***
لم يكن الطريق إلى المنطقة الحدودية قصيرًا أبدًا، لكن الحالَفَ الحظُّ نيريسا.
فبعد أن يسَّر الله طريقها برفقة قافلة تجارية متجهة إلى هناك، توسَّلت إليهم أن ترافقهم، وإذ بأحد أفرادها يعرف أنها مطوِّرة المركبة ثلاثية العجلات، فكانت رحلتها في كنف معاملة حسنة.
كانت القافلة تجرُّ عربات محمَّلة بالبضائع، فسيرها بطيء للغاية، لكن نيريسا كانت ترى في ذلك خيرًا لها، فهي سرعان ما تُصاب بدوار السفر.
وأخيرًا، بعد أن انقضى أسبوعان بل وزاد، وصلت نيريسا إلى الإقطاعية الحدودية المجاورة للمملكة.
“هاه…”
كانت بلدةً عسكريةً بامتياز.
تتمركز فيها حاميةٌ عسكريةٌ لحراسة الحدود، وعائلات الجنود تشكِّل جلَّ سكانها.
وفي جوار الحدود، تمتدُّ سلاسل جبلية وعرة، فيشتغل معظم المدنيين غير العسكريين في الحراجة أو التعدين.
وكان الجبل الذي تنوي المملكة تحويله إلى منجم للبوكسيت لا يبعد عنها كثيرًا على الخريطة.
ودَّعت نيريسا رفيقات دربها الطويلة، وأخذت حقيبتها.
وفي بلدٍ غريب، كان البحث عن مأوى هو أولى الأولويات.
بعد أن سألت هنا وهناك، وصلت إلى نزلٍ بدا نظيفًا من الخارج، فاستحسنتْه.
استقبلها صاحب النزل بابتسامةٍ ترحيبية:
“أهلًا بكِ. إن رغبتِ في غرفة، فاسمكِ هنا أولًا.”
“أوه، نعم.”
ملأت نيريسا اسمَها في سجلِّ النزلاء، وتسلَّمت المفتاح.
وأخيرًا، ألقت بظهرها على سرير وثير.
وكادت تدمع فرحًا بهذا وحدَه.
“آه… على سرير أخيرًا….”
قررت نيريسا أن تنام أولًا وتشبع نومًا.
فرسم ملامح حياةٍ جديدة يحتاج إلى ذهنٍ صافٍ.
أزاحت الحقيبة إلى زاوية الغرفة دون اهتمام، واستلقَت على السرير بلا تفكير في الاستحمام.
وما إن وضعت رأسها حتى جثم عليها التعب.
“…”
غاصت في سبات عميق.
***
كان صاحب النزل، وهو أيضًا أحد رجال الكونت الحدودي الأوفياء، قد تلقى تعليماتٍ مسبقةً من رئيسه.
فلما حضرت صاحبة الاسم الذي وُصف له، رفع الأمر فورًا.
تلقَّى تيودور، كونت الإقطاعية الحدودية، تقرير مرءوسه، وأخذ يقلِّب رسالة ولي العهد روبرتو التي أرسلها له.
“موهبة يخصُّها بعنايته….”
تأويل معنى هذه الخصوصية متروكٌ للتقدير، لكن ما لا شك فيه أن ولي العهد يولي هذه الفتاة، نيريسا، اهتمامًا بالغًا.
لم تكن الرسالة في صيغة أمر، بل حملت طابع رجاء شخصي.
لكنه رجاءٌ لا يستطيع كونت الحدود أن يردَّه إلى خليفة العرش.
أنهى تيودور أعمال يومه، ثم قصد النزل على مهل.
وصادف أن نيريسا كانت قد استيقظت للتو من غفوة طويلة، وتتناول عشاءً متأخرًا.
لم يجد تيودور صعوبةً في تمييز نيريسا بين الجالسين في المطعم.
لم يكن يرافقه أحد، ولباسه بسيط لا يلفت الأنظار.
اقترب منها بهدوء وهي تأكل.
“همم، أأنتِ الآنسة نيريسا؟”
“…؟”
رفعت نيريسا رأسها من طعامها، محدِّقةً في الرجل الذي خاطبها فجأة.
بدت عليه سيماء الجندي الصلب، هزَّ كتفيه.
“أنا حاكم هذه الإقطاعية، الكونت تيودور وصلتني رسالة منذ أيام من مقامٍ رفيعٍ في القصر الإمبراطوري يوصيني بكِ خيرًا، ويطلب مني حسن وفادتكِ حين تصلين.”
“…”
تملَّكت نيريسا موجةٌ هادئةٌ من التأثر.
روبرتو يفكر فيها بهذا القدر؟
إنه لشديد الرعاية بامرأةٍ تخلَّى عنها ودفعها بعيدًا بقسوة.
بدت في عيني الكونت تيودور نظرة فضول، لكنه لم يبح باستفهام غير لائق.
“تعالي غدًا إلى القصر الإقطاعي نتحدث بهدوء، ونبحث لكِ عن عمل.”
“…حسنًا.”
أجابت نيريسا وهي تكتم وجيب قلبها.
***
في الغد، قصَدت نيريسا القصر الإقطاعي كما وعدت. فأطلعها الكونت أولًا على رسالة روبرتو.
قرأت نيريسا الرسالة، وكاد دمعها يسبقها.
كان تيودور يراقب تعابير وجهها، ثم طلب برفق:
“أرجو أن تُطلعيني على تفاصيل ما جرى، وكيف وصلتِ من العاصمة إلى هنا.”
“لا بدَّ لي من ذلك، ولا سيما أنني سأكون ضيفةً عندكم.”
ابتسمت نيريسا وعيناها محمرَّتان.
بدأت تروي قصتها بسلاسة، منذ نشأتها في آل فيسبادن وصولًا إلى ما آلت إليه أمورها.
ولم تخفِ سبب رسالة روبرتو الخاصة وتوسُّطه عند الكونت لأجلها:
“كنت على علاقةٍ سريةٍ بسمو ولي العهد. ثم اكتشفتْ ذلك سليلة آل فيسبادن وفي الحقيقة، ما جئتُ إلى هنا إلا هربًا.”
فهم الكونت الآن، فأومأ برأسه ببطء.
“إذاً، لهذا السبب تدخَّل سموه بنفسه.”
“كنتُ أظن أن العلاقة انقطعت للأبد، لكنني مدينةٌ لفضله مرة أخرى.”
أطرقت نيريسا تُخفي وجهها المغرورق بالدموع.
مدَّ الكونت يده إليها يصافحها.
“على كل حال، يقول سمو ولي العهد إنك تملكين من الحكمة ما يكفي لتغيير العالم وسأدعمك بلا تردد، فأخرجي ما في رأسكِ وأبدعيه.”
رفعت نيريسا رأسها، وابتسمت مبتعدةً عن دموعها، وصافحت يدَه.
“سأبذل قصارى جهدي، سيدي الكونت.”
ما إن حصل الكونت على وعد نيريسا بالتعاون حتى أحضر كومة ضخمة من المستندات، ووضعها أمامها.
سألت نيريسا في حيرة:
“ما كل هذا؟”
“نحتاج إلى عربات تجيد صعود المنحدرات الجبلية. هل أقدر أن أطلب منكِ تطويرها؟”
“…!”
فغرت نيريسا فاها.
ابتسم الكونت تيودور ابتسامة عريضة.
“إن لم تكوني هنا للسياحة، فالأجدر أن تعملي ما دمتِ في كامل قوتك.”
“ها ها….”
لم تمانع نيريسا، بل وجدت في كلماته ألفةً غريبة.
لأنها تشبه كثيرًا ما كانت تسمعه في عالمها الأصلي.
غمرها حنين مفاجئ.
وفي الوقت نفسه، شعرت بقربٍ من هذا العالم.
إحساس مريح غريب، كأنها تستطيع أن تعيش هنا حياةً عاديةً لا تختلف عن حياتها قبل حادثة الحافلة.
لذلك، حتى مع هذا الكم من العمل الذي أُلقي على عاتقها فجأة، ضحكت.
“هاه، حسنًا.”
ضمَّت نيريسا كومة المستندات إلى صدرها.
كانت هذه أول خطوة في طريق الحياة الحقيقية، بعد أن غادرت مسرح الرواية.
***
أصبحت نيريسا رسميًا مساعدة الكونت الحدودي.
صحيح أن دخلها قلَّ كثيرًا عما كان عليه في أيام توزيع أرباح فيسبادن كرافت، لكنها كانت تتقاضى راتبًا منتظمًا، فاستقرَّت حياتها نوعًا ما.
وما هي إلا أيام حتى وصل الخبر إلى روبرتو في العاصمة: نيريسا استقرَّت في الإقطاعية الحدودية.
لم يتصل بها روبرتو مباشرة، بل أرسل إليها الأستاذ روبين من الأكاديمية.
كان تطوير العجلات قد توقف رسميًا بأمر الإمبراطور، لكن روبرتو واصل الأبحاث سرًا.
وأمر أن تُستأنف أعمال التطوير في إقطاعية الكونت الحدودي، وتحت مسؤوليته وحده.
وضع الأستاذ روبين الأمر السري لولي العهد أمام تيودور ونيريسا.
“يأمر سمو ولي العهد بإكمال تطوير عربةٍ آمنةٍ تُركَّب عليها العجلات المطاطية.”
تأملت نيريسا الورقة بختم روبرتو، واشتياقُ يملؤها.
“بالنظر إلى الحادث السابق، يجب أن تُدرَّب الخيول على تحمُّل العجلة السريعة كما أننا بحاجة إلى تطوير مواد للهيكل تتحمَّل هذه السرعة.”
ابتسم الكونت تيودور لكلماتها.
“يبدو أن العمل لن ينتهي.”
أضاف روبين بصوتٍ ذي مغزى:
“سيُؤتى ببعض منتجات منجم البوكسيت إلى هنا. وهذا أيضًا بأمر خاص من سمو ولي العهد.”
“بهذا نستطيع تطوير المواد. لا أملك إلا أن أشكر سموه على اهتمامه.”
قالت نيريسا بصدق.
فردَّ روبين بابتسامة خفيفة:
“سيُسَرُّ سمو ولي العهد جدًا إذا سمع كلماتكِ هذه. فهو هذه الأيام لا يفعل شيئًا سوى العمل، لدرجة إنه يُشفَق عليه.”
كاد روبين أن يبتلع لسانه، فهزَّ رأسه نادمًا.
“آه، لقد أخطأت لقد أوصاني سموه ألا أخبركِ بحاله.”
ارتبكت نيريسا وابتسمت.
“أرجو ألَّا يفقد صحته.”
“سأنقل له تحيات الآنسة نيريسا عندما أذهب إلى القصر لتقديم التقرير، ها ها.”
عرض روبين أن يكون الرسول بينهما.
***
ولأن موقع العمل كان في منطقة حدودية، انجرَّ توجه نيريسا البحثي لا محالة نحو الإمدادات العسكرية.
كانت نتيجَةً مرةً بعض الشيء، إذا تذكرت كم كانت تكره تحوُّل فيسبادن كرافت إلى صناعة حربية.
ولكن ما كان يُحسَن به الظن هذه المرة أن رئيسها الحالي، الكونت تيودور، كان أكثر مرونةً من دوق فيسبادن في الإقناع.
“هذا هو الواقع على ما يبدو.”
كانت نيريسا تتألم، لكنها لم تجد بدًّا من القبول.
في حياة المرء الواقعية، قلَّما تجري الأمور كما يشتهي.
أدركت نيريسا أن التمسُّك بالمبادئ الصرفة شبه مستحيل في الواقع.
وهكذا، رويدًا رويدًا، تقبَّلت هذا العالم بوصفه واقعها الحقيقي، لا مجرد رواية.
صنعت نيريسا، مع الكونت وأساتذة الأكاديمية، مركبات وعربات بالعجلات المطاطية.
وساعد تغليف العجلات بالمطاط كثيرًا في صعود المنحدرات، مما سهَّل على السكان نقل المنتجات الحرجية صعودًا ونزولًا في الجبال.
كان منجم البوكسيت في المملكة عبر الحدود يزوِّدهم بالخام غير المصفى تدريجيًا.
واستشار الكونت الأستاذ روبين، فبنى معمل صهر متوسط الحجم.
وسرعان ما بدأ إنتاج الألومنيوم عالي النقاء.
وأخيرًا، أصبحت نيريسا تملك في يدها معدنًا أخفَّ من الحديد، طالما حلمت به.
كان الألومنيوم رخوًا ضعيفًا ليُستخدم في صنع الأسلحة، فاستُخدم بشكل أساسي في تصنيع توابع العربات والعربات الثقيلة.
وبفضل أجزاء الألومنيوم، خفَّ وزن العربات، فاستطاعت حمل بضائع أكثر في الرحلة الواحدة.
أخذت نيريسا تحسِّن حياة الإقطاعية الحدودية بخطى ثابتة.
والكونت تيودور يرفع تقارير منتظمة عن سير العمل إلى روبرتو في القصر.
وهكذا، مرَّت سنتان.
<يتبع في الفصل القادم>
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 136"