كانت نيريسا، حتى في هذه الحياة على أرض التخوم حيث لا شاغل لها سوى التركيز على أبحاثها، تُصابُ بين الحين والحين بثقلٍ يضغط على صدرها.
“ترى، لماذا لا يزال لم يتزوج بعدُ…؟”
رجلٌ كان يبتسم ابتسامةً متكلفةً بوجهٍ يكاد يذرف الدمع.
ذلك النظير الذي وُلِدَ ليكون بطل هذا العالم، ورغم ذلك ظلَّ يُحاجج بعناد أنه ليس بطلاً على الإطلاق.
ما كان يهمُّ روبرتو أكثر من حقيقة أن العالم خُلق من أجله، كان إثبات أن من يحب لم تُولد لتكون شريرة.
“يبدو أن إعداداته كرجلٍ وفيٍّ لا تزال على حالها.”
تمتمت نيريسا وهي تمسح طرف عينها.
بدا أن النهاية السعيدة التي تكلل بزواج البطلين، لن تتحقق في هذا العالم على ما يبدو.
كان روبرتو لا يزال متمسكاً بعناد بكلمته التي قطعها على نفسه.
أوَلَا تعلم يقيناً؟
أنه لا يزال يحبها.
ومع ذلك، لم يخطر ببال نيريسا العودة إلى العاصمة الملكية.
فليست العاصمة موطناً لروبرتو وحده، بل هناك أيضاً آل فيسبادن، أولئك الذين لا تريد لقاءهم ولو كان ذلك على فراش الموت.
“آسفة. لذا، أرجوك اعثر على شخص جديد بسرعة وكن سعيداً، كفى.”
قالت نيريسا لأنها بصوت مرتفعٍ متعمدة، كي تدفع عن نفس ذلك المزاج الذي يظل يحاول الإطباق عليها.
عندها، سمعت صوتاً ينادي من الخارج.
“أهناك أحدٌ؟ لقد وصلك طرد!”
“…!”
قفزت نيريسا من على الأريكة.
كانت الأكاديمية ترسل بين الفينة والأخرى مثل هذه الأشياء الصغيرة، فظنت نيريسا أن هذه إحدى تلك المرات.
لكن الاسم المكتوب على الطرد الذي تسلمته كان مختلفاً تماماً.
“ريدل؟”
كانت مساعدة ريدل بالغة الأهمية حتى إنشاء منجم البوكسيت في المملكة.
وبخلاف رصانته التي أبداها في الاجتماع الأول، أظهر حماسةً جارفة حين بدأ بناء قرية المنجم، وكاد يلتصق بموقع العمل.
غير أن نيريسا لم تلق ريدل ولو مرةً واحدة منذ ذلك الاجتماع الأول الذي عُقد في القصر الإمبراطوري.
“ما هذا؟ لماذا فجأةً يرسل إليّ طرداً ويقيم الدنيا ولم يقعدها…؟”
تملكها الخوف.
ورغم ذلك، فتحت الطرد بحذر.
وما خرج منه كان، خلافاً لكل توقع، قطعةً من الألومنيوم مطليةً بالذهب.
ظهر منها تمثالٌ صغير أنيق يحاكي شكل القصر الملكي للمملكة.
“واو…!”
انطلقت صرخة إعجاب من نيريسا رغماً عنها.
أخيراً، حصل منزلها الجرداء الذي يخلو من أي زينة صغيرة على قطعة جميلة.
لكن ليس هناك مجانيات في الحياة.
وسرعان ما أخذت تفكر في السر الذي دفع الأمير ريدل إلى إرسال هذه الهدية لها.
“أتراه يدعوني إلى القصر الملكي؟”
لم يخطر ببالها شيء غير هذا مهما فكرت.
أليست رموز الأماكن غالباً ما تكون تذكارات تستحضر ذكريات السفر؟ لعلها وسيلة لجعلها تتشوق لرحلة إلى المملكة.
بل إن ريدل كان قد أعطاها بطاقة أعماله مرةً وأوصاها ألا تنساه إن غادرت فيسبادن يوماً.
أصابت نيريسا موجة من التشتت والاضطراب.
“إنه جميل، لكنه… يقلقني…”
خالجها شعور بأن قبولها المفاجئ له قد يجرّ وراءه متاعب.
قررت أن تستشير، رئيسها المباشر في العمل.
***
في اليوم التالي، قصدت نيريسا قصر الحاكم وهي تحمل تمثال القصر الملكي موضع الشك.
“سيدي الكونت، لقد أرسل إليّ الأمير السابع للمملكة هذا الشيء.”
لم يكن ثقيلاً، فهو مطلي بالألومنيوم.
وضعت نيريسا القطعة بحذر على الطاولة.
نظر تيودور إلى التمثال الصغير بفضول.
“همم…”
“ماذا أفعل؟ يبدو لي أن وراءه معنىً ما…”
ما أن فتحت نيريسا الحديث بخجل، حتى أومأ الرجل برأسه موافقاً.
“صحيح. الأرجح أن معناه دعوتكِ إلى المملكة.”
نظرت إليه نيريسا نظرة “ألم أقل لكما؟”.
ابتسم الكونت ابتسامةً ذات دلالة.
“في الحقيقة، لقد أرسلتُ برقيةً مستعجلة إلى القصر الإمبراطوري أمس فقد كتب إليّ الأمير ريدل يخبرني أنه سيزور هذه الأرض قريباً.”
“…!”
ذهلت نيريسا.
إذاً، لم يكتف ريدل بإرسال التمثال إليها، بل أرسل أيضاً إخطاراً بزيارته؟
ورغم ذلك، بدا تيودور هادئاً ومطمئناً.
“لا يبدو أنها زيارة عادية، فقد تحريتُ أمره، وتبين لي أنه مهتم جداً بأعمال الآنسة منذ فترة طويلة.”
“… نعم، هذا صحيح.”
تذكرت نيريسا لقاءها الأول بريدل في القصر الإمبراطوري. كان قد أبدى اهتماماً بها طوال الوقت.
وبسبب ذلك، أغضب روبرتو وأصبح حساساً، فجذبها إلى غرفة الاجتماعات الخالية و…
“…”.
أحست نيريسا بغصة تعتصر حلقها للحظة، بعد أن تذكرت ذلك الماضي الذي جاءها عفواً.
رمقها تيودور بصمت، ثم بادرها بسؤال حاسم.
“هل ترغبين في الذهاب إلى المملكة؟”
“ماذا؟ أ، كلا…”
لم تستطع نيريسا، بصراحة، أن تنفي بثقة.
كم تمنت طوال الماضي أن تضع كل همومها جانباً، وتبدأ من جديد في بيئة جديدة تماماً.
صحيح أن هذه الأرض المتاخمة كانت جديدة مقارنة بالعاصمة، لكنها شعرت أنها تطيل أمد شيء ما، ولم تستطع ترتيب ما يجب ترتيبه بحزم.
‘الحقيقة أنني جئت إلى هنا لأن روبرتو طلب مني ذلك.’
بعد مغادرتها فيسبادن مباشرة، وهي لا تدري أين تذهب، تبعث كلمةً تركها لها روبرتو، وجاءت في النهاية إلى هنا.
طوال هذه المدة، شعرت نيريسا بثقل في زاوية من قلبها.
ألم تكن تبعث له بالأمل الزائف، ألم تكن تترك له مساحةً باستمرار؟
نظر إليها تيودور، وابتسم ابتسامة خفيفة.
“أرى أن الجواب يخالف ما في القلب.”
“كلا، ليس صحيحاً…”
مدّت نيريسا صوتها.
كانت تلك عادتها حين تكذب.
رفع تيودر حاجبيه ثم خفضهما.
علامة على أنه يعرف كل شيء لكنه لن يسأل.
“على أي حال، لا يوجد لديَّ مبرر واضح لمنعه، فإذا أراد الأمير المجيء، فلا بد أن آذن له لكن ما أريد قوله لكِ، هو ألا تنسي أن من دعَم أبحاثكِ طوال هذه الفترة، وجعلَ انتشار العربات المطورة ممكنًا، هو سمو ولي عهد هذه الإمبراطورية.”
كان تحذيراً أبلغ من ألف كلمة.
أومأت نيريسا برأسها بثقل.
“نعم، سأضع ذلك نصب عينيّ.”
***
بعد بضعة أيام، تلقى روبرتو برقيةً مستعجلة من الكونت.
ما أن قرأ محتواها حتى سقط قلبه كالرصاص.
“الأمير ريدل…!”
كان ريدل قد مكث في العاصمة كسفير للمملكة فترة، ثم بعد بدء تطوير منجم البوكسيت، كثر تردده على تلك النواحي، حتى أهمل مهامه كسفير، ويشغل الآن شخصٌ آخر منصب السفير عن المملكة.
من قرية المنجم إلى أرض التخوم، كانت المسافة أقصر بكثير من المسافة من العاصمة إلى هناك.
أي أن ريدل، متى شاء، يستطيع الذهاب إلى حيث توجد نيريسا.
تفوّه روبرتو بلعنة خافتة.
لقد أوشك أن يُسرق نيريسا وهو جالس مكانه.
ذهابها إلى المملكة لم يكن كارثة من وجهة نظر روبرتو الشخصية فحسب، بل كان أيضاً خسارة كبيرة للإمبراطورية.
تسارعت في ذهنه صور حيل ريدل ومناوراته التي كان يمكر بها لنيريسا في الماضي كشريط سينمائي.
“آه…”
جرّ روبرتو شعره بعصبية.
لم يكن مستعداً لأن يبقى مكتوف الأيدي أمام هذا.
يجب أن يتخذ إجراءً قبل أن تطأ نيريسا قدماها أرض المملكة.
‘لا بد أن أمثل بين يدي جلالة الإمبراطور’.
نهض روبرتو فوراً من مكانه.
كانت خطاه تتجه نحو قصر الإمبراطور.
***
بعد أن أنهى الإمبراطور اجتماعه الصباحي مع مستشاريه، استقبل روبرتو الذي أتاه على عجل.
“أرى أنك جئت مستعجلاً هكذا، فهل وقعت كارثة كبرى؟”
سأل الإمبراطور بقلق.
لم يخفِ روبرتو جدية محياه، وناول الإمبراطور الرسالة التي وصلته من كونت التخوم.
“الأمير ريدل يطمع في عنصرٍ نابغٍ من عناصر الإمبراطورية.”
“همم، نيريسا…”
ألقى الإمبراطور نظرةً خاطفة إلى روبرتو.
كان الجو يوحي بأنه إن استهان بالأمر، فسيتلقى رداً حاداً.
“فماذا ترى يا ولي العهد أن نفعل؟”
“لا بد أن نتحرك قبل أن يبادرنا أولئك من المملكة.”
أجاب روبرتو بوجهٍ جامد.
“أو لديك خطة بارعة في ذهنك؟”
“يقول الكونت في رسالته إن المملكة ستمطر نيريسا بالجزَرِ كي تستمالها وعلينا أن نُجازيهم بمثل ما يصنعون.”
كان نبرته حازمةً للغاية.
ارتفعت ابتسامة غريبة على شفتي الإمبراطور.
“المزايا المماثلة، مثلاً؟”
“أن نكرم نيريسا على اختراعها العربة المطورة يجب أن نجعلها ترغب في البقاء بهذه الإمبراطورية إلى الأبد.”
توقف روبرتو لبرهة، ثم أعلن النتيجة:
“… فليُمنح لها لقبٌ نبيل ولتؤسس باسمها دوقية جديدة.”
“أوه.”
بدا الإمبراطور مندهشاً بعض الشيء.
في الحقيقة، ظن أن روبرتو سيُلح عليه بأن يزوّجه من نيريسا.
ابتسم روبرتو بمرارة أمام نظرة أبيه.
“إنها من سلالة نبيلة منحلة، حتى أنها لم تستطع حمل اسم دوقية لائق فلنمنحها اسماً جديداً بالكامل، ونمكنها من تأسيس عشيرتها الخاصة، أو ربما نُحيي اسم دوقيتها القديم البائد.”
بصراحة، كان روبرتو يرغب في أن يطلب من الإمبراطور أن يجعلها قرينته.
لكن ذلك ليس أمراً يمكن البت فيه دون استشارة نيريسا.
وحتى وإن كان روبرتو لم ينسَ مشاعره تجاهها طوال هذه المدة، فإنه لا يستطيع أن يجزم بأن مشاعرها مماثلة.
‘لقد وعدتها بأن أنتظر حتى تتأكد’.
تمالك روبرتو نفسه من جديد.
من أجل أمنيته الطويلة، كانت أسهل طريقة هي أن يأمر فقط.
فهو ولي العهد على أي حال، ونيريسا من طبقة يجب أن تركع على ركبتيها أمامه.
ورغم ذلك، أراد روبرتو أن تكتسب نيريسا ثقتها بهذا العالم بنفسها، وأن تؤمن بصدق مشاعره.
أليس كل ما فعله، من خوض المعارك إلى فسخ خطبة فيسبادن، كان من أجل هذا؟
“إذا كان الأمر كذلك، فما دام نسب نيريسا قد انقطع بالفعل، فبدلاً من البحث عنه وإحياء الاسم القديم، الأفضل أن نمنحها لقباً جديداً تماماً فلنبحث في المراجع الكلاسيكية عن اسم مناسب للدوقية.”
التعليقات لهذا الفصل " 139"