لقد كان أشبه بفصلٍ فجائيّ من العمل، لكن نيريسا، وبخلاف المتوقّع، شعرت بانشراحٍ في صدرها.
“…حقًا، لقد قطعتُ علاقتي بفيسبادن.”
ما كانت لِتُصدِّق أن مثل هذا اليوم سَيحلُّ أبدًا.
كانت دومًا تُردِّد: “يجب أن أستقلّ”، لكنّها لم تكن ترى طريقًا لذلك، وظلّ الأمر ضربًا من المستحيل.
ثمّ، في لحظةٍ غير متوقّعة، سنحت لها الفرصة.
صحيح أن الانفصال لم يكن جميلًا ولا مثاليًا، لكنها قرّرت أن تظل ممتنّة لأنها — بأي صورة كانت — استطاعت أخيرًا أن تغادر فيسبادن.
بل إن محامي العائلة، الذي طالما كان مخلصًا للدوق، أبدى جميلًا غير معهود، فحذّرها من أن الدوق قد يؤذيها.
وهذا وحده كان كافيًا لتمحو أيّ أملٍ أو تعلّقٍ بقلبها.
جهّزت نيريسا أمتعتها وذهبت إلى منزل جويل.
كان تحت الإقامة الجبرية في بيته بعد الحادث المروع الذي وقع أثناء عرض الإطار في القصر.
استقبلها جويل باستغراب.
“آنسة نيريسا؟ ظننتُكِ مقيّمة في منزلكِ.”
“جويل، ليس لديّ وقتٌ كثير، لذا سأختصر. عليّ أن أغادر العاصمة فورًا. ورشتي أيضًا أغلقت أبوابها.”
“ماذا؟”
أمام جويل المذهول، مدّت نيريسا شيكًا موقعًا ومفاتيح منزلها.
“هذا الشيك مكافأة لك على عملك الدؤوب طوال الفترة الماضية. وأما هذه المفاتيح، فهي اعتذار مني على أنك فقدت وظيفتك فجأة بسبب ظروفي تصرّف بها كما تشاء.”
“لحظة، آنستي…!”
تملّكته الحيرة، لكنها لم تملك وقتًا لسرد التفاصيل.
“سأشرح لك الأمر في كلمات قليلة: الدوق وابنته غاضبان مني غضبًا شديدًا فقد خدعتهما طوال الفترة الماضية؛ كنت على علاقة غراميّة سرّية برجلٍ آخر، لا السيد دوران.”
“ماذا؟”
“معرفة المزيد ستعرّضك للخطر، جويل. لذا سأتوقف هنا شكرًا لك على كل ما قدّمته سأغادر العاصمة وأختفي لفترة حتى تهدأ الأمور وبخصوص وظيفتك الجديدة، عندما يُرفع عنك الإقامة الجبرية، اذهب إلى روبين في الحدادة وأخبره بظروفي، سيهتم بك”
أتمّت كلماتها في نفسٍ واحد، دون أن تلتقط أنفاسها. ثم نهضت دون تردد.
“آسفة على كل هذه المتاعب الفجائية أتمنى لك حظًا موفورًا في حياتك.”
“آنسة!”
أمسك بها مذعورًا، لكنها هزّت رأسها.
“قلت لك حقًا لا وقت لدي إن تأخرت أكثر، حياتي في خطر.”
“…!”
ارتدّ مذعورًا وتركها.
فابتسمت له قسرًا.
“لا تقلق كثيرًا. عندما تهدأ الأجواء تمامًا، سأرسل لك خبرًا يطمئنك. اعتنِ بنفسك، جويل.”
لكنه أصرّ على منعها.
“انتظري لحظة، آنستي! إذا كنتِ ستغادرين العاصمة الآن، فدعيني أوصلك بعربتي إلى مشارف المدينة إنها أسرع بكثير من دراجتك.”
كان صوته متوسّلًا، ففكّرت قليلًا ثم وافقت.
“حسنًا. شكرًا لك على مساعدتك، رغم أن الأمر قد يعرّضك للخطر.”
ارتدى جويل معطفه مسرعًا ولحق بها.
***
وهكذا استقلت نيريسا عربة جويل، وانطلقت في رحيلها.
كانت تعاني من دوار السفر، لكنها لم تكن في موقف يسمح لها بالاختيار.
بفضل مهارة جويل في قيادة الخيول، استطاعا الخروج من حدود العاصمة قبل حلول المساء.
عندما هدأت الأمور قليلًا، فتح جويل حديثه بحذر:
“آنسة نيريسا، لا أعرف حقيقة ما يجري، لكني أرجو أن تحرصي على سلامتك.”
“هاه، شكرًا لك.”
تجنبت نيريسا إطالة الحديث معه؛ فمعرفة الكثير عن شؤون النبلاء قد تجعل البعض يهدد حياته ليُسكت لسانه.
وقبل أن تبتعد كثيرًا عن العاصمة، طلبت منه أن يوقف العربة.
“توقف هنا، جويل القرية أمامي، وحسبما أرى الطريق تؤدي إليها مباشرة.”
“لكنكِ معروفة بضعف توجهكِ في الطرق، آنستي.”
أراد أن يوصلها إلى القرية، لكنها أمسكت بلطف بزمام الحصان الذي بيده.
“عليك أن تعود قبل أن يظلم الليل، جويل. زوجتك وأطفالك الصغار ينتظرونك في البيت ولا يعرفون أين أنت.”
عندما تذكر أسرته، أوقف العربة على مضض.
“حسنًا، لقد غلبتِني يا آنستي أسأل الله أن تبلغي مكانًا آمنًا بسلام.”
“هذا وحده يكفيني.”
نزلت نيريسا حاملة حقائبها بكلتا يديها.
كانت المسافة إلى القرية قصيرة، لكنها بحاجة للإسراع قبل الغروب.
“وداعًا، جويل.”
ألقت تحية الوداع سريعة، ومضت في طريقها تحاول ألا تلتفت إلى الوراء.
على أسفل التل، ظهرت قرية صغيرة.
وكان طريق واحد يؤدي إليها، وكانت نيريسا، سيئة التوجيه، تشعر بامتنان لا يوصف لهذا الطريق الوحيد
همست لنفسها بصوت خافت:
“هيا، تماسكي، يا يو جون.”
اسمها الحقيقي.
لم تنادى به منذ زمن بعيد.
هكذا غادرت الرواية.
***
سرعان ما علم الأوساط الاجتماعية بنبأ مغادرة نيريسا العاصمة.
السبب الرسمي المعلن: الصدمة الشديدة التي تعرّضت لها إثر حادثة السيد دوران، وتحملها المسؤولية بوصفها مطوّرة الإطار المتسبب في الحادث، واستقالتها من شركة فيسبادن للصناعات.
وبفضل إحكام دوق فيسبادن السيطرة على ألسنة خدمه، لم يتسرب خبر المثلث العاطفي بين نيريسا وروبرتو و أديلايد إلى الخارج.
ورغم ذلك، كانت صدمة أديلايد لا توصف عندما علمت أن روبرتو أحب نيريسا، لا هي.
كل انكسارات كبريائها السابقة لم تكن شيئًا أمام هذا.
تماسكت أديلايد، وأبقت على ابتسامتها الثابتة في كل موقف.
كانت ترفض بكل كيانها أن تعترف بأن نيريسا سبقتها إلى قلب روبرتو.
أخبرت أديلايد روبرتو أنها تريد زيارته، لكن الرد جاء غير متوقع: إنه طريح الفراش مريضًا ولا يستطيع استقبال أحد حاليًا.
لم تصدّق أديلايد.
“هل أصابه الحزن لفراق نيريسا؟”
علّلوا الأمر بأنه تأثر بمقتل السيد دوران، أقرب مساعديه.
و أديلايد، التي لم تستطع كشف الحقيقة بسبب كبريائها، ظلت تعاني وحدها.
لم تجد بدًا من الذهاب إلى القصر لمقابلة الإمبراطورة بدلًا منه.
كان الجو في القصر ثقيلًا مضطربًا.
بدا أن نبأ مرض روبرتو حقيقي.
استُقبلت أديلايد بسهولة.
بينما كانت تجلس وحيدة في غرفة الاستقبال، دخلت الإمبراطورة متعبة.
“صاحبة الجلالة.”
“آه، أديلايد. هذه الأيام كلها أمضيها في متابعة حالة ولي العهد.”
سألت أديلايد بحذر:
“أهو على ما يُرام؟”
“لنتحدث في أمر آخر أولًا.”
توترت أديلايد من هذا التحول المفاجئ.
“تفضلي، صاحبة الجلالة.”
“علمتِ أيضًا مَن هي حبيبة روبرتو التي كان يخفيها، أليس كذلك؟”
“…!”
كتمت أنفاسها.
لم تكن تتوقع أن الإمبراطورة تعلم بوجود نيريسا.
قطبت الإمبراطورة جبينها.
“في الحقيقة، أخبرني ولي العهد عندما كان الحديث عن خطبة السيد دوران. حاولت جاهدة أن أثنيه عن حبه، لكن هيهات.”
“….”
“بصراحة، روبرتو الآن يرفض تمامًا تلقي العلاج من أطباء القصر.”
“ماذا؟”
ذهلت أديلايد.
أن يرفض ولي العهد — الذي سيخلف العرش — علاج نفسه عمدًا، كان تقصيرًا جسيمًا في واجباته.
لو علم النبلاء بذلك، لشنّوا هجومًا عنيفًا عليه.
“ولمَ ذلك بحق السماء؟”
سألتها بقلق، لكن الإمبراطورة ترددت.
“… إنه … يطلب مني أن أكفّ عن إصراري على زواجك به.”
“آه …”
انقطع بها حبلٌ ما.
أكان شريط أملٍ واهٍ، أم خيط تعلّق عنيد؟
دموعها، دون أن تدري، انهمرت.
“جلالتكِ، أرجو أن تأذني لي بلقاء ولي العهد. لديّ ما يجب أن أقوله له.”
“أوه … لا أدري إن كان سيوافق.”
هزّت الإمبراطورة رأسها متشائمة.
لكن أديلايد كانت تملك حيلة.
التفتت إلى وصيفة الإمبراطورة.
“أريد قلمًا وورقة، من فضلكِ.”
تساءلت الإمبراطورة باستغراب:
“ولماذا فجأة؟”
“إذا سلّمتِه رسالتي، فسيفتح الباب بلا شك.”
أحضرت الوصيفة القلم والورق.
كتبت أديلايد سطرًا واحدًا بسرعة:
“لديّ ما أقوله لك عن الرواية الأصلية، فأرجو أن تلقاني.”
بدت الإمبراطورة فضولية:
“الرواية الأصلية؟ وما هي؟”
“إنها شيفرة خاصة بيني وبين سموه، يا جلالتك.”
أجابت أديلايد ببراعة.
أمالت الإمبراطورة رأسها مستغربة.
“وكأنكما طفلان تتبادلان الألعاب.”
اكتفت أديلايد بابتسامة خفيفة، ولم ترد.
حملت الوصيفة الرسالة إلى روبرتو.
جلست أديلايد تحتسي الشاي مع الإمبراطورة، وما هي إلا لحظات حتى عادت الوصيفة بالرد.
“صاحبة الجلالة! ولي العهد وافق على مقابلة آنسة فيسبادن!”
“حقًا؟”
نظرت الإمبراطورة إلى أديلايد مندهشة.
ابتسمت أديلايد ابتسامة خفيفة.
“سأذهب الآن، جلالتك.”
تنهدت الإمبراطورة تنهيدة طويلة، وأومأت برأسها في وهن.
“حسنًا، أرجو أن تفلحي في إقناعه.”
ابتسمت أديلايد بمرارة.
لم يكن هناك سوى طريقة واحدة لإقناع روبرتو: أن تتخلى هي نفسها عن فكرة الزواج منه بشكل حاسم وجازم.
التعليقات لهذا الفصل " 133"