في اليوم التالي، استُدعيت نيريسا باكرًا إلى قصر دوق فيسبادن، فلبّت النداء.
لم يكن الدوق وحده في المكتبة، بل كانت أديلايد إلى جانبه أيضًا.
ارتسمت على وجهيهما معًا ملامح الجِدّية القاتمة.
كانت نيريسا قد أعدّت نفسها بالفعل لأسوأ الاحتمالات.
“هل أصدر جلالة الإمبراطور قراره يا سيّدي الدوق؟”
“أجل.”
كان رد الدوق ثقيلاً، كأنّ الكلمة تَحمّل فوق طاقتها.
سألت نيريسا بحذر:
“ماذا… قال؟”
“أولاً، أمر جميع أفراد أسرة فيسبادن بالبقاء قيد الإقامة الجبريّة في منازلهم لمدّة شهر. ثانيًا، يرى جلالته أنّ المنتَج الجديد ينطوي على مخاطر جمّة، لذا فقد تقرّر وقف إنتاج الإطارات بالكامل إلى حين استكماله بتقنيات أخرى أكثر أمانًا.”
“أفهم…”
أومأت نيريسا برأسها.
أفرغ الدوق لنفسه كأسًا من البراندي الثقيل، على الرغم من أن الصباح لم يكن قد اكتمل بعد.
“هاه… وأمر أيضًا بدفع تعويضات مالية سخيّة لأسرة الفقيد اللورد دوران. وبالطبع، كلّفني بتقديم تعويزات إلى صاحب السمو ولي العهد، اعتذارًا عمّا بدر.”
“أجل…”
كانت نيريسا تضطرب بفارغ الصبر؛ فجوهر الأمر لم يُبح به بعد.
“هل من… عقوبة محدّدة بخصوصي؟”
ارتشف الدوق رشفة من البراندي، ثم وضع الكأس ببطء على المكتب.
“بِتُّ أن الإمبراطورة أصرّت بشدّة على ضرورة نفيك خارج العاصمة الإمبراطورية. بينما عارض ولي العهد ذلك بشدّة وقد أخبرني جلالته أنّه حائر بين الرأيين.”
“…”
أطرقت نيريسا بصمت.
إذاً، ما نقله روبرتو إليها كان صحيحًا.
الإمبراطورة علمت بعلاقتها بروبرتو، ويبدو أنها عقدت العزم على التفريق بينهما إلى الأبد، مستغلة هذه الحادثة.
“لم يُبتّ في أمر عقوبتكِ أمس. على ما يبدو، سيمهل جلالته نفسه فترة تفكير وتأمّل طيلة فترة إقامتنا الجبريّة، ثم يصدر قراره.”
أخذت أديلايد تحدّق في نيريسا بتدقيق.
بدا الهدوء المطبق على ملامح صديقتها مصدر ذهول لها.
رسمت نيريسا ابتسامة خفيفة.
“أشعر بامتنان عميق… واعتذار شديد، سيّدي الدوق، لأنّ قرار مصيري أصبح سببًا لهذا الخلاف بين جلالة الإمبراطورة وسمو ولي العهد.”
تطلّعت إلى أديلايد وإلى الدوق، الواحد تلو الآخر.
“لا داعي لأن يُرهق جلالته نفسه بالتفكير. سأغادر العاصمة بهذا تنعم البلاط الإمبراطوري بالسلام، ويمكنني أن أتفرغ للندم على اختراعاتي الطائشة.”
إلا أن تعبير دوق فيسبادن لم يكن مرتاحًا لهذا الطرح.
“أليس في خروجكِ من العاصمة خسارة فادحة لأعمال كرافت فيسبادن؟”
“لكن، إذا أصررتم على إبقائي هنا رغمًا عن ذلك، وأثّرتم غضب الإمبراطورة، فماذا عساكم فاعلون؟ ألستم على استعداد للتخلّي عن فكرة دخول أديل إلى القصر الإمبراطوري؟”
عندما سمعت أديلايد اسمها يُذكر فجأة، اتسعت عيناها القرمزيتان في دهشة.
أطرق الدوق بوجه صلب صامتًا لبرهة.
“همم…”
“ما زالت الإمبراطورة تغدق حبّها على أديل. وأديل أيضًا…”
تلكأت نيريسا قليلاً قبل أن تكمل، ثم حنت رأسها بخفة.
“…ما زالت تحمل ولي العهد في قلبها…”
“…”
أدارت أديلايد وجهها بعنف.
شعرت بكرامتها تُجرح، وكأن نيريسا تتعاطف معها لعجزها عن نسيان حبها.
ضحكت نيريسا بهدوء.
“لا أريد البقاء لأكون بذرة فتنة. سأرحل.”
سأغادر العاصمة. سأنسحب من مسرح الرواية.
ثم، سأكمل المهمة الأخيرة: أن أعيش ما تبقى من عمري بسعادة، في مكان بعيد لا تصل إليه أنظار الأبطال، لنفسي وحدي.
أليست أديلايد هي البطلة التي عادت بالزمن بعد أن خانتها الشريرة الأصلية؟
كيف يُعقل أن تخونها “نيريسا”، التي حلّت مكانها بعد العودة، مجددًا؟
سيصفني البعض بالحمقاء.
وربما يجد البعض قصتي محبطة.
اكتفت نيريسا بابتسامة حزينة.
أجرى الدوق كفّه على وجهه في إعياء، ثم تنهّد.
“آه… لعلّ هذا هو الأصوب. من الأفضل ألا نصطدم أكثر من اللازم مع العائلة الإمبراطورية، على الأقل حتى تظفر أديلايد بسلامة بلقب ولية العهد.”
كانت أديلايد هي المفجوعة بهذا الرد.
أن تُنفى نيريسا من العاصمة كي ترتقي هي عرش ولاية العهد!
“أبي!”
صاحت أديلايد.
أتريد حقًا أن تطرد نيريسا هكذا؟
لوّح الدوق بيديه في الهواء.
“آه، رأسي يؤلمني يا أديل. لكن، حَسَنًا فعلت نيريسا باتخاذها هذا القرار بنفسها المهمّ أن نُطفئ النار المشتعلة قبل أن تتمدد.”
“أجل، سيّدي الدوق أنا أيضًا أفضّل العزلة لأتفرّغ مجددًا لأبحاثي.”
حدّقت أديلايد في نيريسا طويلاً.
“أحقًا تستطيعين العيش خارج العاصمة إلى الأبد؟”
“أديل، العاصمة ليست وحدها معمورةً بالناس.”
بدت الحيرة على أديلايد من جواب نيريسا.
بدت كمن لم يخطر بباله يومًا أن جليسته قد تغادره بلا عودة.
“عليّ العودة لمقابلة جلالته سأخبره أن نيريسا بادرت طواعيةً بمغادرة العاصمة، فلن يعود في حرج من أمرنا.”
“أحقًا ستتركونها ترحل هكذا؟!”
“ولم لا؟ عند الحاجة، يمكننا التواصل عبر الرسائل.”
قهقه الدوق بخفوت.
“كلما فكرت في الأمر، أجد نيريسا خير مَن ربيت من الأطراف. حسنًا، سأذهب الآن.”
غادر الدوق المكتبة أيضًا.
وقفت أديلايد في ذهول، تحدق في ظهره وهو يبتعد.
“هل يُعقل أن يكون هذا صحيحًا يا نيل…؟”
***
قادت نيريسا دراجتها الثلاثية بهدوء، وصولاً إلى الورشة.
“آه…”
رفعت بصرها تتأمل مبنى الورشة بتمعن.
ذاك البناء المكوّن من طابقين الذي أقامه لها دوق فيسبادن.
كان المكان الذي قضت فيه معظم وقتها منذ أن حلّت محل نيريسا.
حان الآن وقت الوداع.
“ينبغي أن أُرسل رسالة إلى جويل. ليأتِ ويأخذ أغراضه. وسأدفع له مكافأة نهاية الخدمة أيضًا…”
تحدثت نيريسا إلى نفسها بصوت مبتهج، تحاول طرد الكآبة.
بحثت في زاوية الورشة حتى عثرت على صندوق خشبي بحجم مناسب.
حملته بيديها وصعدت إلى الطابق الثاني.
كانت تنوي تفريغ محتويات غرفة عملها الخاصة.
وضعت دفاتر أفكارها وكراسات رسمها أولاً في قاع الصندوق.
ثم فتحت أدراج الخزانة، وأخذت تخرج محتوياتها المتفرقة واحدة تلو الأخرى.
وفجأة، لمست شيئًا.
“…”
عندما رأت مصيدة الأحلام البيضاء، انقبض صدرها.
تذكّرت روبرتو وهو يناولها إياها متصنعًا اللامبالاة.
كان قد برر فعلته بأن بائعًا متجولًا في مهرجان الشارع استوقفه وأجبره على شرائها.
وقد اعترف لها روبرتو في حفل عيد ميلاده بأنه شعر بشيء مختلف، لأول مرة في حياته.
“هاها… ما هذا…”
ألم تكن هذه أول هدية يقدمها لمن أحب؟
كم بدا متوترًا في داخله!
وهي أيضًا، كانت قد صنعت له مصيدة أحلام بريشة زرقاء في عيد ميلاده.
ربما رأى في ذلك قدرًا، تواطؤًا غامضًا.
إن كان الأمر كذلك، أليس هذا بريئًا وجميلاً؟
قصة حب أولى لشاب عاديّ تجاوز العشرين لتوّه.
“…”
مررت نيريسا بأصابعها على مصيدة الأحلام البيضاء برفق.
مهما طال بها المقام في هذه الحياة التي انتقلت إليها، فقد كوّنت ذكرى ستظل تحملها معها أينما حلّت.
امتلأت بالامتنان الصادق.
في أوقات الوحدة والحنين، ستُخرج هذه التذكار وتستمد منه عزاءً عابرًا.
وبينما كانت تهمّ بإيداع مصيدة الأحلام في الصندوق، انفتح باب غرفة العمل فجأةً.
“نيل!”
“!”
انتفضت نيريسا مذعورة.
ما الذي جاء بأديلايد إلى هنا الآن!
لكن لم تكن نيريسا وحدها من تجمّد في مكانها.
أديلايد، التي اقتحمت الغرفة بعنف، تمتمت بصوت شارد:
“آه…؟ أهذا… لا يمكن…؟”
“!”
حاولت نيريسا مذعورة إخفاء مصيدة الأحلام في الصندوق، لكن أديلايد لم تترك الأمر.
“مهلاً، نيل! ما هذا؟ أنا أعرف هذه القطعة!”
“أ-أديل، إنها…”
انتزعت أديلايد مصيدة الأحلام من الصندوق كما ينتزع الصقر فريسته.
“هذه بلا شكّ قطعة تخص صاحب السمو روبرتو…!”
شحب وجه نيريسا.
كارثة. لا كارثة أعظم من هذه.
لم تتوقع نيريسا أبدًا أن تأتي أديلايد إلى الورشة. ظنّت أن ليس بينهما ما يُقال بعد اليوم.
قبضت أديلايد على مصيدة الأحلام البيضاء وسألت بصوت مرتعش:
“نيل، كيف وصل هذا إليك؟”
“آه…”
خُرس لسان نيريسا، فلم تستطع النطق.
تشوّهت ملامح أديلايد رويدًا رويدًا.
أسوأ فرضية، تلك التي لم تكن تجرؤ حتى على تخيّلها، قد تحققت أخيرًا أمام عينيها.
“أنتِ… أتكونين…؟”
“…”
طأطأت نيريسا رأسها.
على وشك الخروج من الرواية، انكشف السر الذي كانت تخفيه بأحرص ما تملك.
لم أحاول أن أسلبكِ إياه، لم أستطع منع نفسي… كل هذه الأعذار لن تجدي نفعًا.
يا له من قدر ممقوت! يبدو أن هذه الرواية اللعينة لن ترتاح حتى تجعل من نيريسا شريرة تستحق الموت.
ألم يكن تسبّبي في موت دوران كافيًا؟ لا بد أن تسقط سقوطًا بائسًا على يدي البطلة نفسها؟
“نيل، يجب أن تشرحي لي.”
حدّقت أديلايد بها بعينيها القرمزيتين المحتقنتين بالغضب.
انفلتت ضحكة جوفاء من نيريسا، وتلاشت في الهواء.
“…يبدو أن هذا قدري يا أديلايد.”
“ماذا؟”
“في حياتي السابقة وهذه، بذلت جهدي لأغيّر مجرى الأحداث، لكن الأمور لم تجرِ كما أردت في النهاية، النهاية شقية بالمثل.”
“ما… الذي تعنينه؟”
سألت أديلايد بوجهٍ متجعد.
ابتسمت نيريسا بحزن.
“أديل، كلامك صحيح تمامًا. لأنني تبتُ عن الشر، اختلف مجرى حياتكِ بعد عودتكِ بالزمن. لم أكن أريد أن أعبث بحياتكِ، بل أردت فقط أن أجعل حياتي أنا مستقيمة.”
التعليقات لهذا الفصل " 130"