انفجرت الإمبراطورة غضبًا في لحظة، لكن روبرتو لم ينكمش، بل رفع رأسه منتصبًا.
“اختَاري كلماتكِ بعنايةٍ يا أمي مَن نقض خِطبة فيسبادن لستُ سواي، لا هي”
صرخت الإمبراطورة بوحشية كالضارية:
“أتَجسُرُ على وصفي بالجُبن أيها الوريث؟!”.
” تعلّمتُ أنَّ الشجاعةَ الحقيقيةَ هي التسامحُ مع الضعفاءِ والثباتُ في وجه الأقوياء، لكنّكِ يا أمـي تتصرفين بنقيضِ ذلك تمامًا أليس هذا من السخرية بمكان؟! أنتِ التي كنْتِ تضعينَ الكرامةَ فوقَ كلِّ اعتبارٍ تفعلينَ هذا؟!”.
هكذا سخِر روبرتو لاذعًا، واتسعت عينا الإمبراطورة.
ثم أضاف ببرود:
“لن أنسى أبدًا ما دبّرْتِهِ”.
وبينما كان يستدير مشعًّا بالجليد، صرخت الإمبراطورة مُستَخَفةً:
لم يُعِرْها روبرتو انتباهًا ومضى خارج الحجرة، فظلّت تصبّ جامَ غضبها وراءه:
“تلكَ الفتاةُ الساقطةُ التي تلطخُ يديها بالسخامِ، ذلك الحظيرةُ التي تبعثِرُ نشارةَ الخشبِ هي ما يليقُ بها! وماذا قدمتْ لكَ حتى تكافئها بهذا؟! أليس جزاؤها لكَ إنكارك؟!”.
كل كلمةٍ انغرست في صدر روبرتو كخنجر، لكنه مع ذلك تجنّب الالتفاتَ إليها.
غادر روبرتو غرفة نوم الإمبراطورة وقد تيبّس وجهه شاحبًا.
***
لم يستطع روبرتو ذلك النهارَ أن يجمع شجاعتَه لزيارة نيريسا.
كان كلام الإمبراطورة قد جرحَه بمرارة، والحقَّ أنه لم يستطع إنكاره تمامًا.
” نيل…”.
حدّق روبرتو عاجزًا في أطراف أصابعه المرتعشة.
نيريسا أيضًا قد اعترفت، أنها ليست بقدرِ شوقِهِ إلى هذا الحب.
ألهذا كان الأمرُ يسيرًا عليها؟
أن تنفيَ علاقتَه بها في تلك اللحظة، وأن تقررَ الزواجَ من دوران بكل سهولة؟
في الحقيقة، كان على روبرتو أن يعترف بواقعٍ لا مفرَّ منه: نيريسا طالما كانت سلبيةً في علاقتها به.
بلغةٍ أكثر تجردًا:
“نيل لا تريدني”.
كانت الكلماتُ التي نطق بها تخنقُ أنفاسَه.
بصراحة، لم يكن يفهم نيريسا تمامًا.
إن كانت تحبّه، فلماذا لا تشتاقُ إليه اشتياقَ المحبِّ المتيم؟
كان مستعدًّا دائمًا أن يمدَّ لها طوقَ ودِّه، وأن يفعل أيَّ شيء تطلبه.
وقد فعل.
ومع ذلك، كانت النتيجةُ مروعة.
أظلم الخارج سريعًا.
ظل روبرتو محبوسًا في غرفته طوال اليوم دون أن يأكل أو يقابل أحدًا.
اقترب كبيرُ الخدم بحذر:
“صاحبَ السمو، لي حديثٌ مهم”.
تمالك روبرتو نفسه رغم أنه أراد طردَه.
“…ماذا؟”.
“يبدو أن خبرَ خِطبة السيد دوران قد شاع في فوج الفرسان”.
«…!».
حدّق به روبرتو بعنف، فطأطأ كبيرُ الخدم رأسَه.
كان روبرتو في حيرة، أهذه سرعة انتشار الإشاعات؟!
“أوَتُعرفُ هويةُ الطرفِ الآخر أيضًا؟”.
“أجل، صاحب السمو. قيل إنها الآنسة نيريسا”.
كاد روبرتو يصرخ في الحال.
نيريسا كانت امرأته، حبيبته، فمن يجرؤ على أن يتخذها زوجةً؟!
“أدوران… هو من أشاعَ هذا…؟”.
سأل بصوتٍ خافتٍ متألم، لكن كبير الخدم هزّ رأسَه.
“جاءت الإشاعة من صالونٍ وانتشرت كالنار في الهشيم في المدينة كلها قيل إن أميرة فيسبادن نفسها هي من نشرتها”.
“فيسبادن…!”.
ما كان لهذه الإشاعة أن تنتشر بهذه السرعة ما لم تُنشر عمدًا.
وإذ كانت الإمبراطورة قد أمهلت نيريسا أسبوعًا حتى يصل الخبرُ إلى أذنَيها، فكان أفضلُ طريقٍ لنيريسا هو أديلايد.
فأديلايد التي اختفت من المجتمع بعد انسحابها من حفلة عيد الميلاد، ها هي تظهر في الصالون حاملةً أخبارًا جديدة، فلا تسلْ عن جلبةِ ما أثارت.
“آه…”.
ارتخى جسد روبرتو منهكًا.
لا شيءَ يعينُه.
سأل كبير الخدم بهدوء:
“أتودُ الخروجَ متنكرًا؟”.
لم يستطع روبرتو البتَّ.
كان يخاف لقاءَ نيريسا بصراحة.
والحقُّ أنه الأحقُّ بالغضب، لكنه كان يخشى أن تلقاه فتقول له كلمةَ الوداع.
كان يعلم أن المماطلةَ لا تجدي، ومع ذلك لم يقوَ على الحسم.
لم يُرِد أن يفارقَ نيريسا هكذا.
“…أدوران في فوج الفرسان؟”.
“أُخبِرتُ أنه غادر القصر”.
أغمض روبرتو عينَيه بإحكام.
لا شك أن دوران الصلب قد ذهب إلى ورشة نيريسا، فلم يُلغَ أمرُ حراسته إياها بعد.
كان لا بد من مواجهة نيريسا.
عليه أن يقنعها بسرعةٍ بفسخ هذه الخطبة الوهمية.
وفي الوقت نفسه، لا يريد مواجهتها.
يخاف أن تودِّعه.
“هاه…”.
بين التردد والخوف، كان الوقتُ يمر.
وفي النهاية، لم يذهب لرؤيتها في ذلك اليوم.
***
وجدت نيريسا نفسها فجأة في قلب صخب المجتمع الراقي.
لكن رغم الضجة، كانت ورشتها هادئة كأنها في عالم آخر.
جويل، الذي لا تربطه صلةٌ وثيقة بالأوساط الأرستقراطية، لم يسمع بعدُ بخبر خطبتها.
لذا كان منهمكًا في عمله كالعادة.
نظرت نيريسا إليه صامتةً ثم قررت:
“جويل، لدي ما أقوله لكَ”.
“تفضّلي، آنستي”.
رمش جويل بعينيه متسائلاً.
تردّدت نيريسا برهةً قبل أن تتحدث:
“هذه الأيام… هناك فارسٌ يُذكر اسمي إلى جانبه… للخطبة”.
“أواه! أهو ذلك السيد الذي زار الورشة قبل أيام؟!”.
سأل جويل ببهجة، فأومأت نيريسا برأسها بضعف.
“أجل…”.
لعلّ من حسن الحظ أنه لم يكن بحاجة لشرحٍ مطوّل. فظهور دوران أمام جويل سهّل المهمة.
“لم يُحسم شيءٌ بعدُ، مجرد وعد لكني رأيتُ أن أخبرك بنفسي”.
“أن تتكرّمي بإخباري، هذا من دواعي شرفي يا آنستي ههه، مباركٌ لكِ!”.
“آه هه…”.
أجبرت نيريسا نفسها على ضحكةٍ متكلّفة.
كان قلبها مثقلاً.
لا شك أن دوران قد أخبر روبرتو عن اقتراح زواجهما الوهمي في تلك الليلة.
لكن روبرتو لم يأتِ.
عادت نيريسا إلى مشغلِها الخاص في صمت، لتُفسحَ لجويل مجالَ التركيز في عمله.
“…..”.
حتى التنهد كان عاجزًا عن الخروج.
ربما كان روبرتو غاضبًا منها لدرجة أنه لا يريد رؤية وجهها.
ولذلك لم يأتِ ليستوضح منها الخبر رغم سماعه.
“صحيح. وماذا عساه يسمع مني لو جاء؟”.
تخيلت نيريسا الكلماتَ التي قد تقولها له:
كنت خائفةً من نظرات الإمبراطورة، لم أستطع فعلَ شيء. ألسنا منذ البداية غيرَ مؤهلين لأن نكون معًا؟ ما حدث قد حدث، فتقبّل الأمر.
“أوه…”.
لماذا تتفجر عيناها بالدموع إذاً؟ لقد ألِمت نيريسا من جبنها وضعفها حتى كادت تمقت نفسها.
بالنظر إلى الوراء، كان روبرتو قد أبدى إعجابه بها منذ وقتٍ مبكر.
منذ أن أبدى اهتمامه بمجسم الدراجة ثلاثية العجلات، ثم أخذ يتردد على الورشة، وطلب منها أن تناديه بلقبٍ صغير ليخفي هويته.
ومع ذلك، لم تتنبّه.
“كم كنتُ غبية…”.
مسحت نيريسا دموعها وابتسمت باستماتة.
لا تدري كيف ستُشيع أديلايد الخبر، لكن نيريسا كانت تتمنى فقط أن يبلغَ مسامعَ الإمبراطورة في أقرب وقت.
فلينتهِ هذا الصخب سريعًا.
بعد أن يهدأ ويمرُّ الوقت، سيعود العالم إلى سكونه كأن شيئًا لم يكن.
كل ما كانت تفعله هو انتظار انقضاء العاصفة.
***
عادت أديلايد إلى النشاط بزيارة الصالونات وحضور حفلات الشاي، حتى أتيح لها أخيرًا لقاء الإمبراطورة.
كان أول يوم تزور فيه القصر منذ دعوتها في حفلة عيد الميلاد.
جلست أديلايد في صالون الإمبراطورة متوترةً بعض الشيء.
وسرعان ما دخلت الإمبراطورة بخطواتها الأنيقة.
“أرى أنكِ أخذتِ قسطًا من الراحة، يا أديلايد”.
“بفضلِ اهتمامِ جلالتِكِ، تماثلتُ للشفاء وخرجتُ”.
ردّت أديلايد بآدابٍ لا تُخرم.
نظرت إليها الإمبراطورة بابتسامة غامضة:
“يُقال إن جلالةَ الإمبراطور ناقش الأمرَ بجدية مع دوق فيسبادن. وقد أعلن الدوق أن الأمرَ متروكٌ لكِ وحدكِ إن أردتِ الاستمرارَ في الخطبة أم لا”.
“أجل، جلالتكِ”.
انحنت الإمبراطورة قليلاً إلى الأمام:
“لكن عزيمتكِ لم تتزعزع، أليس كذلك؟ ولهذا أخبرتُ جلالة الإمبراطور بذلك قلتُ إنه رغم ما حدث من سوء تفاهم بينكِ وبين روبرتو، فالنتيجةُ ستكون واحدةً”.
“أتقصدين أن صاحبَ السمو قد تقبّل إقناعَ جلالتِكِ؟”
تلكأت الإمبراطورة قليلاً عند سؤال أديلايد، لكنها سرعان ما استعادت ابتسامتها المشرقة:
“…ما زلتُ أُقنعُه. وكما كان دائمًا، سيفهم الوريثُ رغبتي”.
“أجل…”.
شعرت أديلايد بأن شيئًا من الأمل بداخلها ينهار.
كانت هذه الكلمات برّاقةً لكنها في النهاية لم تكن سوى ذريعةٍ لعدم نجاحها في إقناعه.
أشرقتْ وجهها الباهت بابتسامة متكلفة.
كان عليها أن تواصل المحادثة.
“لكن يا جلالتكِ، بلغني أن كلامًا غريبًا قد دار حول ما حدث في حفلة عيد ميلادي”.
التعليقات لهذا الفصل " 122"