ورغم أن ملامحها عادت وقد تَجمّدت، إلا أن الإمبراطورة استقبلتها بترحاب وسألتها:
“كُنتِ معه، فماذا جرى؟”
أطرقت أديلايد برأسها ووجهها خالٍ من البشاشة:
“صاحبة الجلالة، إني لا أُريدُ لسمو ولي العهد أن يُصابَ بأي سوء. بيت فيسبادن، من اليوم فصاعدًا، يتخلى نهائيًا عن خطبة العائلة الإمبراطورية.”
“…!”
أذهل التغيير المفاجئ في موقفها الإمبراطورة، فصاحت:
“ما هذا الكلام الذي يَنبَتُ فجأة؟! أيُّ سوءٍ تقصدين؟”
وحاولت ثنيها، لكن أديلايد هزت رأسها بحزم:
“إني أعتذر، يا صاحبة الجلالة، لكن لم يبقَ لي خيارٌ سوى هذا. لقد تلقّيتُ ما يكفي من عطفكم، فأرجو أن تمنحوا سمو ولي العهد الحياة.”
“…!”
حدّقت الإمبراطورة في أديلايد وقد خيّم عليها الإحباط.
ولم تجد أديلايد ما تقوله، فاكتفت بتأدية التحية باحترام، ثم غادرت حاضرة الإمبراطورة مسرعة.
حتى دمعُها لم يَجرِ.
ظلّت نظرة روبرتو الهادئة، وقد أعلن استعداده للموت بصدق، عالقةً في رأسها بلا انفكاك.
كانت أمام عجزٍ مُطلق، لا تملك من أمره شيئًا.
لم يبقَ لها خيار.
“لا أريده أن يموت بسببي.”
نصفُه حبٌّ له، ونصفُه خوفٌ من أن تكون سببًا في موته.
صعدت أديلايد إلى عربتها، ووجهها مُتصلّب، غادرت بها القصر.
***
بعد أن وضعت أديلايد النهاية الحاسمة، أُلغي الحديث عن زواج العائلة الإمبراطورية من عائلة فيسبادن، الذي ظل معلقًا لأكثر من عام، نهائيًا.
في تلك الليلة، جلس الأب وابنته متقابلين، يتجرعان كأسًا من النبيذ.
وغريبًا، كان الدوق فيسبادن هادئًا.
“لعلّ هذا أفضل يا أديل لقد قطعتِ تعلّقكِ بيدٍ نظيفة، وأنا، كأبٍ، ممتنٌّ لكِ.”
خفضت أديلايد رأسها بمرارة.
لم تقطعه عن رغبة حقيقية، بل كانت مضطرةً لإنقاذ روبرتو في هذه اللحظة.
“على أي حال، تعلّمتُ كثيرًا من هذه الحادثة. وخاصةً من نيريسا… آه.”
ابتسمت أديلايد بمرارة، وهي تنظر إلى الدوق المُتنهد.
“على الرغم من ذلك، حين أفكر فيها بعد أن هدأت قليلًا، أجد أن نيل بذلت جهدًا كبيرًا. لو كانت على طبيعتها القديمة، لربما تطوعت لتكون عشيقة ولي العهد.”
لو حدث ذلك، لكانت أديلايد، التي تُلقّب بزهرة المجتمع، قد تعرضت لإهانة لا تُحتمل.
لذا، كان قرار نيريسا بمغادرة العاصمة قبل أن تتعرض أديلايد لذلك الإذلال، بمثابة نعمة غير متوقعة بالنسبة لها.
ربما كانت نيريسا ستختار النيل من أديلايد مجددًا، كما في الرواية الأصلية.
ألم تكن في موقف أقوى هذه المرة؟ فهي، قبل كل شيء، كسبت قلب روبرتو.
تجهم وجه دوق فيسبادن باستياء:
“لا بد أن أمنع نيريسا من العودة إلى العاصمة كما تشاء في البداية، ظننتُها نبيلةً لمبادَرتها بالمغادرة، لكن الآن أرى أنها كانت تهرب خوفًا من افتضاح أمرها.”
“……”
تبادلت أديلايد الابتسام الحزين.
كان قرار نيريسا، من ناحية، شجاعًا حقًا.
فبدلًا من التشبث بما تملك خوفًا من خسارته، تخلت عن كل شيء بقدميها.
كانت هذه النتيجة أفضل بكثير من نهايتها في الرواية الأصلية، حيث تخسر كل شيء وتقفز من على الجرف يائسة.
“لا شك أن ولي العهد يحاول سرًا إعادة نيريسا، لكنه لن ينجح.”
صرّ الدوق على أسنانه.
حدّقت به أديلايد.
شعرت أن كل هذا لا طائل منه.
لكنها لم ترغب في منع والدها من جعل نيريسا تدفع الثمن.
“لا بد أن أتفاوض مع الإمبراطور أيضًا. سأخبره بأن تعاوننا سيكون صعبًا إن لم يعتذر ولي العهد لعائلتنا.”
ارسمت أديلايد ابتسامة خفيفة:
“شكرًا لك، يا أبي.”
استلقى الدوق في الأريكة متعبًا:
“حسنًا، لن يشفي هذا جرحكِ تمامًا، لكني آمل أن يخفف بعضًا من ألمكِ، يا أديل.”
“سأحاول أن أتعافى سريعًا.”
وجود حليف مطلق جعل أديلايد في وضع أفضل بكثير من نيريسا.
ورغم ذلك، لم تستطع أديلايد أن تُمحي من أعماقها بصيص أمل ضئيل.
ماذا لو، بمرور الوقت، بهتت ذكريات الحب الأول اللاذعة؟ ألا يمكنها أن تبدأ من جديد؟
“… سأحاول.”
كررت أديلايد، مُطرقةً بصرها.
***
حصل روبرتو على وعد من الإمبراطور والإمبراطورة بعدم التطرق لخطبة أديلايد مجددًا، وعندها فقط استدعى طبيبه الخاص.
بعد فحص دقيق، شخّص الطبيب أن روبرتو لا يعاني من مرض معين، بل إن جسده أنهكه الإرهاق العصبي.
والحل الوحيد هو الراحة التامة.
لكن روبرتو عاد فورًا إلى شؤون الدولة.
فالسكون كان سيتركه غارقًا في كآبةٍ وفقدانٍ لا يُطاقان.
كما أن تحركات دوق فيسبادن كانت خطيرة جدًا بحيث لا يمكنه التغاضي عنها.
فالدوق، وإن عبر عن امتعاضه من روبرتو عبر قنوات خاصة، إلا أنه كان صريحًا جدًا مع الإمبراطور.
بدلًا من الاعتذار كما أرادت عائلة فيسبادن، قرر روبرتو شراء مصنع المطاط المتوقف لعائلة فيسبادن سرًا.
تولى أحد النبلاء الموالين له إبرام الصفقة.
ولحسن حظه، لم يعد الدوق يهتم بالمنتج الجديد الذي تسبب بكارثة أمام العائلة الإمبراطورية، فتم البيع بسلاسة.
تأمل روبرتو صك ملكية المصنع:
“نيل، عندما تعودين يومًا ما، سنعيد إحياء هذا المكان.”
لم يستطع التسامح مع محاولة أب وابنة فيسبادن التدخل في حياته بغطرسة.
وجعل روبرتو من كسر شوكة عائلة فيسبادن هدفه الأول، حتى لا يعيقوه عندما يصبح إمبراطورًا.
في الوقت نفسه، أرسل رسالة عاجلة إلى المارغريف الذي أوصى نيريسا باللجوء إليه.
رجا فيه أن تعامل نيريسا بلطف إن وصلت إلى أرضه.
كما استدعى الأستاذين اللذين تعاونا مع نيريسا في الأكاديمية.
كان يان وروبن عالقين في الأكاديمية منذ حادثة الإطارات، فكان خروجهما هذه المرة نادرًا.
اعترف روبرتو لهما بكل شيء.
حتى بعلاقته السرية مع نيريسا.
كان روبين هادئًا، فقد لاحظ مشاعر روبرتو خلال جولته في الأقاليم.
أما يان، فقد صُعق:
“أتقصد… أن سموك بخير، رغم غياب الآنسة نيريسا؟”
ارسمت على وجه روبرتو ابتسامة مرة:
“لستُ بخير، لكني أتظاهر بذلك.”
سأل روبين بحذر:
“هل وصلتك أخبار من الآنسة نيريسا؟”
“لا، ليس بعد…”.
كان وجه روبرتو مرهقًا جدًا.
“لن ترسل لي خبرًا لقد غادرت وهي عازمةٌ ألا تعود أبدًا.”
حدق به يان وروبين في صمت.
أبعد روبرتو بصره في الفراغ، وأكمل:
“… لكني لا أملك إلا أن أصدق ربما بعد مدة، لا أدري…”.
كان روبرتو ينتظر فقط.
ورغم شعوره باليأس، كان واثقًا.
واثقًا بأن نيريسا ستدرك يومًا أن هذا العالم ليس مجرد رواية.
قال روبين، مستأذنًا بلطف:
“إن تأكد مكان الآنسة نيريسا، أتأذن لي بزيارتها؟ لا زلنا بحاجة لخبرتها في تقنية تحليل البوكسيت.”
“وأنا أيضًا. يجب أن أخطط لمنطقة سكن العمال مع تطوير مناجم المملكة، وآراء الآنسة نيريسا ضرورية جدًا.”
أضاف يان مسرعًا.
ضحك روبرتو باسترخاء:
“لا حاجة بكما لتكونا جسرًا بيننا. نيل أكثر برودة مما تبدو عليه، لا تتأثر بهذه العواطف.”
ابتسم روبين بلطف:
“مع ذلك، بما أنها لا تستطيع دخول العاصمة، لا بد من وسيط يربطها بالعاصمة لتبادل الأفكار.”
شعر روبرتو ببعض الراحة من دعم الأستاذين.
كانا من القلائل الذين يدعمونه ونيريسا.
“شكرًا لكما. إذاً، سأقبل مساعدتكما.”
“في خدمتك.”
انحنى يان وروبين معًا.
***
بعد مغادرتها العاصمة، شعرت نيريسا بالضياع، لا تعرف أين تذهب.
“لا أجيد حتى إيجاد الطريق، التجوال بلا هدف سيضيعني أكثر…”
غطت وجهها بيديها وهي مستلقية على سرير النزل النظيف.
بلا وجهة محددة، كانت عاجزة حتى عن التخطيط للمستقبل.
وفي النهاية، عادت أفكارها تدور حول كلمات روبرتو:
“المارغريف. حيث لا تصل يد فيسبادن.”
صوته وهو يلحق بها محتضرًا، لا ليُمسك بها ويُجبرها على البقاء، بل ليوصيها بحرارة.
في كل مرة تتذكر نيريسا وجه روبرتو في تلك اللحظة، تملأ الدموع عينيها رغمًا عنها.
“اذهبي، واصنعي عالمكِ الذي تريدينه. سأدعمك من بعيد.”
ضحكت بسخرية وقد امتلأت عيناها بالدموع:
“يتظاهر بالبرود…”
ولأن كلماته كانت صادقة تمامًا، آلمها أكثر.
في الحقيقة، لو أراد روبرتو، لكان بإمكانه حبسها كما يشاء.
كان بإمكانه إخفاؤها في زاوية لا يجدها فيها أحد، وزيارتها ليشبع منها متى شاء.
التعليقات لهذا الفصل " 135"