بعد رحلة شاقة، دخل موكبُ مارغريف الحدودِ العاصمةَ الإمبراطورية.
وكانت الإشاعاتُ قد سبقتهم، فملأت أرجاءَ المدينة نبأُ حفلِ منحِ نيريسا اللقبَ الشرفي، فتجمهر الفضوليون هنا وهناك في الشوارع.
وما رأته عيونُهم من موكب المارغريف كان مُذهِلاً حقاً.
“يا إلهي…”
“واو!”
لأول مرة، تطأُ عجلاتُ المركبات المُحسَّنة أرضَ العاصمة.
كان منظراً يفيضُ جلالاً وهَيبة.
هيكلُ المركبة المُغطى بِدروعٍ لامعة، وعجلاتُها الحالكةُ السواد، كانت تنبضُ بخشونةٍ تبعثُ على الرهبة حتى من بعيد.
لم تكن فيها رشاقةٌ ولا أناقة، لكنها كانت مهيبةً آسرة، وكأنما خُلِقت لِتكون في ساحة الوغى لا غير.
خلف مركبة المارغريف وزوجته، تبعَتْهم مركبةٌ صغيرة تقلُّ نيريسا وحدها.
كانت نيريسا راضيةً كلَّ الرضا عن تجربة السفر الطويل بهذه المركبات ذات العجلات المطاطية؛ فجرعةٌ واحدة من دواء دوار السفر كانت تكفيها ليوم كامل بلا عناء.
“أبهذا الحد يكفي لأعيش في هذا العالم بلا عوز؟”
شعرت بفخرٍ عظيم.
لطالما عاشت كغريبة لا تستطيع حتى ركوب المركبة، والآن، بعد كل هذا الوقت، شعرت أنها أخيراً استقرت في هذا العالم حقاً.
وبينما كان موكب المارغريف يشقُّ شوارع العاصمة، بزغت أمامهم فجأةً جماعةٌ من الفرسان بزيهم الأحمر القاني.
توقفت المركبات.
فتح تيودور نافذته.
“ما الخطب؟”
تقدَّم أحد الفرسان.
“نحنُ حرس الإمبراطورية الخاص. جئنا بأمرٍ من سمو ولي العهد لاستقبالكم ومرافقتكم.”
أليست هذه الحجرة التي أعدَّها روبرتو خصيصاً لنيريسا؟
ربما حتى أنه جاء ليتفقدها بنفسه.
ترددت نيريسا على القصر مراراً، لكنها لم تقم قط في حجرة خاصة كهذه.
حتى المكان الذي جمعها بروبرتو لم يكن غرفة نوم.
“آه… لقد كنت مجنونة حينها.”
احمرَّ وجهها لمجرد تذكر الماضي.
على أي حال، شرعت في فتح حقيبتها وترتيب بعض أغراضها على عجل، حتى عادت الوصيفة المسؤولة عنها.
“بعد حوالي ساعة، يجب التوجه إلى القصر الرئيسي. جلالة الإمبراطور يدعوكم لتناول الشاي.”
“…!”
قفزت نيريسا من مكانها كأنما لسعتها أفعى.
لم يعد هناك وقت للترتيب على مهل.
“آه، فهمت! سأجهز نفسي حالاً!”
ردت الوصيفة بابتسامة وغادرت.
ارتخت كتفا نيريسا.
“آه… تمالكي نفسك…”
إنها في القصر الإمبراطوري لغرض رسمي بحت.
الظرف لا يتيح لها الانغماس في ذكريات حب قديم.
دخلت نيريسا إلى الحمّام أولاً.
فلا بد من الاستحمام والاستعداد بسرعة.
***
بعد قليل، أُعدَّت في حديقة القصر الرئيسي حيث يقيم الإمبراطور، طاولة شاي كبيرة.
لكن اللافت أن مقعدي العائلة الإمبراطورية كانا اثنين فقط.
استغربت نيريسا.
‘أليس من المفترض أن يكونوا ثلاثة؟’
الإمبراطور، الإمبراطورة، وروبرتو.
لكنها أعادت النظر مراراً، ولم ترَ سوى كرسيين.
همست نيريسا للوصيفة المسؤولة:
“أليس في ترتيب المقاعد خطأ؟”
فهمت الوصيفة استغرابها، وأجابت بصوت خفيض:
“جلالة الإمبراطورة لا تشاركنا اليوم.”
“آه…”
شعرت نيريسا بارتياحٍ ما، خفيٍّ، لم تعترف به تماماً.
وتساءلت في سرها إن كان هذا أيضاً ترتيباً من روبرتو.
كانت تعلم جيداً أن الإمبراطورة تكرهها كرهاً شديداً.
ولم تكن من الذين يكتمون مشاعرهم مهما كان الموقف رسمياً.
فكم سيكون الموقف محرجاً لو حضرت؟ ربما يكون اختيار السلامة أولى، حتى لو كان ذلك على حساب قلة الاحترام الواجب للمارغريف وزوجته اللذين قدما من أطراف البلاد بعد غياب طويل.
على كل حال، جلست نيريسا وزوجا المارغريف حول المائدة المستديرة كما رُتِّبَ لهم.
سألت الكونتيسة بصوت خافت:
“آنسة نيريسا، كيف هو جلالة الإمبراطور؟”
“ليس ودوداً، لكنه لا يتعنت بلا سبب فقط احرصي على الأدب الواجب، وكل شيء سيكون على ما يرام.”
أجابت نيريسا وهي تنظر إلى عيني الكونتيسة البراقتين كعيون الظباء.
أومأت الكونتيسة برأسها قليلاً، ثم عدلت جلستها.
وبعد هنيهة، ارتفع صوت الخادم الجهير:
“قد وصل صاحبا الجلالة الإمبراطور وسمو ولي العهد!”
في تلك اللحظة، دقَّ قلب نيريسا بعنف.
بعد عامين، كيف سيكون روبرتو؟
سمعت وقع أقدام يقترب.
حبست أنفاسها.
ثم…
“…!”
كان يسير خلف الإمبراطور بخطوة.
وجهٌ أنحل قليلاً مما تذكر.
نظراتٌ أكثر نضجاً مما كانت قبل عامين حين كان لا يزال فيه بقايا صبي.
لكن جسده الرشيق المفتول العضلات كان كما هو. عيناه الزرقاوان، الأشد زرقةً من لون البحر، كانتا لا تزالان كالجوهرة.
بل كان جلال الملك يفيض من كيانه الآن.
شعرت نيريسا باعتزاز غامر، وإعجاب لا تخلو عيناه من دمعة.
كم كان أمراً رائعاً! رغم قسوة فراق الحب الأول، صمد روبرتو وها هو يعود في أبهى صورة.
وهذا جعلها أكثر امتناناً له.
خفضت رأسها قليلاً.
تكاد دموعها أن تذرف، فقد تفجَّر شوقٌ طالما كتمته.
انتهى التحية، ثم قال الإمبراطور بصوت جامد:
“فلتجلسوا.”
انحنى الجميع بخشوع، ثم جلسوا بهدوء.
جلس روبرتو عن يمين الإمبراطور، وجلس المارغريف تيودور عن يساره.
وبجانب تيودور جلست زوجته.
وهكذا، وجدت نيريسا نفسها جالسةً بشكل طبيعي بين الكونتيسة وروبرتو.
شعرت بحرارةٍ في وجهها.
لم تستطع إلا أن تشعر به بقربها.
تصلبت رقبتها، فلم تستطع أن تلتفت ناحيته ولو قليلاً.
بدأ الإمبراطور حديثه بجلال:
“يُقال إن النابهَ يعرف النابه بفضل دعم المارغريف السخي لنيريسا، مادياً ومعنوياً، تحقق تقدمٌ تقنيٌّ عظيم. إن فضلكما ليس بقليل.”
التعليقات لهذا الفصل " 141"