أخذ دوق ڤيسبادن يتعامل مع المشهد ببرودة أذهلت الحاضرين.
فسرعان ما أمر الحراس بمرافقة العائلة الإمبراطورية إلى مقارهم،
وتولى بنفسه تنظيم الخدم والعمال لجمع حطام المركبة وفضلاتها.
وانهمك أطباء القصر في علاج دوران الذي أصيب بجروح بالغة.
لكن همساتهم كانت تفيض يأسًا:
“هذا…”
“لقد نزف دمًا كثيرًا…”
إلى جانب نيريسا، أُغمي على بعض السيدات النبيلات اللائي كن يشاهدن العرض من هول المنظر المروع.
فسارع خدم النبلاء باقتياد أسيادهم بعيدًا عن ساحة التدريب.
أديلايد، شاخصة البصر، أخذت تحدق في الفوضى الغامرة.
“ما هذا الذي…”
نيريسا التي أُغمي عليها حُملت على أيدي خدم القصر إلى الداخل.
التفت إليها دوق ڤيسبادن، وكانت لا تزال واقفة مذهولة، فقال بنبرة حادة:
“أديل، الحقي بنيريسا!”
“أه، نعم…”
تمالكت أديلايد نفسها بسرعة،
ثم رفعت ذيل ثوبها وأسرعت الخطى.
“أخ…!”
صر دوق ڤيسبادن على أسنانه.
ذلك اللعين ولي العهد دمّر عرض اليوم المهم تمامًا.
وزاد الطين بلة أن خطيب نيريسا أصبح في حالة حرجة.
التفت إلى يان والبروفيسور روبن، وقال:
“حقّقا بدقة في سبب هذا الحادث وأبلغاني بالنتائج.
لكن احرصا على ألا يتضمن التقرير ما يسيء إلى ڤيسبادن كرافت، فهمتما؟”
“نعم، نعم…”
“أجل…”
أجاب يان والبروفيسور روبن بوجوه شاحبة.
تحت قيادة دوق ڤيسبادن، بدأ مكان العرض يستعيد شيئًا من نظامه.
وفي غضون ذلك، عادت ساحة التدريب إلى سابق عهدها،
وكأن المذبحة لم تكن.
***
“…!”
فزعت نيريسا وفتحت عينيها.
أول ما خطر ببالها بعد أن أفاقت:
“دوران…!”
“السيد دوران يعالجه أطباء القصر الآن، يا نيل.”
“…!”
التفتت نيريسا بسرعة نحو الصوت المفاجئ.
كانت أديلايد جالسة بعيدًا قليلًا عن السرير تراقبها.
“أه، كيف… كيف الوضع؟”
“لا أدري عمّ تسألين تحديدًا، لكن إن كنت تعنين عرض الإطارات، فقد كان كارثة بكل ما في الكلمة.”
“لا يهمني ذلك العرض! أنا أسأل عن السيد دوران!”
صاحت نيريسا كأن نوبة ألم اجتاحتها.
بدت أديلايد لها في تلك اللحظة باردة مثيرة للتقزز، وهي تتحدث عن العرض في هذا الموقف العصيب.
فقالت أديلايد بوجه جامد:
“آه، يبدو أن السيد دوران جراحه خطيرة لكن لا أعرف التفاصيل.”
“آه…!”
أحست نيريسا باليأس.
في الحقيقة، كان دوران ضحية الصراع العاطفي بينها وبين روبرتو.
أدركت نيريسا أن سبب تجاهل روبرتو لتحذيرها وزيادته السرعة يعود إليها هي بالذات.
“لا بد أن أذهب إليه يا أديل. لأرى السيد دوران…”
“لا تذهبي. وجودك هناك لن يفيد، بل سيعيق الأطباء عن علاجه.”
أوقفت أديلايد نيريسا بحزم.
فحدقت بها نيريسا بعينين دامعتين.
“لكن السيد دوران أُصيب بسببي…!”
“كلا، ليس هذا صحيحًا يا نيل.”
ردت أديلايد بوجه شاحب كأن الدماء نزفت منه كلها.
“السيد دوران أُصيب وهو ينقذ صاحب السمو روبرتو، الأمر لا علاقة له بكِ، ولا بشركتنا ڤيسبادن كرافت أبدًا.”
“…؟”
ذهلت نيريسا.
أديلايد، التي كان وجهها متجمدًا باردًا، أرخَت كتفيها قليلًا.
“أتمنى أن تتفهمي موقفي، فعلى الرغم من أن خطيبك في حالة حرجة، إلا أنني أُجبر على التفكير في مصلحة العائلة بدم بارد على كل حال، أنا آسفة جدًا لما حدث للسيد دوران.”
“…”
“أنا أيضًا أدعو من كل قلبي أن ينجو السيد دوران يا نيل.”
تنهدت أديلايد تنهيدة قصيرة، ثم نهضت بهدوء.
“المهم، الآن وقد عدتِ إلى وعيك، فلنعد إلى المنزل.
علينا أن نضع خطة لمواجهة ما حدث، فمن الواضح أن أعمالنا ستتكبد خسائر فادحة بسبب هذا الحادث”
“أديلايد!”
صُعقت نيريسا.
ارتجف جسدها كأنه ورقة في مهب الريح.
في تلك اللحظة، تحولت أديلايد تمامًا إلى بطلة الرواية الأصلية الباردة القاسية.
عيون أديلايد الحمراء لم تتحرك البتة رغم صراخ نيريسا.
“أرجوكِ يا نيل، إننا في القصر الإمبراطوري
حتى الجدران هنا لها آذان تسمع وترى لا تنسي أنك إن أطلقتِ لعواطفك العنان وتكلمتِ بلا روية،
فسيلقي عليك اللوم في إصابة السيد دوران
القصر الإمبراطوري مكان خطير بهذا القدر.”
“…!”
شعرت نيريسا بقشعريرة تجتاح صدرها.
كان كلام أديلايد قاسيًا، لكنه كان منطقيًا تمامًا.
فالقوى التي تتربص بعائلة ڤيسبادن وتريد النيل منها ستغتنم هذه الفرصة لتلقي بكامل مسؤولية حادث اليوم على شركة ڤيسبادن كرافت.
وربما يلقي والد أديلايد، رب العائلة، باللوم كله على نيريسا.
لم يكن أمامها رفاهية التغافل،
إن كانت لا تريد أن تُضحى بها ككبش فداء.
“أوه…”
أجبرت نيريسا نفسها على النهوض.
شعرت بذنبها تجاه دوران يخزها في كل جسدها.
لكن إن لم تتمالك نفسها، فستفوت عليها فرصة إدارة الأزمة بالشكل الصحيح.
فلما رآها تنهض، قالت أديلايد بهدوء:
“أحسنت. هذا ما يجب فعله.”
ثم أدارت ظهرها وغادرت دون أن تنتظر نيريسا.
“…”
ظلت نيريسا شاردة تنظر إلى ظهرها لحظة.
ما شعرت به من ضيق تجاه أديلايد سابقًا كان نابعًا من أنانيتها هي.
أما هذه المرة، فكان الإحساس مختلفًا تمامًا.
لقد جرحت قسوة النبلاء الرفيعي القدر، تلك القسوة التي لا تعرف دمعةً ولا رحمة، قلبها ببرودة.
ضغطت نيريسا على كتفيها المرتجفتين بيديها، وقد امتلأت عيناها بالدموع.
أخذت على نفسها عهدًا صامتًا:
يجب أن أترك ڤيسبادن حقًا هذه المرة.
لا ككبش فداء، بل بإرادتي الحرة.
للمرة الأولى، شعرت بخيبة أمل حقيقية تجاه اسم ڤيسبادن.
“آه…”
أطلقت تنهيدة طويلة رطبة،
ثم غادرت هي أيضًا تتبع أديلايد.
***
جلس روبرتو شارد الذهن، يراقب أطباء القصر وهم يتحركون باضطراب حوله.
كانت إصابة دوران أشد خطورة مما أُعلن.
بل كانت تتفاقم أكثر فأكثر.
“…”
حدق روبرتو في سرير دوران بعيونٍ فارغة.
كان يظن نفسه أكثر الناس برودة ورباطة جأش،
لكن خطأً واحدًا كلفه ما لا يمكن إصلاحه.
لقد حذرته نيريسا قبل أن يمتطي المركبة ألا يزيد السرعة، لكنه غرق في مشاعره ونسي تحذيرها.
تطايرت في رأسه آلاف “لو”.
لو بقي دوران حارسَه الشخصي كما كان،
لو لم يتطوع بالاختبار عوضًا عن الإمبراطور،
لو…
“هِه…”
تسرب أنينٌ يائس من بين شفتي روبرتو.
وكأنه هو من يفارق الحياة مع أن المحتضر هناك هو دوران.
استحى أن يقول آسف.
دفع دوران ثمنًا باهظًا بسبب طيشه.
أرجوك، عش. أرجوك.
لم يستطع روبرتو حتى أن يتمالك نفسه،
وبقي ينتظر أن يفتح دوران عينيه كطفل حائر لا يدري ما يفعل.
وفجأة، ازدادت غرفة العلاج ازدحامًا واضطرابًا.
صرخات الأطباء المستعجلة جعلت روبرتو ينهض قسرًا.
“ما، ما الخطب…؟”
كان الهواء مشحونًا بالتوتر، خانقًا.
ارتفع أنفاسه إلى حلقه وكأنه ركض لمسافات طويلة.
ثم، في لحظة.
“آه…!”
“آه…”
توقف الأطباء الذين كانوا يهرولون فجأة.
ساد صمت ثقيل حالك في لمح البصر.
اغرورقت عينا روبرتو بالسواد.
“دوران…؟”
نداء خافت مزق ذلك الصمت.
استدار الأطباء كلهم دفعة واحدة نحو روبرتو.
“صاحب السمو…”
سأل روبرتو، وهو لا يدري ما يقول:
“لماذا توقفتم؟ هلا واصلتم العلاج فورًا؟”
“…”
“ألم تسمعوا أمري؟”
“إنه… صاحب السمو…”
ضباب كثيف غشى بصر روبرتو.
“أمرتكم بمواصلة العلاج فورًا! حالًا!”
قال أحد الأطباء المسنين بصوت مرتجف:
“السيد دوران في ذمة الله، يا صاحب السمو ولي العهد.”
“ماذا تعلمون أنتم عن دوران؟!”
ارتفع صوت روبرتو صارخًا كالنحيب.
“إنه ليس رجلًا يتهاوى بهذه السهولة! إنه فارس واجه عشرين لصًا بمفرده وانتصر عليهم!”
“…”
“دوران! إنه… فارسي!”
لكن روبرتو لم يستطع أن يخطو خطوة واحدة ليصبح قريبًا من دوران.
خوف بدائي لا يوصف، ويأس كالمستنقع، شداه من كاحليه بقبضة حديدية.
“حارسي الأمين… حارسي الشخصي… لا يمكن أن يسقط بسبب…شيء كهذا…”
بصرٌ يغشاه الضباب أكثر فأكثر، صوت يخفت رويدًا رويدًا.
أطرق الأطباء جميعًا برؤوسهم.
“دوران…”
تمتم روبرتو باسم دوران بصوت خافت.
ذراعه المدلاة بلا حياة خارج السرير كانت لا تزال تبدو مفتولة العضلات وقوية كما كانت في حياته.
شيء عميق وحاد شق صدره.
“…”
لقد كان هو من أبعد حارسه، لكنه في الحقيقة لم يطلقه من قلبه تمامًا.
كان ينوي أن يعيده إلى جانبه بعد أن يسترد نيريسا سالمة.
التعليقات لهذا الفصل " 127"