***
كانت أيامُ أديلايد تمضي هادئةً كعادتها.
ظاهريًّا، لم يختلف إيقاعُ حياتها كثيرًا عما كان عليه قبل رحيل نيريسا عن عائلة فيسبادن.
غير أنَّ جَوفَها كان يخفي فراغًا لا يملأه شيء.
كانت نيريسا، التي ظنَّت أنها ستبقى إلى جوارها حتمًا، حبًّا أو كرهًا، قد رحلت تمامًا.
وروبرتو، الذي أحبَّته، لم يَعُد يشاركها طقوسَ الشاي.
هكذا، خسرت أديلايد أعزَّ من مَلؤوا حياتها دفعةً واحدة، ومضت سنتان لم تستطع خلالهما أن تملأ فراغَهما بشيء.
وذات يوم، عاد دوق فيسبادن من القصر الإمبراطوري واستدعى ابنته.
“أديل… لا أدري كيف ستتقبلين ما سأخبرك به…”
تلك النبرة المتردِّدة منه، نادرًا ما اعتادتها، جعلت أديلايد تشعر ببعض التوتر.
“ما الأمرُ حتى تخشى البوح به؟”
“جلالة الإمبراطور قرَّر اعتمادَ نموذجِ العربات المُحسَّن. قالوا إنه طُوِّر في إقطاعية مرغريف تيودور ويُوفِّر كثيرًا في تكاليف النقل.”
ابتسم الدوق ابتسامةً مُرة.
سألته أديلايد، وكأنها تستبعد احتمالًا لا تريد تصديقه:
“هل… نيريسا هناك؟”
“أدركتِ الأمر أيضًا. أجل، تلك العربات المُحسَّنة هي من صنع نيريسا.”
تنهد الدوق طويلًا.
“اليوم سلَّمني جلالتُه المخطوطات. لقد استخدمت العجلات المطاطية التي تخلَّينا عن إنتاجها، وخام البوكسيت الذي أوقفنا استخراجه.”
شعرت أديلايد بقلبها يهوي باردًا.
“وليُّ العهد هو من دبَّر هذا الأمر.”
أومأ الدوق برأسه بثقل.
صمتت أديلايد لحظة.
إن روبرتو، الذي بلغ سن الزواج ولم يبدِ أدنى اهتمام بخطبته، كان يساعد حبيبته القديمة في الخفاء.
ما الذي يعنيه هذا سوى…؟
“ما زال يحبُّ نيل.”
لم تَعُد تشعر بذلك الغضب العارم.
فقط وخزٌ خفيف في جانب صدرها، ثم انجلى.
عندما تترسَّب كلُّ شوائب المشاعر، لا يبقى إلا الحزن.
حزنٌ عميق على علاقتها بروبرتو التي انتهت قبل أن تكتمل.
“لا بدَّ أنها تنام قريرةَ العين، رغم خيانتها الوقحة لنا. لو لم تكن نيريسا قد ذهبت إلى إقطاعية المرغريف، لعلَّمتُها درسًا…”
بدا الدوق متأسفًا على ضياع الفرصة.
ابتسمت أديلايد بمرارة:
“يبدو أنَّ سموَّ وليِّ العهد قد سخط علينا، الابنةُ وأباها. لا داعي لاستفزازه فنزيد الطينَ بلَّة.”
“ولكنَّكِ تَعذَّبتِ كثيرًا، يا صغيرتي.”
كان الدوق لا يضع في اعتباره سوى فلذة كبده، أديلايد.
ولم يكن ليتردد في مواجهة الإمبراطورية نفسها من أجلها.
شعرت أديلايد بدفءٍ يملأ صدرها لحبِّه اللامحدود.
“شكرًا لك، يا أبي. لكنَّني أظنُّ أنَّ هذه المعركة هي معركتي أنا وحدي مع نفسي.”
كانت السنتان الماضيتان بمثابة تدريبٍ لأديلايد على الاعتماد على نفسها.
غاب من كانت تستند إليهم، وغاب من تبوح له بمكنون صدرها.
وفي عزلةِ هذه الفترة، أخذت تدرك شيئًا فشيئًا: الإنسان، في النهاية، يعيش وحده.
تلك الفكرة عن رفيقٍ يشاركك الحياة كلَّها، هي أقرب إلى وهم جميل.
أخذت تعبث بأصابعها دون قصد.
“عليَّ أن أتخلَّى عن هذه التعلقات البالية. أنا أحاول”
“أديل…”
نظرت أديلايد إلى أبيها نظرةً ثابتة.
“يا أبي. إذا خرجت نيريسا من حدود الإقطاعية، فلا تتعرض لها، واتركها وشأنها. لقد نالت اعتراف جلالة الإمبراطور بقدراتها، ووليُّ العهد ما زال عينه عليها.”
“همم…”
ابتسمت بلطف.
“عندما أفكِّر في الأمر، أجد أنَّ التمسُّك بالكراهية كان يستنزف مني طاقةً هائلة. كان بإمكاني توجيهها إلى ما هو أكثر نفعًا.”
ثم قالت بصوتٍ حازم، وكأنها تعاهد نفسها:
“لن أهدر مشاعري بعد اليوم في استحضار الماضي. سواء توفَّقت نيريسا أم لا، لن أُعَذِّب نفسي بإعادة مضغ الألم وحيدةً.”
نظر دوق فيسبادن إلى ابنته بعينين تفيضان بمشاعر متضاربة.
“كان بودِّي أن تبقى في حضني طفلتي الصغيرة لكنَّكِ كبرتِ قبل أوانكِ.”
“هيهي…”
لعلَّ الإنسان لا ينضج إلا بعد أن يتجرِّع مرارة الحياة. هذه هي الحياة، على الأرجح.
لم تكن حياتها كلُّها فاشلة لمجرَّد أن حبَّها لروبرتو لم يكلَّل بالنجاح.
لذلك، استطاعت أن تشكر هذه المرارة التي ذاقتها للمرة الأولى.
“إذا أراد جلالة الإمبراطور مكافأة نيريسا على تطويرها العربات، فلا تمانع. صدِّقني، أنا بخير.”
“…إن كان هذا ما تريدينه حقًّا.”
لم يخلُ صوت الدوق من مرارة.
ولكن لا بد من قطع سلسلة هذا النكد المسمومة.
وأديلايد قرَّرت أن تبدأ بنفسها، أن تُرخي هذا الخيط العالق بقلبها.
“أبي، حان وقت البحث عن عريس لي حينها سيعرف وليُّ العهد ونيريسا أنَّني قد ألقيت سلاحي.”
“أحقًا أنتِ مستعدة لهذا؟”
سألها الدوق بقلق.
أومأت أديلايد برأسها بحزم.
“بالطبع. لقد أوشكتُ أن أفوت قطار الزواج، أليس كذلك؟”
“هههه… حسنًا، فهمتُ. سأبحث بنفسي.”
صوت الدوق كان خليطًا من الارتياح والأسى.
***
قرار الإمبراطور بتعميم عربات نيريسا المُحسَّنة في أرجاء الإمبراطورية، وصل صداه إلى الإقطاعية الحدودية.
عندها فقط، تنفَّست نيريسا الصعداء.
“الحمد لله لم تكن مشاكلي الشخصية عائقًا في النهاية.”
“لقد كانت العربات المُحسَّنة متفوِّقةً جدًّا في أدائها حتى يُضحى بها بسبب خلافات الآنسة الشخصية.”
ضحك مرغريف تيودور ضحكةً مدوِّية.
“لقد كنت واثقًا من البداية فضلًا عن أنَّ للآنسة حليفًا قويًّا في العاصمة: وليُّ العهد.”
“لا أدري. لقد مضى على افتراقنا سنتان.”
قالت نيريسا ذلك، لكنها لم تنكر أنَّ روبرتو لعب دورًا كبيرًا في تمرير مشروع العربات.
قال تيودور بلمحةٍ ماكرة:
“ما رأيكِ لو أرسلتِ لسموِّ وليِّ العهد كلمةَ شكر؟”
“آه، أنـا؟”
“أجل. أظنُّه سيسعد جدًّا.”
بدت نيته مكشوفةً لها، فقهقهت باستغراب.
“لن يبلغ الأمرُ حدَّ السعادة الغامرة. لكن لا أنكر أنَّني مدينةٌ له بجميل. سأفعل كما أشرت. سأكتب رسالةً وأعود بها قريبًا.”
“هاها! أحسنتِ.”
ما أن انتهى الحديث، حتى نهضت نيريسا وحيَّت ثم غادرت مكتب المرغريف.
“……”
تتبَّعها تودور بعينيه وهي تغلق الباب خلفها، وابتسامته تذوي رويدًا رويدًا.
عادت ملامحه الجادَّة، وأخرج من درج مكتبه رسالةً أخرى.
“همم، يقولون إنَّ المملكة وضعت عينها عليها…؟”
كان ثمة أمر لم يُخبر به نيريسا بعد.
رسالةٌ وصلت من الأمير السابع للمملكة.
〈سأزور الآنسة نيريسا، صاحبة الصيت الذائع في عالم الاختراعات، قريبًا. سفير المملكة، ريدل.〉
بدت وكأنها مجرَّد إشعار زيارة عادي.
لكن تيودور بصفته مرغريفًا على اتصال دائم بالمملكة أدرك ما تخبئه السطور.
“ألا يكون القصد تجنيس نيريسا كمواطنةٍ في المملكة؟”
قد يكون مجرد تخمين، لكنه تخمينٌ قوي.
الأمير السابع ريدل، المُعتمد سفيرًا للمملكة في الإمبراطورية، أبدى اهتمامًا كبيرًا بالتقنيات الحديثة التي تُطوَّر هنا.
ومنذ أن حصلت مملكته على امتياز استخراج البوكسيت، صار يتحرى عن نيريسا بإلحاح ملحوظ.
ظل تيودور، طيلة الفترة الماضية، يردُّ جواسيس المملكة بحنكةٍ ليحمي نيريسا المقيمة في إقطاعيته.
ولحسن الحظ أنها لا تغادر بيتها أو مشغلَها إلا نادرًا، فلم تلتقِ بأيِّ منهم وجهًا لوجه.
حتى أتاهم هذا الإعلان الصريح.
كان ثمة سببٌ يمنعه من قبول هذه الزيارة ببساطة.
إذا نجحت المملكة في استقطاب نيريسا وعبورها حدودها، فمن يدري ما ينتظرها بعدها، ترغيبًا أم ترهيبًا.
قهقه تودور في سره.
الأرجح أن ريدل اقترح على ملكه استقطاب نيريسا لتصبح عقلًا مفكرًا للمملكة.
هي التي لم تنل في الإمبراطورية اسم عائلة مرموق، هناك سيُغدِقون عليها الألقاب ليُقنعوها بالمجيء.
بصراحة، نيريسا كما عرفها طوال هذه المدة، لم تكن تبدي ولاءً كبيرًا للإمبراطورية.
بل بدت وكأنها لا تضع في اعتبارها إطارَ الإمبراطورية بقدر ما تهتم بالإنسان نفسه.
لذا، إذا عرضت عليها المملكة دعمًا غير محدود لأبحاثها، فلربما تنتقل إليهم دون تردد كبير.
“يبدو أنَّ هذا الأمر فوق طاقتي وحدي لا بد من رفعه إلى المركز.”
شرع المرغريف في كتابة تقرير سري إلى وليِّ العهد.
تقريرٌ خاصٌّ لا يتعلق بإنجازات الأبحاث، بل بمشكلة تتعلق بأمن نيريسا الشخصي.
***
كان منزل نيريسا قريبًا من قصر الحاكم.
عادت اليوم أبكر من المعتاد، وقررت أن تمنح نفسي قسطًا من الراحة.
“آه… لا شيء يعادل البيت…”
بعد قضائها أيامًا في نُزُل لدى وصولها إلى المنطقة الحدودية، استطاعت بمساعدة تودور استئجار منزل صغير بسعر زهيد.
كان أصغر من منزلها السابق، لكنه كان أكثر راحة لقلبها.
منذ ذلك الحين، كرَّست نفسها للبحث والتطوير، حتى لا يتبقى في يومها متَّسعٌ للتفكير.
وهكذا، حققت في عامين إنجازات لا بأس بها.
استلقت على الأريكة وراحت تحدِّق في السقف.
“أظنُّ أنني أحسنتُ، أليس كذلك؟”
بالطبع، لم يُجبها أحد. ابتسمت بمرارة.
“أنا أسير في الطريق الصحيح، صحيح…؟”
لم تنسَ نيريسا يومًا الهدف الذي جعلها تتحمَّل عناء هذا الانغماس في عالم الرواية.
وهو أن تتصل بكلِّ شخص، بما في ذلك نفسها، إلى نهاية سعيدة. وحينها، تعود بأمان إلى حياتها الأصلية.
حتى لو لم يكن هذا العالم رواية، فلا بأس.
فحياة الإنسان ذاتها هي حكاية عظيمة، وفي أي عالم، يمكن للإنسان أن يصنع نهايتها السعيدة.
<يتبع في الفصل القادم>
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 138"