بغتةً، ارتسمت على محيا الإمبراطور ابتسامةٌ خفيةُ المعنى.
“على أية حال، لا مناص من أن تأتي إلى العاصمة الإمبراطورية مرةً واحدة على الأقل لإقامة مراسم منح اللقب.”
“……”
أدرك روبرتو ما كان الإمبراطور بصدد قوله.
فإذا تم ذلك، لن تملك نيريسا بدًا من خلف وعدها الذي قطعته على نفسها أمام آل فيسبادن.
تمتم روبرتو بوجهٍ صلب متجهم:
“ليس من شأن ميثاقٍ داخليّ لعائلةٍ واحدة أن يسبق أمرًا إمبراطوريًّا جلالة الوالد، حريٌّ بكم أن تأمروا نيريسا بالقدوم إلى العاصمة.”
“أظن أن دوق فيسبادن سيكون له كلمةٌ في هذا الشأن. لكن، حسنًا، لا حاجة بي للاكتراث بها كلها.”
قهقه الإمبراطور.
لقد بات مختلفًا تمامًا عن ذي قبل، حيث كان يتباهى بصداقته المطلقة مع آل فيسبادن.
وما كان سبب ذلك سوى قضية زواج أبنائهما.
لقد استاء الإمبراطور في البداية من رفض روبرتو الزواج من أديلايد، لكنه مع ذلك شعر بغيظٍ خفيّ من سلوك صديقه الحميم، الذي لم ينفك يحوط ابنته بعنايته طول الليل والنهار.
أليس بالكفين معًا تصفق الأيدي؟
فلمَ ألقى باللوم في فشل تلك الخطبة على روبرتو وحده؟
لقد صار حب دوق فيسبادن المفرط لابنته، صراحةً، مثار استياء الإمبراطور.
علاوةً على ذلك، برَدت العلاقة بين روبرتو والإمبراطورة.
ومن وجهة نظر الإمبراطور، كان من الحكمة، حتى وإن كان ذلك لحكم رشيد، أن يمنح ابنه، الإمبراطور القادم، دعمًا أقوى.
“أما مشاغبات آل فيسبادن، فسأتصدى لها أنا بنفسي بقدرٍ معقول. وأما أنت، أيها ولي العهد، فنيابةً عني، مُرْ نيريسا بالقدوم إلى القصر الإمبراطوري لحضور مراسم منح اللقب.”
“أمتثل لأمر جلالة الوالد.”
أخفى روبرتو فرحته جيدًا وأجاب بهدوء.
***
ما إن عاد إلى مسكنه حتى كاد صدره ينفجر شوقًا.
“سأراها قريبًا!”
أمسى الشوق له رفيقَه اليومي.
كل لحظة، أيًا كان ما يفعل، كانت الذكرى تفاجئه؛ ذلك الشعور الجارف الذي لم يبله الزمن رغم تكراره.
أمسك روبرتو بقلمه وراح يخطّ بعناية.
كم مرة وقع وثائقَ كثيرةً نيابةً عن الإمبراطور، لكنه لم يشعر قط ببهجةٍ تضاهي بهجته وهو يكتب هذا الأمر الإمبراطوري الآن.
“نيل…”
كان هناك ما يشتهي أن يسأله إياها أول ما يلقاها.
هل تقبلتِ الآن أنه لم يعد في هذا العالم ما يسمى بـ’نهاية محتومة’؟
هل تعترفين بأنني لست بطل القصة؟
هل صرتي موقنةً أنكِ لم يكن مُقدّرًا عليك أن تلعبي دور الشريرة؟
إن كان الأمر كذلك.
“……”
توقفت أنامل روبرتو فجأة.
إذا تحررت نيريسا تمامًا من فكرة النهاية المحتومة تلك.
وإذا تقدم لخطبتها مجددًا، فماذا عساها تكون إجابتها هذه المرة؟
“لا أظن الأمر سيكون سهلاً…”
تمتم روبرتو بمرارة.
كان يعلم جيدًا أنه ليس الأولوية القصوى في حياة نيريسا.
كان أمرًا محزنًا، لكنه لا يستطيع تغييره.
كما كان يعلم أنه من الصعب أن يطلب منها أن تضطلع بالدور التقليدي الذي يُنتظر من الإمبراطورة.
كانت نيريسا امرأةً بعيدةً عن السياسة.
ورغم ذلك، تاق روبرتو إلى مشاركتها الحياة.
قد لا يكون هذا الخيار حكيمًا لحاكم الإمبراطورية، لكنه أحب نيريسا كإنسانٍ عاديٍّ جدًا، بعد أن جرد نفسه من كل تلك الألقاب.
كانت أمنيته بسيطة: أن ترى فيه نيريسا، لا “ولي العهد”، بل رجلًا واحدًا يحبها.
لا حاجة للمقام، ولا أهمية للمنزلة الاجتماعية.
ودور البطل الروائي المزعوم ذلك، كان أشد إيهاماً من أن يُعتد به.
فقط، لعلها تكتشف ذات “روبرتو” الإنسان.
“……”
ختم روبرتو الأمر الإمبراطوري.
ما عسى أن تكون نظرة نيريسا حين تتسلم هذه الاستدعاء؟
حقيقة أنه سيلقاها قريبًا ملأه بهجةً، غير أنه، ولسبب ما، شعر بثقةٍ تتراجع.
إن رُفض مجددًا، هل كان سيستطيع الصمود؟
“ومع ذلك، لا يصح أن أجبر نيل على شيء.”
أخذ روبرتو نفسًا عميقًا ثم أطلقه.
إن كان يرغب في أن تتقبله كإنسانٍ عادي، فمن الواجب عليه أيضًا أن يحترم نيريسا كإنسانة.
وضع الأمر الإمبراطوري الذي أتمّه بحرص داخل ظرفٍ ذهبيّ وأغلق عليه.
***
بعد أيام، وصل إلى الإقطاعية الحدودية أمرٌ مختومٌ بخاتم الإمبراطور.
ما إن تسلم مارغريف تيودور الأمر الإمبراطوري حتى استدعى نيريسا.
“أُبارك لكِ أولاً. لقد قرر جلالته منحكِ لقبًا تقديرًا لجهودكِ في تطوير العربة المحسّنة بعجلات المطاط الاصطناعي والمعدن الجديد.”
“ألقب؟”
ذهلت نيريسا.
تناولت المرسوم الإمبراطوري – الذي كان روبرتو في الحقيقة محرره – من تيودور، الذي كان يبتسم.
“ستُدعين الآن بالبارونة. أليس هذا مدعاةً للسرور؟”
“إنه لسرور، لكن…”
لكن أسارير نيريسا لم تكن مشرقةً البتة.
أمال تيودور رأسه متسائلاً.
“يبدو أن هناك ما يشغل بالكِ.”
رفعت نيريسا رأسها لتحدق في المارغريف.
“من النادر أن يُمنح شخصٌ مثلي لقبًا مع اسم عائلةٍ جديد، أليس كذلك؟ هل سيعجب هذا النبلاء الآخرين حقًا؟”
“يعجب أو لا يعجب، من يجرؤ على الاعتراض على قرارٍ اتخذه الحاكم الأعلى للإمبراطورية بإرادته؟”
“أنا أستطيع إجراء أبحاثي التي أرغب بها على أكمل وجه كما أنا الآن، ولا أريد قبول لقبٍ لا داعي له يثير حفيظتهم. قد يجدون عليّ زلةً ما، فيعطلون عملي.”
التعليقات لهذا الفصل " 140"