدة البرود والإجرائية:
“إنها مسألة تتعلق بهيبة الإمبراطورية أيضًا من الحماقة أن يُعامَل أحد رعايانا معاملةً سيئة، فنخسره لصالح دولة أخرى.”
لم تكن كل الأسباب بالطبع، لكن روبرتو آثر ألا يُظهر مشاعره الشخصية بتسرع.
حتى نيريسا أدلت بكلمة، مراعاةً للبروتوكول.
فرغم أن خيار الذهاب إلى المملكة كان قد هزّها قليلًا، إلا أنها أدركت حساسية الموقف.
“وهل يُعقَل أن أنتقل إلى جنسية أخرى بتهوّر، بعد أن عشتُ في الإمبراطورية أتمتّع بامتيازات النبلاء؟ إنّي أشعر بالأسى لأنني سبّبتُ لجلالتكم قلقًا لا داعي له.”
عند تلك الكلمات، تحركت مقلتا روبرتو بخفة، لكنه لم يقل شيئًا آخر.
لما كان الجو في حفل الشاي قد لانَ إلى حدٍّ معقول، سأل الدوق بحذر:
“بيد أني أتساءل، يا صاحب الجلالة، هل تعاني الإمبراطورة من وعكة صحية؟”
لحسن الحظ، أجاب الإمبراطور دون أن تبدو عليه أي بادرة استياء.
“بما أن المجلس غير رسمي، فسأكون صريحًا معك. لقد تعمّدت عدم دعوتها خشية أن يؤدي لقاءها بنيريسا إلى أي إحراج أعتذر لكما على ذلك.”
“لا داعي للقلق يا صاحب الجلالة، فنحن نتفّهم الظروف تمامًا.”
أحنى الدوق رأسه باحترام.
أما نيريسا، فقد شعرت بالامتنان حتى كادت لا تعي نفسها من شدته.
ألا يُعدّ هذا تنحيًا لإمبراطورة عن مراسم التكريم بسببها؟!
هنا، أطلق روبرتو ضحكةً خفيفةً ليبدد الجو الذي بدأ يميل إلى الرسمية مجددًا.
“هاها، ستقوم والدتي الإمبراطورة بدعوة الدوق والكونتيسة في وقت لاحق. لن تعودا أدراجكما دون أن تُقابلاها.”
“إنه لشرف عظيم لنا، يا صاحب السمو.”
ردّ الدوق تيودور بلطف.
أما نيريسا، فكادت لا تفتح فمها طوال الحفل، واكتفت بشرب الشاي في صمت.
في الحقيقة، كان التوتر قد بلغ منها مبلغًا جعلها لا تكاد تسمع شيئًا مما يُقال.
فجأة، مال روبرتو نحوها قليلًا وسألها بصوت خافت:
“نيل، هل تشعرين بتوعك؟”
“ماذا؟ أ، آه، لا… فقط توترت قليلًا…”
كادت نيريسا تبلع لسانها.
نيل؟ يناديها “نيل” أمام هذا الجمع!
انحنت شفتا روبرتو في ابتسامة غامضة.
لكن ما خرج من فمه لم يكن حوارًا خاصًا على الإطلاق.
“ألم تواجهي صعوبات أثناء صنع العربة المطوّرة؟ أود سماع ما مررتِ به.”
شعرت نيريسا ببعض الارتياح.
لقد خشيت أن يتجه الحديث إلى مواضيع محرجة، لكن روبرتو غيّر المسار ببراعة.
“كانت أصعب مرحلة بلا شك هي عملية تحويل مستخلصات البوكسيت إلى سبيكة مجددًا…”
فتحت نيريسا فمها بوجه أكثر انشراحًا.
أنصت الجميع إلى حديثها باهتمام، وروبرتو أيضًا كان يُصغي إليها بجدية ظاهرية.
لكن في حقيقة الأمر، لم يكن حاله الداخلي هادئًا كهذا المظهر.
‘ليتنا نبقى وحدنا سريعًا.’
بصراحة، لم يكن روبرتو يهتم كثيرًا لبروتوكولات استقبال الضيوف البرّاقة.
كل ما كان يشغله هو أن تنتهي هذه المجاملات في أسرع وقت ليخلو بنيريسا.
“…….”
تأملها بصمت وهي تتحدث عن عملية تطوير العربة بوجهٍ مشرق.
إنها مفعمة بالحيوية كعادتها.
كم من قرارات موجعة اتخذها ليحمي هذه الصورة التي بين يديه!
حان الوقت ليسألها مجددًا.
هل باتت الآن على يقين من حقيقة هذا العالم؟
“لولا دعم أساتذة الأكاديمية، ما كان ليحدث أبدًا. إنني ممتنة لجلالتكم على تمويل أبحاثهم.”
كان صوت نيريسا هادئًا وواضحًا كعادته.
وربما… بدأ قلب روبرتو يخفق بشدة.
***
انتهى حفل الشاي في أجواء يسودها الودّ.
عادت نيريسا والدوق وقرينته إلى مقرّ إقامتهم لينعموا بقليل من الراحة.
زارتها وصيفتها لتخبرها بجدول المواعيد القادم:
“لا توجد فعاليات رسمية باستثناء حفل منح النبالة صباح الغد. بإمكان الآنسة قضاء وقتها كما يحلو لها حتى ذلك الموعد.”
“أحقًا؟ هذا أكثر راحة مما توقعت.”
ابتسمت الوصيفة لنيريسا التي بدت متسائلة:
“إن كنتِ ترغبين في أن تكوني حديث الدوائر الاجتماعية، فبإمكانك بالطبع إضافة المزيد من المواعيد على فكرة، سمعت أن الدوق وقرينته سيغادران بعد قليل لتلبية دعوة من إحدى العائلات النبيلة.”
رفرفت نيريسا بيديها نافيةً بشدة:
“أوه، كلاّ، لا وألف لا. أنا راضية تمامًا بما أنا عليه الآن.”
كما لو أنها توقعت ذلك، انصرفت الوصيفة وابتسامة عريضة تعلو محياها.
أطلقت نيريسا زفيرًا طويلًا في الغرفة التي خلت لها.
“هوووه…”
أحقًا يحقّ لها أن تشعر بهذا القدر من الراحة؟
أليس هذا هو القصر الإمبراطوري المخيف؟
حيث توجد الإمبراطورة، إحدى أكثر الشخصيات التي تخشاها في العالم!
تثاقلت خطاها نحو النافذة.
ثم فتحتها على مصراعيها، وأخذت تتأمل المنظر الذي قيل إنه الأجمل في هذا القصر.
غير أن…
“……؟”
توقف أحدهم فجأة بين أغصان الشجرة، ثم رفع رأسه.
“روبرتو…!”
صاحت باسمه رغمًا عنها بصوت خافت.
كان روبرتو يبتسم لها ابتسامة عريضة من الخارج بعد أن تلتقي أعينهما.
ثم أسرع الخطى فورًا.
ارتبكت نيريسا وأبعدت يديها عن حافة النافذة.
“ماذا أفعل الآن؟”
أجل، كان معلوما أين يتجه!
لم تكن نيريسا مستعدة نفسيًا لمواجهة حبيبها القديم الذي رفضته رفضًا قاطعًا.
وقبل أن تتمكن من الاستعداد، دقّ طرقٌ مهذب على الباب.
“نيل، أيمكنني الدخول؟”
ترددت للحظة ثم أجابت بصوتٍ يكاد لا يُسمع:
“تفضّل…”
فُتح الباب على الفور.
وها هي للمرة الأولى منذ زمن طويل، وجها لوجه مع روبرتو دون أحد غيرهم.
كانت عيناه الزرقاوان، كحجر كريم جميل، تحدقان بها مباشرة.
انحنت نيريسا على عجل:
“شمس الإمبراطورية…”
رفع روبرتو يده إلى جبينه.
“آه، نيل. ما الذي تفعلينه الآن؟”
“أ…”
تجمدت في مكانها.
ضحك روبرتو ضحكة يائسة.
“نيل، هل كنتِ بخير؟”
كان سؤالًا قصيرًا وبسيطًا عن حالها بعد غياب عامين.
أومأت برأسها بصعوبة.
“نعم، بفضل الله….”
ضحك روبرتو مجددًا بصوت مسموع.
“ما هذا الخجل كله؟ أأنا ثقيل الظل إلى هذا الحد؟”
أمسك بيدها المترددة التي لا تجد لها مكانًا بحذر.
كان عازمًا على التراجع لو شعرت بعدم ارتياح وحاولت سحب يدها، أما إذا لم تفعل، فلن يتركها أبدًا.
“…….”
لم تُجب نيريسا فورًا.
لقد دفأها دفء يده التي أمسكتها أكثر مما توقعت، ففقدت القدرة على الكلام لبرهة.
ثم سمعت صوته الناعم:
“نيل، أريد أن أسألكِ الآن عمّا تشعرين به. هل ما زلتِ تعتقدين أن هذا العالم مجرد رواية؟”
حدّقت نيريسا في روبرتو بعواطف متشابكة.
ماذا عساها تجيب؟ كيف تخبره بأن إجابتها “هذا العالم حقيقة” لن تُفهم على أنها رغبتها في العودة إليه مجددًا؟
فقال هو ببساطة مجددًا:
“لا تفكري بصعوبة. فكري في سؤالي فقط، ببساطة. لن أُسيء فهمك.”
امتنّت نيريسا لروبرتو على هذا الاهتمام.
لقد كان كمن يعرف كل ما يعتمل في صدرها، حتى أنه أضاف شرحًا لطيفًا.
إن ترددت بعد هذا اللطف، لكان ذلك إجحافًا بحقه.
“…أجل. يبدو أن هذا العالم يشبه الرواية التي أعرفها كثيرًا، لكنه عالم حقيقي آخر، مختلف عنها.”
أخيرًا، تقبّلت الواقع.
لم يسعها إلا أن تعترف.
لقد أثبت روبرتو صدق كلماته بحياته حقًا.
لقد رفض بكل إصرار ‘النهاية المحتومة’ مع أديلايد.
ابتسمت نيريسا ابتسامة ضعيفة:
“كان بإمكانك سلوك طريق أسهل، لكنك عنيد جدًا أيضًا.”
“حسنًا، أعتقد أن عنادكِ أنتِ أشد من عنادي.”
شمخ روبرتو بأنف متظاهرًا بالخفة.
لكن يده ظلّت طوال الوقت ممسكة بنيريسا دون أن تفارقها.
“هل تصدقين الآن؟ أنني لستُ بطلًا ولا أنتِ شريرةً.”
حدّقت نيريسا في روبرتو صامتة.
بصراحة، لم تظن منذ البداية أن هذا المكان عالم منفصل تمامًا عن الرواية.
لكن مع الشقوق التي تراكمت شيئًا فشيئًا، أصبح هذا العالم، دون أن تدري، قد انفصل عن الرواية تمامًا وصار كونًا آخر مختلفًا كليًا.
في هذا العالم المتغيّر، لم تعد قادرة على تصديق حبكة الرواية بعد الآن.
“أجل. كلامك صحيح لن تسير حياتي ولا حياتك وفقًا للرواية.”
“آآه…”
زفر روبرتو نفسًا عميقًا.
ثم رفع يدها التي كان يمسكها وضغط بشفتيه بقوة على أصابعها.
“لا تعلمين كم كنت خائفًا من أنكِ لن تصدقيني لم أعش طوال هذه المدة إلا لتحقيق هذا الهدف وحده”
شعرت نيريسا بالذنب حتى كاد قلبها يخور.
لو علمت أنه كان يقلق هكذا، لكانت أرسلت له رسالة قصيرة على الأقل.
سألها بصوته المرتعش قليلًا:
“إذاً، أصبح واضحًا الآن، أليس كذلك؟ على الأقل، لن تستطيع روايةٌ تافهةٌ أن تقف بيننا.”
“روب، هذا…”
هزت نيريسا رأسها نافية محاولةً الاعتراض.
فالعقبات لم تكن فقط الرواية، بل كانت لا تزال كثيرة.
هذا العالم لن يقبل أبدًا باتحاد ولي العهد مع سليلة عائلة نبيلة منحلة.
لكنها لم تستطع إكمال كلمتها التالية.
لأن شفتين ساخنتين انطبقتا على شفتيها في الحال.
غاب العقل بعيدًا للحظات.
جسد الرجل الذي لامسها بعد طول غياب، التصق بها كالمغناطيس لا يفارق.
التعليقات لهذا الفصل " 142"