أصابت أديلايد صمتٌ طويل، لم تدرِ بأي كلماتٍ تواسي نيريسا.
كانت أديلايد قد بلغت ذروة اليأس حين تزعزعت خطبتها من روبرتو وكادت تُفسخ.
أمَّا نيريسا اليوم، فخَطيبُها قد فارق الحياة.
لم تدرِ أديلايد يقينًا كم كان الحُبُّ كبيرًا بين نيريسا ودوران.
لكنَّها تتيقن أن مَن جعل نيريسا، التي طالما رفضت الزواج، تعقد العزم على الاقتران به، لابد أنه كان رفيقًا تبادلا فيه الاحترام والثقة.
أدركت أديلايد، ولو بخفوت، مبلغ اليأس الذي يعتصِر قلب نيريسا.
“نيل!”
تمتمت أديلايد بعد تردد يسير، ثم استجمعت قولها:
“والدي قد غادر إلى القصر مع ذلك الخادم أظنه سيبحث مع جلالة الإمبراطور مسؤولية ما حدث. لا شك أن فيسبادن لن تفلت من المسؤولية بالكامل، كما قلتِ لوالدي قبل قليل.”
“لن تفلت بالكامل؟ إذاً فهي تفلت جزئيًا، أهذا ما تعنين؟”
لم تملك أديلايد إلا أن تجيش بغضب من سخريتها اللاذعة.
“أخبرني والدي يقينًا أنه سلّم جلالة الإمبراطور مخطّطًا مفصَّلًا يتضمّن تحذيرات السلامة قبل تجربة المنتج الجديد وأنتِ أيضًا، حذَّرتِ صاحب السمو روبرتو من رفع السرعة!”
“أوتظنين أن هذا وحده يكفي للتبرير؟”
قهقهت نيريسا بصوتٍ خافت، فارتبكت أديلايد لردّة الفعل غير المتوقعة.
“المهم، يجب أن نمنع تحميل عائلتي — بما فيهم أنتِ — كاملَ المسؤولية.”
“آه، ها، نعم. أجل، هذا أهم شيءٍ بالنسبَة لكِ.”
أدارت نيريسا وجهها عن أديلايد وقالت:
“اخرجي من فضلكِ، يا أديلايد.”
“……!”
وقع على مسامع أديلايد نبرةٌ جليدية لم تسمعها من قبل.
وبينما هي واقفةٌ مذهولة، نهضت نيريسا بهدوء.
“بل سأخرج أنا، كدتُ أنسى. هذه الورشة من تفضُّل سيدي الدوق فيسبادن. صحيح.”
“نيل؟”
رغم نداء أديلايد المذهول، تجاهلته نيريسا ببساطة.
مرَّت نيريسا بأديلايد كأنها شبحٌ عابر، ثم انسلّت إلى ظلمة الليل.
“نيل…!”
تمتمت أديلايد وحيدةً في الورشة الخاوية:
“ماذا حدث…؟ لماذا تغيّر كلُّ شيء فجأة…؟”
خافت أن تمسك بنيريسا، وكأن شيئًا يردعها.
من كانت تعرفها تبدّلت تمامًا، حتى شكّت أديلايد إن كانت نيريسا التي رأتها قبل قليل هي “نيريسا” الحقيقية.
“لا بد أن صدمة فقدان الخطيب كانت قاسيةً عليها.” أقنعت أديلايد نفسها بصعوبة.
***
امرأةٌ غير مسلَّحة تمشي وحدها في طريقٍ ليليٍّ حالك، وتنتحب، هذا غاية في الخطورة.
نيريسا تعي ذلك جيدًا، تدرك أنها تعرّض نفسها لأي عابث. لكنَّها لا تبالي.
بل الأصح، أنها لا تستطيع أن تبالي.
“لماذا أنا بالذات…؟”
أبهكذَا يكون القدرُ قاسيًا؟
انهمرت نيريسا بالبكاء.
تشعر بالذنب تجاه دوران الذي فارق الحياة دون ذنب، وتجاه روبرتو الذي طالما سعى بكل جهده ليلفت نظرها.
بل وحتى تجاه أديلايد، التي خسرت حبَّ حياتها بسببها هي أيضًا.
كان الزواج بدوران محاولةً للهروب، خطأً محضًا.
كل ما فعلته كان هربًا من واقع يخنقها، فإذا بالقدر اللعين يصرُّ أن يجعل منها الشريرة التي في الرواية، بل ويزيد عليها قتل دوران، وهذا لم يكن في النص الأصلي.
ليتها كانت قاسيةً شريرةً كتلك التي في الرواية. لكنَّها مع الأسف، روحٌ عادية جبانة كما هي.
لا تستطيع أن تسعى لسعادتها على حساب إيذاء أحد. هي من الأصل ليست بتلك القادرة.
هذا التخبط، هذا التردد الذي لا هو شريرٌ ولا هو طيب، هو ما أوصلها إلى هذا المصير.
“هه… آه…”
غطَّت نيريسا وجهها بكفيها.
رأسها يدمدم من كثرة البكاء.
جرَّت قدميها على الأرض بثقل.
كانت تخطو خطوةً هشّةً وأخرى، وإذ بها…
“نيل…!”
شدَّها أحدهم من خلفها بقوة.
كاد قلب نيريسا يسقط من مكانه حين سمعت ذاك الصوت.
“روب…”
لماذا جئت؟
لتأخذ بثيابي وتقول: أعيدي لي دوران؟
لكنَّ الكلمات ظلت تدور في فمها ولم تخرج.
عوضًا عنها، تفجَّر النحيب.
“ههيع…!”
ضمَّها روبرتو بذراعيه، بكل جسده.
لم يستطع أن يبقى ساكنًا، فاندفع خارج القصر وحده.
قصد منزل نيريسا أولًا، لكنه لم يجد أحدًا، فاتجه إلى الورشة.
وإذا به يرى امرأةً تسير في الليل البهيم، تنتحب. عرفها من ظلها فقط، إنها نيريسا.
اغشى على بصره.
لم يفكر، اندفع نحوها.
“نيل، لنعد إلى المنزل.”
كانت نيريسا على وشك الإغماء.
حملها روبرتو دون تردد.
أسندت نيريسا رأسها على صدره.
والدموع لا تزال تسيل في صمت.
**”
عادا إلى المنزل.
أجلس روبرتو نيريسا على الأريكة، وأشعل المدفأة.
ثم تناول البطانية الصغيرة من على الأريكة وغطّاها بها، إذ لم تكن تفكر بفعل ذلك بنفسها.
“…”
كانت نيريسا تحدق في ألسنة اللهيب بوجهٍ شاحبٍ بلا حياة.
حنى روبرتو رأسه كالمذنب.
“آسف، يا نيل.”
“…”
أطرقت نيريسا بصرها قليلًا.
تسرب اليأس إلى روحها من كل شيء.
اعتذار روبرتو أيضًا لا معنى له، لأن دوران لن يعود أبدًا.
ثقل روحٍ بريئةٍ أُزهقت، يُثقل كاهلها حتى كادت تختنق.
“نيل، إنه خطأي أنا لأني نسيتُ تحذيرك. لا عذر لي.”
“…”
ما زالت نيريسا صامتة.
تريث روبرتو، ثم عاد يقول:
“… والدتي، على ما يبدو، تريد استغلال هذا الحادث لتنفيكِ خارج العاصمة. لكني لن أسمح بذلك أبدًا.”
ابتسمت نيريسا بمرارة.
لربما لم يكن سيئًا أن تغادر الرواية هكذا.
رآها روبرتو تبتسم تلك الابتسامة الخفيفة، فانقبض قلبه.
“نيل، لا تفكرين في شيءٍ طائش، أليس كذلك؟”
“…”
أغلقت نيريسا باب الكلام تمامًا، ولم تُجب روبرتو.
أظلمت الدنيا في عينيه.
إن كانت قد أوصدت قلبها بصدق.
فماذا يفعل هو الآن؟
“نيل.”
كظم غصته ورؤيته تضبب.
“أشعر بالذنب الشديد تجاهكِ وتجاه دوران، حتى إني أتمنى الموت أتمنى الموت، لكن أتعرفين ما السخيف؟”
“…”
نظرت إليه نيريسا بعينيها الحالكتين صامتة.
زفر روبرتو كأنه يئن بصوتٍ خافت:
“رغم ذلك، فرحت لأنكِ لن تتزوجيه فرحت فرحًا حقيرًا!”
رفعت نيريسا عينيها السوداوين تحدقان فيه.
لكنه لم يستطع أن يواجه نظرتها.
نهض روبرتو متثاقلًا.
تمنّى لو يختفي.
كان يمقت نفسه، هذا الجشع الدنيء.
حتى أن يتنفس بحضور نيريسا، صار عارًا.
“ليس خطأكِ، يا نيل.”
بكل ما تبقى له من قوة، نطق بهذه الكلمة الأخيرة.
أجبر ساقيه كأنهما من رصاص على الحركة.
فتح الباب، فلفحه برد الليل القارس.
“آه…”
فتح فاه يزفر.
لكن صدره ظل مغلقًا لم ينفرج.
بدأ يخطو ببطء، خطوةً بعد خطوة.
***
بصَر نيريسا الفارغ يتتبع أثر خطاه بعد رحيله.
“كلا، إنه خطأي.”
تذكّرت كلماته الأخيرة، فرسمَت على شفتيها ابتسامةً خفيفة.
الإمبراطورة تريد نفيها خارج العاصمة.
لم تجد نيريسا في ذلك إلا راحة.
جلست إلى مكتبها.
أمسكت بالقلم وراحت تُرتب أفكارها بهدوء.
رسمت خطًّا طويلًا على الورقة البيضاء.
على جانب، دوَّنت أحداث الرواية الأصلية التي قرأتها حتى اللحظة التي فقدت فيها الوعي في حادث الحافلة.
وعلى الجانب الآخر، سجَّلت الأحداث التي وقعت منذ أن حلَّت روحها في الرواية، وفق تسلسلها الزمني.
“هوو…”
بعد هذا الترتيب، اتضحت الرؤيا أكثر.
انحراف مسار الرواية، فشل قصة أديلايد وروبرتو، وفاة دوران، كل هذا سببه الأساسي هو أنها تخلت عن دور الشريرة.
كان ينبغي أن تصوّب المسار عندما أدركت ذلك. لكنها تلكأت وضاعت الفرصة. ودفع دوران الثمن بدلًا عنها.
اتخذت نيريسا قرارها.
ستقبل بمصير الشريرة، ولو متأخرة.
في الرواية الأصلية، ألقت الشريرة بنفسها من على الجرف بعد أن فقدت كل شيء ويئست.
لكن نيريسا لم تملك الشجاعة لفعل ذلك.
لذلك، كان نبأ نفي الإمبراطورة لها خارج العاصمة مفرحًا.
“لنرحل.”
كانت عازمةً على مغادرة فيسبادن على أي حال.
لم يعد في جعبتها ما تتأذى به من قسوتهم وأنانيتهم.
لكي يسعد الجميع، الحل هو أن تختفي الشريرة.
“يا صاحب الصوت الغامض. هل هذا هو الصواب؟”
سألت نيريسا بحزن.
لكن لم يكن هناك جواب فوري.
“هاها…”
يجب أن تختفي.
حينها فقط ستعود الرواية المنحرفة إلى مسارها، وتنتهي نهايةً سعيدة.
ربما سيحزن روبرتو كثيرًا.
لكن بجانبه أديلايد، هذا مطمئن.
فهي، قبل كل شيء، بطلة هذا العالم التي تحبه بصدق.
صحيح أن نيريسا ملَّت أديلايد كثيرًا بعدما حلّت في هذا العالم، لكنها في الحقيقة كانت تحب بطلة الرواية.
كم شجَّعت خطواتها الحازمة الواضحة وهي تقضي على الشريرة.
“لن أُخيِّب ظنَّك مرتين، يا أديلايد.”
البطلة الجميلة الطيبة، سبق أن سامحت الشريرة نيريسا — الشريرة الأصل — على فظائعها التي سلبتها كل شيء.
وها هي نيريسا، وقد رسمت طريقها، تعلو شفتيها ابتسامة هادئة.
التعليقات لهذا الفصل " 129"