“أجل. وقد استعلمت من الآنسة نيريسا عن طبيعة علاقتها بسموك. هذا ما أخبرتني به.”
“ها…!”
نهض روبرتو واجماً وأخذ يجوب الغرفة ذهاباً وإياباً بخطوات متسارعة، ثم سأل بنبرةٍ مُلِحَّة:
“ماذا قالت لها؟”
“حمَّلتها مسؤوليةَ زعزعة استقرار خطبة زواج سموك.”
“ماذا…؟”
تجمَّد روبرتو في مكانه.
لم يكن بحاجةٍ إلى عناء التفكير ليتخيّل ردة فعل نيريسا عند سماعها ذلك.
سوادٌ حجب بصره، بل كاد الرعبُ يخنقه.
“إذاً… هـ-هي…؟”
وحتى وهو يبلِّغ بهذا الخبر، لم تعلُ وجهَ دوران أيةُ علامات اضطراب.
“يبدو أنها أوضحت لجلالتها أن هناك سوء فهم عندها طلبت جلالتها من الآنسة أن تثبت براءتها، فوافقت نيريسا على الأمر.”
“براءة؟ وأية براءة هذه!”
توقَّع روبرتو الأسوأ، شعورٌ مريب تملكه.
فأجاب دوران، بلهجته المعتادة نفسها:
“لقد اختلقت الآنسة نيريسا عذراً بأنَّ علاقتها ليست بسموك، بل بي أنا وكدليل على ذلك، وعدت جلالة الإمبراطورة بأن تشيع خبر خطوبتنا في أرجاء العاصمة خلال أسبوع.”
“…!”
تشوَّه وجه روبرتو كوجه وحشٍ ضارٍ.
انطلقت من بين شفتيه همسةٌ منخفضةٌ إلى حدٍّ مَرعِب.
“خطوبة… بينك وبينها؟”
“أجل، هكذا كان.”
“نيريسا قالت ذلك… فماذا كان ردُّك أنت؟”
“لقد قبلتُ الاقتراحَ حفاظاً على سلامة الآنسة و…”
وفي تلك اللحظة، هوت قبضةٌ قوية على وجه دوران.
تلقَّى الضربةَ على مُقدَّمة وجهه وهو على غير أُهبة، فسقط أرضاً بلا مقاومة.
ضحك روبرتو ضحكةً جافَّة.
“لا بد أن أذنيَّ قد خانتاني، بدا لي أني سمعتُ ردّاً غريباً!”
نهض دوران مسرعاً واستعاد وقفته، وإذا بشفته قد انشقت، فبدا أثرُ دمٍ أحمر.
“هيا، أعد ما قلتَ. ماذا فعلتَ؟”
رغم نبرة روبرتو المشبعة بالقتامة والشرر، ظل دوران بوجهٍ لا يتغيّر يقول:
“لقد تعرَّضت الآنسة نيريسا لضغطٍ هائلٍ في ذلك الموقف، ما اضطرها إلى استدعائي كذريعة للتبرؤ مما نسب إليها وبعد أن استمعتُ إلى مجريات الأمر، وجدتُ في حكمتها صواباً، فقبلت…”
مرةً أخرى، اشتعلت شرارةٌ في عيني دوران إثر لكمةٍ أخرى.
ألمٌ مبرحٌ اجتاح وجهه، وكاد يظن أن عظام وجنتيه قد تحطَّمت.
“إذاً، أنت ستتزوجها؟”
“أجل، هذا صحي…”
وقبل أن يكمل، انهالت عليه قبضةٌ أخرى مُثقَلة بالغضب.
صمد دوران بصمت، ثم أعاد جسده المتعرج إلى استقامته.
“لا أستطيع ذلك يا سموك. الآنسة نيريسا تقيم الآن في قصر فيسبادن، ولا بد أنها أبلغت الدوق وابنته بهذا الأمر.”
“لا تتفلسف واذهب فوراً!”
يد روبرتو المضمومة كانت ترتعش.
سوادٌ كثيف اجتاح ذهنه.
لم يكن ليسمح للأمور أن تمضي على هذا النحو.
“ما زال في الإمكان تدارك الأمر! تحرَّك بلا توانٍ اذهب فوراً إلى قصر الدوق وأخبر نيريسا أني أطلبها على عجل…”
“يا صاحب السمو.”
عندها فقط تغيَّرت ملامح دوران.
ارتسمت في عينيه حسرةٌ عميقة.
تكلَّم بصوتٍ يملؤه الأسى:
“أحقاً تعتزم حبس الآنسة نيريسا داخل قفص؟”
“…!”
اتسعت عينا روبرتو الزرقاوان وثبَّتهما في دوران بنظرة ثاقبة.
أكمل دوران برباطة جأش:
“الآنسة نيريسا، التي ترتهن مكانتها الاجتماعية لأسرة فيسبادن، والتي تكنُّ لها جلالة الإمبراطورة كلَّ هذا المودّة، لم يكن أمامها من سبيل أمام جلالتها سوى إنكار علاقتها بسموك وما أراه الآن هو الأصوب، أن تتستَّر بزواجها الوهمي مني وتخفض رأسها ريثما يحين وقتُ الفرصة المناسب.”
ارتفعت زاوية شفتي روبرتو في ابتسامةٍ ملتوية.
“لقد عصيت أمري، والآن تعلِّمني ما ينبغي؟”
“سأتقبل عقابك بطيب خاطر لكني لن أمتثل لأمر الذهاب إلى قصر فيسبادن الآن.”
ركع دوران على ركبةٍ واحدة وأطرق برأسه.
رفع روبرتو إصبعه مشيراً إلى باب الحجرة.
“من الآن فصاعداً، لم تعد حارسي ولا تفكر في الظهور أمامي مجدداً.”
نهض دوران ببطء، ثم أدَّى لروبرتو أسمى تحيةٍ تليق بأحد أفراد العائلة الإمبراطورية.
امتثل للأمر وغادر حجرة روبرتو دون تردد.
“ها…!”
أمعن روبرتو النظر في الأثر الذي خلفه دوران وراءه، بنفاد صبر.
كان دوران أكثر من وثق به في هذا القصر.
واحدٌ من المقربين القلائل، هو ورئيس الخدم، الذين يعرفون عنه كلَّ شيء.
لم يخطر بباله قط أنه سيطرده بهذه الصورة.
تعيين قادة الحرس الإمبراطوري وعزلهم من صلاحيات الإمبراطور نفسه، لذا لم يكن بمقدور روبرتو أن يمسَّ رتبة دوران كفارس.
لكن في هذه اللحظة، كان غضبه شديداً حتى ليحترق قلماً بهذا العجز.
أخذ روبرتو نفساً عميقاً، شهيقاً وزفيراً، كي يهدئ من ثورته.
كان لا بد أن يهدأ، وإلا لقتل أي أحد يصادفه.
كان ذهنه مسوداً بالكامل من حدة الغيظ.
كان عليه أن يهدأ قبل أن يرتكب كارثةً حقيقية.
أن يصحو ويعي ما يفعل، ويذهب لاستعادة نيريسا في أقرب وقت.
راح يردد لنفسه كأنه يعزف تعويذة.
“هاه…”
ضغط على محجريه بأصابعه، محاولاً التقاط أنفاسه.
لم يكن من العدل أن يلوم نيريسا أو دوران.
الجاني الحقيقي هو أمه.
قرر روبرتو أن يذهب إلى الإمبراطورة عند بزوغ الفجر.
فهو يحتاج إلى أعصاب باردة ليواجهها.
أمضى الليلة كلها ساهراً.
***
تخلَّى روبرتو عن عادته الصباحية في زيارة ميدان تدريب الفرسان، وتوجَّه فوراً إلى جناح الإمبراطورة.
كانت زيارة مفاجئة في مثل هذه الساعة المبكرة جداً، فاهتز جناح الإمبراطورة من الفرع إلى الذنب في لحظة.
ما إن فتحت الإمبراطورة عينيها على سريرها حتى استقبلتها وصيفتها بلهفة:
“جلالتك! سمو ولي العهد قادم إلى هنا الآن!”
“هم؟”
قطَّبت الإمبراطورة جبينها.
هذه الزيارة في هذا الوقت الباكر كهذا، دون سابق إنذار، كانت وقاحةً كبرى حتى وإن كان الزائر ابنها.
غمغمت باستياء:
“ما هذا التصرف؟ ما كان ليفعله ولي العهد لا تعترضوه، دعوه يدخل.”
“أمركِ، جلالتك…”
بمساعدة وصيفتها، رتَّبت الإمبراطورة هندامها على عجل.
ثم ارتسمت على محياها ابتسامةٌ هادئة، وأمرت وصيفتها:
“افتحي الباب على مصراعيه لقد استعددت لاستقبال ولي العهد.”
امتثلت الوصيفة فوراً.
وما إن فتحت الباب حتى كان روبرتو قد بلغ العتبة، فدخل الحجرة بسلاسة.
“أظنكِ توقعتِ مجيئي، صاحبة الجلالة.”
“لقد أحدثت جلبةً تكفي لتيقظ كل من في القصر.”
قهقهت الإمبراطورة بسخرية، ثم أمرت من حولها:
“سأتحدث مع ولي العهد على انفراد انصرفوا جميعاً”
غادر الوصيفات والخدم بلا تردد.
حلَّ الصمت.
عندها فقط فتحت الإمبراطورة عينيها الرماديتين الباردتين.
“لقد كذبتني تلك الفتاة الوقحة.”
“…!”
اشتعلت نار الغضب في صدر روبرتو.
بمجرد أن رأت الإمبراطورة اندفاعه إليها منذ الصباح الباكر، أدركت أن نيريسا لم تخبرها بحقيقة علاقتها بدوران، بل بروبرتو نفسه.
وفي الحال، حوَّلت الإمبراطورة سهم الملامة نحو نيريسا.
لقد بدأت الإمبراطورة بالفعل تستغلَّ ببراعة حقيقة أن نيريسا أصبحت نقطة ضعف روبرتو القاتلة.
“ومع ذلك، يا للمسكينة! تراها كانت تتوسل إليَّ باكيةً بحرارة وتزعم أن لا علاقة لها بك، بل بالفارس دوران! لكن ها أنت الآن، يا بني، جئت لتكشف زيفها وتثبت جرأتها على خداع العائلة الإمبراطورية ولا بد لهذه الجرأة من ثمن.”
“أليس من الطبيعي أن تفعل ذلك تحت ضغط هيبتكِ؟ لو أخبرتكِ نيريسا بالحقيقة في ذلك الموقف، أكنتِ ستتركنها وشأنها؟”
رد روبرتو بلسانٍ حاد.
لكن الإمبراطورة لم تكن أقلَّ منه.
“أي رعيةٍ تبقى غير خائفة أمام العائلة الإمبراطورية؟ مهما يكن، لو كانت الفتاة تحبك حقاً، لكان الواجب أن تظل مخلصة لكِ رغم أي خوف. أليس كذلك؟”
بدت ابتسامتها كأنها استهزاء.
“لكن هذه الفتاة، نيريسا، كان كل همها الهرب. ما إن واجهت بعض المتاعب حتى تخلت عنك فوراً هذا هو قدرُ مَن تدَّعي حبها لك. هذا هو حجمها الحقيقي.”
قابَلها روبرتو بابتسامةٍ ساخرة على شفتيه.
“ماذا تعرفين أنتِ عن قدرها حتى تتحدثي عنه؟ لقد واجهتِ تلك المسكينة فجأةً وحمَّلتها وزر إفساد خطبة العائلة الإمبراطورية! بأي عذر كانت ستتبرأ لو لم تكذب؟”
“فكر بعقلانية يا روبرتو تلك المرأة كذبت وأنكرتك. والآن تأتي إليَّ في الصباح الباكر تعاتبني؟ هل هذا صواب؟”
كانت الإمبراطورة واثقةً من نفسها أشد الثقة.
شعر روبرتو بالاشمئزاز من أسلوبها الذي تُلقي فيه بكل اللوم على نيريسا.
“ولهذا ضغطتِ عليها كي تتزوج؟ ترغمينها على زواج لا تريده، وتطالبينها بإثبات براءتها؟”
“أوه، أيها ولي العهد، لِمَ تسألني عن ذلك؟ الخيار كان لنيريسا وحدها هي التي اختارت أن تتحدث عن خطبتها بلسانها، لأنها لم تشأ تحمُّل تبعات ما فعلت.”
استندت الإمبراطورة إلى الأريكة بكل استرخاء.
“المهم، لقد تأكدنا الآن تلك المرأة هي سبب هذه الفوضى كلها.”
قهقه روبرتو ببرود:
“وقد تأكدتُ الآن من جبنكِ يا أمي. لمّا لم تستطيعي مواجهتي مباشرة، ذهبتِ إلى نيريسا المسكينة.”
التعليقات لهذا الفصل " 121"